وقفة نقدية مـع خـطاب الســيـد حـسـن نصر الله ... محمد علي الاتاسي

 

يكاد السيد حسن نصرالله، الامين العام لـ"حزب الله" ان يكون السياسي اللبناني الوحيد الذي يتمتع بشعبية واسعة تتجاوز حدود بلده الصغير لتشمل العديد من البلدان العربية والاسلامية. ونستطيع المجازفة بالقول ان هذه المكانة لم ينلها في تاريخ لبنان الحديث احد غيره، هذا اذا استثنينا الراحل الكبير كمال جنبلاط.

لا شك هنا في ان السيد حسن نصرالله يمتلك موهبة خطابية وشخصية كاريزمية، لكن الامر الذي يصنع الفارق الحقيقي بينه وبين بقية الساسة اللبنانيين والعرب، يتجسد في ان الرجل نجح حتى الآن في قيادة حزبه والمقاومة في مواجهة اسرائيل حيث استطاعوا تكبيدها خسائر فادحة واجبروها على سحب جيشها وحافظوا على السلم الاهلي في الجنوب وحققوا عملية تحرير الاسرى العرب واللبنانيين من السجون الاسرائيلية.

يضاف الى هذا، ان سمعة الرجل لم تتلطخ بشبهة الفساد ومراكمة الثروات وتوزيعها على الاقارب والابناء، وهذا بحد ذاته يعتبر شيئا نادرا داخل الطبقة السياسية اللبنانية. بل انه بدلاً من ان يورث ابنه هادي نصرالله الجاه والسلطة، دفع به كأي مقاتل آخر من حزبه الى خطوط المواجهة المسلحة مع الجيش الاسرائيلي حيث قضى هناك شهيدا.

لكن "حزب الله" وعلى رأسه امينه العام، وهو ايضا مشروع سلطة واسلام سياسي وتشكل طائفي وقوة عسكرية وجهاز امن ومؤسسات اعلامية وجمعيات تربوية واجتماعية وتحالفات وتبعيات اقليمية. لهذه الاسباب مجتمعة، من حقه علينا ومن حقنا عليه ان نتناوله بالقراءة النقدية، بدلا من ان ننضم الى جوقة المطبلين والمزمرين، وهم كثر في هذه الاوقات الاستثنائية. انها مجموعة من التساؤلات، بمناسبة مسيرة الاكفان وما تلاها، نوجهها الى "حزب الله" وامينه العام الذي دعا الى هذه المسيرة وخطب في حشودها وفصّل في اهدافها.

لنبدأ من عبارة الطمأنة التي وجهها نصرالله الى اللبنانيين بشكل عام، وارتجلها في الجموع المحتشدة بأكفانها في ملعب الراية في محلة صفير وقال فيها الآتي: "اننا هنا لا نتظاهر ولا نتحدى شركاءنا في الوطن وانما نتحدى اعداء وطننا واعداء امتنا". نسأل هنا، كيف لا تفهم هذه المسيرة واستعراض القوة الذي رافقها، الشيعيان القتاليان بامتياز، كتحد لشركاء الوطن؟

ففي بلد بات كل شيء فيه يفسّر ويؤول على اساس طائفي، من الصعب على من يسميهم نصرالله شركاء الوطن ان لا يروا في هذا الحشد رسالة سياسية موجهة لهم بقدر توجيهها الى الخارج. خصوصا ان هناك العديد من افرقاء الداخل الذين لا يتفقون مع "حزب الله" في خياراته السياسية وارتباطاته الاقليمية. واذا افترضنا جزافا ان غالبية اللبنانيين، على تعدد مشاربهم الطائفية وتوجهاتهم السياسية، يلتقون مع "حزب الله" حول خياراته السياسية، اما كان من الاجدى ان تتم الدعوة الى هذه المسيرة من قبل مجموعة القوى السياسية والدينية التي تلتقي حول هذه الخيارات؟!

