أوروبا تخطئ بإضعاف سوريا

بقلم: ياسين الحاج صالح

 

تخطئ أوروبا باشتراطها تضمين اتفاق الشراكة السورية الأوروبية بنداً يطالب دمشق بالتزام أقوى بالتخلي عن اسلحة الدمار الشامل. فالإمعان في إضعاف سوريا التي تراجعت قوتها بعد احتلال العراق سيكون على حساب الاستقرار لا لحساب هذا الاستقرار في المنطقة التي يصفها الغربيون، بقدرية مصطنعة، بالتقلب الدائم. إذ إن لما يحتمل أن تحوزه سوريا من أسلحة دمار شامل (كيميائية حصرا) مفعولاً ردعياً ضابطاً لسياحة اليد الضاربة الإسرائيلية صوب شمال الجولان. وإصرار الأوروبيين، السلامي ظاهرا، على تجريد سوريا من تلك الأسلحة دون تسوية مع إسرائيل ودون اشتراط التسوية سيعطي ثمرات عكسية، اي سيجعل السلام المستحيل اشد استحالة.
والأوروبيون (والأميركيون والإسرائيليون) يعلمون من المثال العراقي أن احتمال الاستخدام الدفاعي لهذه الأسلحة محدود جدا، وإذا صح تحليل أورده تقرير صدر منذ شهور عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات فإن التصور الموجه لأسلحة الدمار الشاملة المفترضة في سوريا لا يتعدى الاستئناس بها لمنع اتساع الحرب إن وقعت لا لمنع إسرائيل من شن الحرب ذاتها أو من توجيه ضربات محدودة. وهم اعلم بأن احتمال الاستخدام الهجومي لها منعدم كل الانعدام.
إن سوريا منكشفة وضعيفة خطر على المنطقة ككل، كما سبق أن اثبتت الحرب اللبنانية، وكما اثبت درس تفكيك الدولة العراقية، وهو خطر سيطال أوروبا ومصالح أوروبا من دون شك. وهو قبل ذلك إهانة للشعب السوري قبل نظام حكمه، ورغم تسهيل نظام الحكم ذاته إضعاف البلاد بافتقاره إلى السند الشعبي النشط.
إنها إما سياسة قديمة وجامدة هذه التي تصر على إضعاف سوريا (والعرب)، أو هي انسياق في الخطط الأميركية التي تصدر بدورها عن منظور متعصب ومتأصل في بنى السلطة والشعور والمصالح الأميركية. وفي تقديرنا أنه لمصلحة الولايات المتحدة بالذات، وبالتاكيد للمصلحة العالمية، ان تحافظ اوروبا على درجة أوسع من الاستقلالية حيال القوة الامبراطورية من تلك التي تبديها دول مثل بريطانيا وهولندا والدنمارك و، للأسف، ألمانيا. فتعدد المقاربات وتنوع أقنية التفاعل السوري (والعربي) الغربي هو شيء جيد من حيث إنه يضفي مرونة مرغوبة على العلاقات بين الطرفين ويؤمن خيارات بديلة حين يفسد خيار قائم.
أما أن تنحاز السياسة الأميركية إلى مقاربة المحافظين الجدد المتطرفة، وتكتفي أوروبا بتهنئة نفسها على عدم تبنّيها هذه النظرة بحذافيرها دون بذل جهد جاد لتطوير مقاربة اكثر استقلالا، فأمر منذر بكل انواع المخاطر كما برهن هنا أيضا المثال العراقي. إن عجز الأوروبيين عن ترجمة وجهات نظرهم السياسية إلى استراتيجيات ارتباط وتفاعل متماسكة هو الذي يحد من قدرتهم على إثبات صحة وجهات النظر تلك، حتى حين تثبت التطورات أنها بالفعل صحيحة. ومثل ذلك الشلل ظهر بالفعل حين تبيّن زيف المسوّغات الأميركية لغزو العراق، ثم حين تكشف الاحتقار الأميركي النسقي للشعب الذي يفترض أن احتل من أجل نقل الديموقراطية له. لم يستطع الأوروبيون (فرنسا وألمانيا بالخصوص) ان يقولوا لقد كنا على حق لأنهم غير قادرين على بلورة سياسة متماسكة حول هذا الحق.