اليس من الانجع والاكثر تأثيرا ان تغيب عن هذه المسيرة، الرموز والشعارات والصيحات، ذات الصبغة الطائفية بامتياز، لمصلحة شعارات اخرى اكثر تعبيرا عن غنى النسيج الاجتماعي والسياسي والديني اللبناني وتنوعه؟

أما كان من الافضل ان يخطب في الجموع شخصيات عامة عدة، بدلا من ان تُحشد الناس في الشوارع بأكفانها البيضاء تلبية لنداء الامين العام الذي سيخطب فيها قائدا، وحيدا واوحد، قبل ان يأمرها بالعودة بسلام الى بيوتها.

لقد شهد العصر الحديث، شخصيات سياسية كثيرة عرفت كيف تخاطب الجموع وترتجل فيها كلاما مؤثرا وتحشدها حول اهداف محددة. لكن ماذا لو كان زمن القادة الكاريزميين والخطب الارتجالية والكتل البشرية الصماء المتحلقة حول الزعيم الاوحد، قد ولى الى غير رجعة في عالم السياسة؟ حيث سمح تطور وسائل الاعلام لرجل السياسة بايصال افكاره الى معظم البيوت، وسمحت له العملية الانتخابية بحصد الشعبية التي يستحقها من خلال صندوق الاقتراع.

طبعا هذا لا يعني ابدا ان تظاهرات الشوارع قد مضى زمانها، فدورها في التأثير على العملية السياسية لا يزال قائما، ولكن ليس من طريق الغاء فردية الناس وصهرهم شيبا وشبابا، نساء واطفالا، في كتلة بشرية صماء ومكفنة بالبياض ترفع سويا القبضات وتنادي بصوت واحد "لبيك نصرالله"؟! الذي يجيبها: "اقول بقبضاتكم وحناجركم نحن نثبت خطنا وموقعنا وموقفنا ورؤيتنا". وكم كنا نتمنى عليه ان يذكّر هذه الكتلة البشرية انهم ايضا مجموعة من المواطنين الافراد الذين لا يملكون فقط الحناجر والقبضات ولكن ايضا يتمتعون بحق الاقتراع الذي من خلاله يمكنهم ليس فقط ان يثبتوا خطهم وموقعهم وموقفهم، ولكن ان يدافعوا عن مصالحهم ويثبتوا شرعية مؤسسات الدولة اللبنانية.

نحن لا نريد هنا ان نستذكر، كما فعل البعض، المثال القميء لموسوليني وجموعه المنتصبة كجسد واحد بقمصانها السوداء. لكننا سنأخذ مثالا اكثر قربا الى قلوبنا وعقولنا ونسأل ما الذي حدث للجموع "الهادرة من المحيط الى الخليج" بعد ان غاب عنها زعيمها الاول جمال عبد الناصر؟ اما كان من الاجدر لعبد الناصر ان يؤسس لشرعيته الشعبية من  خلال صندوق الاقتراع والبنى المؤسسية الديموقراطية بدلا من ان يستعيض عنها بالملايين المنادية باسمه في الشوارع. والتي سرعان ما ستتركها مكفهرة بعد غياب بطلها المنقذ؟ قد يقول قائل ان مثل هذا المنطق كان مستحيلا وجوده في ذلك الوقت في اوج الحرب الباردة وهيمنة النموذج السوفياتي. لكن من غير المقبول اليوم، ان لا  نتعظ من تجارب الماضي ودروسه، ونظل نكرر اخطاءنا السابقة.

ولسخرية الاقدار، يكاد يكون النظام الثيوقراطي الايراني من اواخر الانظمة السياسية في عالم اليوم الذي يلجأ لحشد مثل هذه الجموع الجرارة، لا لشيء الا لتغطية انهيار شعبيته وانعدام شرعيته ليس فقط تجاه التيار الاصلاحي المنكفئ رغما عنه، ولكن تجاه الشعب الايراني بشكل عام واشمل. هذا في الوقت الذي تبقى فيه ايديولوجيا "حزب الله"، عصية على كل النقاشات التي تجتازها الطبقة السياسية الايرانية من حول ولاية الفقيه وعلاقة الدين بالدولة ومفهوم سيادة الشعب.

بالعودة الى مسيرة الاكفان بلونها الحزبي والايديولوجي والطائفي الواحد والموحد من حول القائد الفرد، هناك سؤال يتبادر الى الاذهان: ما معنى ان يعلن تلفزيون "المنار" في بثه المباشر، والمسيرة في بدايتها، ان مئات الآلاف من الناس في الشوارع وما هي الا دقائق حتى يتصدر شاشته شريط انباء يعلن فيه ان المسيرة هي اضخم تجمع شعبي بتاريخ لبنان الحديث؟! واخيرا يعلن التلفزيون ان التقديرات الاولية تشير الى ان عدد المتظاهرين تجاوز النصف مليون! ترى هل هذه الارقام الدعائية موجهة لارهاب العدو الخارجي ام لتخويف شركاء الداخل في بلد تستند حياته السياسية بالكامل على توازنات دقيقة واحصاءات قديمة لم يتجرأ احد حتى الآن، ويا للاسف، على اعادة النظر فيها بشكل علمي وموضوعي! خوفا من انهيار التوازنات والمحاصصات التي تقوم عليها السياسة اللبنانية منذ عصر الانتداب؟ ترى هل اميركا هي المعنية اكثر بادعاء ان التظاهرة هي الاضخم بتاريخ لبنان، ام هم الشركاء المفترضون بهذا التاريخ وبهذا الوطن؟

ولمن يتقن العمليات الحسابية عندما تتعلق بجموع البشر، نسأله ان يعطي لكل انسان يمشي على قدميه مساحة نصف متر مربع وليحسب بعدها مساحة الشوارع بدءا من قاعة سيد الشهداء في الرويس ومرورا بالغبيري والمشرفية واوتوستراد هادي نصرالله ووصولا الى محلة صفير وملعب الراية، ولنرَ بعدها اذا كان الرقم يقترب ولو من بعيد من 500 الف متظاهر.

هذا الرقم "الاضخم" الذي اعلنه تلفزيون "المنار" وردده من بعده العديد من وسائل الاعلام اللبنانية والعربية من دون اي حس نقدي، اذا دل على شيء فانه يدل على ظاهرة الاحتكار والاستئثار التي ميزت "حزب الله" منذ نشأته الاولى. فمن احتكار تسمية الله لمصلحة حزب سياسي بعينه، الى احتكار المقاومة، الى احتكار معتقل الخيام بعد تحريره، الى احتكار تمثيل الطائفة الشيعية ولو من خلال تظاهرات الشوارع وارقامها المليونية.

ان هذه المراجعة النقدية لمسيرة الاكفان والامور التي رافقتها، لا تستقيم اذا لم نتوقف امام بعض المعاني والافكار التي طرحها السيد حسن نصرالله في الخطبة التي ارتجلها امام الحشود في ختام المسيرة. فالامين العام لـ"حزب الله" ، بالاضافة الى كونه قائدا سياسيا هو ايضا رجل ديني شيعي، ومن الطبيعي ان تحضر رموز الشهادة والتضحية الكربلائية في خطبه السياسية لتشحذ الهمم وتوقظ الضمائر. لكن كل الخوف هو ان يتم الانزلاق من رمزية المشهد الكربلائي وابعاده المثالية الى راهنية الواقع وحساباته السياسية. كل الخوف هو ان يجري الخلط بين قدسية الرموز الدينية ومثاليتها، رهانات السياسة ومعاركها الدنيوية. يقول السيد حسن نصرالله في خطبته شارحا معنى صيحة "لبيك يا حسين" التي لم تنفك الحشود ترددها من بعده: "لبيك يا حسين يعني ان تدفع الام بولدها ليقاتل فاذا استشهد واجتزّ رأسه والقي به الى امه وضعته في حجرها ومسحت الدم والتراب عن وجهه وقالت له راضية محتسبة: بيّض الله وجهك يا بني كما بيّضت وجهي عند فاطمة الزهراء يوم القيامة".