إما أن يكون الأوروبيون <<محضر خير>>، فيسهموا إسهاما نشطا رادعا للعربدة الإسرائيلية التي طالت التراب السوري نفسه قبل أشهر، أو على الأقل ليصمتوا ويمرروا اتفاق الشراكة وفقا للشروط ذاتها التي حكمت اتفاقات الشراكة مع الدول العربية الأخرى ومع إسرائيل بالذات. في ذلك مصلحة سورية بلا جدال، لكنه أيضا منسجم مع توجهات الرأي العام الأوروبي الذي رأت نسبة 59 منه، قبل شهور قليلة، أن إسرائيل هي التهديد الأول للاستقرار والسلم في العالم. وهو إلى ذلك مصلحة أوروبية كما أشرنا لأن إضعاف سوريا قد يفتح أبواب تكون <<دولة فاشلة>>، في منطقة لا تبعد كثيرا عن أوروبا وعن شرايين النفط العالمية.
لا يستطيع الأوربيون أن يقولوا إن ضغطهم لم يصل إلى هذا الحد، لأن من الواضح أنهم لا يملكون تصورا عن الاتجاه المحتمل للديناميات السورية المحلية والإقليمية إذا نجحوا في فرض شروطهم دون تسوية للنزاع مع إسرائيل، ولا عن كيفية ضبط تلك الديناميات وحماية سوريا إن وقع الأسوأ. ولأسباب متعددة لا تستطيع السلطات السورية أن تقول للأوروبيين: هل ستحموننا إن اعتدت علينا دولة تملك ترسانة نووية كفيلة بقتل السوريين جميعا، وجعل البلد غير قابل للحياة؟ من بين تلك الأسباب نقص الكفاءة.
قصر النظر الأوروبي يتجلى أيضا في رغبة الأوروبيين المشروعة في أن تكون سوريا قوية بما يكفي لقمع <<الإرهاب>>، لكن اقل مما يلزم للدفاع عن نفسها في وجه عدو بالغ القوة والاستهانة بالقانون الدولي. هذا غير مشروع وغير عادل. وهو يشبه تماما منهج التعامل الأميركي والإسرائيلي مع السلطة الفلسطينية: نريدها قوية لحمايتنا لكن أضعف من أن تحمي نفسها أو شعبها منا. الفرق الوحيد هو تفضيل أوروبا <<القوة الناعمة>>، بتعبير جوزف ناي، فيما تؤثر إسرائيل وسندها الأميركي <<القوة الخشنة>>. لكن ليس من المؤكد أن التفضيل الأوروبي تفضيل أولاً، ولا هو مفيد لنا، نحن المتضررين من الخشونة الأميركية، ثانيا. يكاد المرء يتمنى لو كانت أوروبا قادرة على ممارسة القوة الخشنة، ولكن باستقلال، بدلاً من قوة ناعمة تفترض وجود الخشونة الأميركية كرصيد لها، ولا قيام لها من دونها. بهذا المعنى يجد التشدد الأوربي في تضمين بند تنفيذي حول أسلحة الدمار الشامل رصيده وشرط إمكانه في <<قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان>> وفي سياسات التهديد والعقوبات التي تدأب واشنطن على فرضها على دمشق.
وقد يغرى المرء بتمني أن تشبع أوروبا حاجتها إلى الضغط على سوريا بضغوط تتصل بملفات حقوق الإنسان والإصلاح والشفافية. وقد يفضل أن يكون الضغط الأوربي على شكل مطالب محددة بدلاً من كلام معسول مرسل حول هذه الملفات: إفراج عن معتقلين سياسيين، الضغط من اجل فرص متساوية للسوريين في الوصول إلى مصادر المعلومات، الدفع من أجل نظام قضائي أكثر نزاهة واستقلالية...
إن ضغوطا من هذا النوع تلعب لمصلحة الشعب السوري دون ان تضعف سوريا كدولة، خلافا للضغوط المنحازة والكيدية الخاصة بأسلحة الدمار الشامل التي تضعف سوريا دولة وتغفل شعبها، بل تسقطه من الحساب.
(
) كاتب سوري