تُرى اليس من الاجدى لنا اليوم ان نناضل حتى لا يجتز رأس اي واحد من اولادنا وحتى لا تعود هذه الممارسات حاضرة في عالمنا الراهن؟ تُرى اليس من الاجدى لنا ان نجنب نساءنا وامهاتنا هذه المآسي والاهوال وان تكون نساء آل البيت قدوة لنا في عدم تكرار محنتهن؟

ودائما في السياق نفسه يخاطب السيد حسن نصرالله الناس المحتشدة بالآتي: "نحن امة نعيش المعاناة في الداخل، نعرف معاناة المظلومين والمستضعفين والجائعين والفقراء والمحرومين ومشكلة الكهرباء والبنزين وكل هموم الداخل. واقول ان جزءا مما يجري في الداخل اللبناني هو ايضا مؤامرة لكسر ارادة هذا الشعب المقاوم. مؤامرة لارتهان هذا البلد للبنوك الدولية وللدول والمحافل الكبرى، هم يريدون هنا ان يشغلونا بالجوع وبالعطش وبالبنزين وبالكهرباء وبالضرائب وبكل هذه المصائب الاجتماعية والمعيشية لنغرق في هذه الشؤون الشخصية، ولكن نحن نقول لهم اننا تعلمنا من رسول الله وآل بيته والسلف الصالح، تعلمنا من ابائنـا واجـدادنا ومن قـرآننا، ان الحيـاة ليـست طـعاما وشرابا.

الحياة بالدرجة الاولى كرامة. الحياة بالدرجة الاولى شرف. الحياة بالدرجة الاولى ان تعيش انسانا وليس حيوانا يأكل ويشرب وينام. وينتهك حرمتك وحريتك وكرامتك الآخرون. لذلك بالرغم من كل مصائبنا سنبقى حاضرين في هذه المواجهة".

لا شك في ان من حق السيد حسن نصرالله كرجل دين وسياسة ان يرى في مشاكل الجوع والعطش والكهرباء والبنزين والضرائب شؤونا شخصية تشغل الناس عن معارك الكرامة والشرف والمواجهة مع العدو. لكن من قال ان في معارك الجوع والعطش والبنزين والكهرباء لا تتحقق كرامة الانسان؟ الانسان الحر والمصانة حريته وكرامته وحرمته هو الانسان الذي يعرف كيف يقاتل دفاعا عن لقمة عيشه وحقه في المأكل والمشرب والمنامة الصالحة.

من يسمع السيد حسن نصرالله يتحدث في مسيرة الاكفان عن مؤامرة الداخل التي يريدون بها كسر ارادة الشعب المقاوم واغراقه في الشؤون الشخصية عليه ان لا يستغرب ان يكون السيد أول من يتحدث بعد احداث حي السلم عن المؤامرة ذاتها، وعن اناس مرتبطين بالسفارة الاميركية، وكأن ايمان السيد نصرالله بقدسية معركته مع العدو واولويتها يجعل من الصعب عليه ان لا يرى شبح المؤامرة يتجلى في اي حوادث تحيد عن هذه المعركة، حتى لو ارتبطت بلقمة العيش واسعار البنزين او ارتبطت باعادة صوغ التوازنات السياسية بين الافرقاء اللبنانيين و"حزب الله" واحد منهم.

ملاحظة اخيرة على الهامش تتعلق بشعار "الموت لأمريكا" الذي هتف به السيد حسن نصرالله في الخطبة وردده الآلاف من بعده. تُرى اليس من مسؤولية القائد السياسي ان يصون الحـشود مـن الانـزلاق نـحو الـتطرف والشـعارات التعـميمية الفـجة.

فأميركا هي في النهاية شعب بمكونات ثقافية متعددة وتيارات سياسية مختلفة. اميركا ليست كتلة صماء وفيها الصالح والطالح، وفيها بالتأكيد اصدقاء لنا. ولنتخيل فقط كيف ستكون ردود فعلنا اذا قام احد الزعماء الاميركيين في حشد جماهيري بترديد عبارات من مثل "الموت للبنان" او "الموت لايران" او "الموت للعرب"!

ان الحياة لا تقوم على ثنائيات الابيض او الاسود، الكرامة او لقمة العيش. الحياة تقوم على تجاوز هذه الثنائيات، واذا كان صحيحا ان ليس بالخبز وحده يحيا الانسان، فان الانسان لا يستطيع ان يحيا من دون خبزه اليومي.