الحزب الشيوعي السوري: تقليد جديد ومؤشر صحي

2004/06/07

 

محمد الحسناوي
تقليد جديد ومؤشر صحي أن يطرح حزب سوري (برنامجه.. أو ورقة أعمال مؤتمره) علي الحلفاء والأصدقاء وعلي الشعب فضلاً عن الأعضاء.. قبل مناقشته النهائية وإقراره.
لقد آن الأوان لكي تفكر (قيادات) الأحزاب السورية بصوت مسموع، وأن تسمع صدي صوتها لدي الأطراف الأخري، وهذا معلم من معالم الحوار، أو العمل الديموقراطي، الذي أصبح القاسم أو الجامع المشترك للطيف السوري المعارض، كما نقدر.
ومن اللافت للنظر تقارب الاستنتاجات والمقاربات أو تقاطعها في أدبيات الطيف السوري المعارض إلي حدّ كبير، تكاد تصل أحياناً إلي درجة التطابق في توصيف النظام السوري وإشكالاته، وسبل النهوض أو الخروج من المأزق السوري بالذات وآلياته. فهل هي الحقيقة التي لا تغيب مهما تعددت الرؤي والمناظر والمعايير، أم الواقع الفاقع الذي يفرض نفسه موضوعياً بشكل ملموس علي التحليلات؟
لم يستطع التحليل في وثائق المؤتمر الخروج من مرجعية الفكر الماركسي، الذي انتقده في عدد من أبعاده النظرية والتطبيقية والحزبية، وقطع شوطاً كبيراً في نقد الذات، وفي الإفادة من معطيات العلم والعصر والحياة.
الملاحظ أن صوابية التحليل ـ في نظرنا (أي التحرر من الأسر الماركسي والإفادة من المعطيات الأخري..) ـ كانت تتجلي وتزداد اطراداً، كلما توغل القاريء من البداية إلي النهاية.. من العام إلي الخاص، من الفكر إلي الحياة، من العالم إلي سورية فالحزب حتي يظن القاريء أن الفقرات الأخيرة لا تنبع من الفقرات التمهيدية، أو أن هناك أكثر من كاتب اشترك في تحرير الأوراق.
المقدمات تمتح من المادية الماركسية أولاً. أما شروط العضوية فمرنة، واسم الحزب ومضمونه يتحولان إلي ديموقراطية اجتماعية (سليلة الاشتراكية)، وليست الاشتراكية نفسها أو الاشتراكية العلمية كما كان يقال.
نحن باختصار نقدر عالياً التطورات التي تمخض عنها (النقد الذاتي) في الحزب الشيوعي السوري، التي كان من نتائجها، استقلال (المكتب السياسي: خطاً وتنظيماً) عن الحزب الشيوعي التقليدي (بكداش)، وتجليات ذلك الاستقلال علي مستوي الفكر والتنظير، أو علي مستوي المواقف المفصلية التاريخية ومسائل: العروبة والإسلام أو الثقافة الوطنية، والوحدة العربية وقضية فلسطين، وأخيراً وليس آخراً التصدي للحكم الاستبدادي المتلبس بالاشتراكية. كما نقدر عالياً الخطوات الإضافية المستجدة في أوراق الوثائق التي نتحدث عنها أيضاً.
نحن لا نصادر حرية حزب في اختيار مرجعيته لكننا ننتقد موضوعياً الارتهان للثقافة الغربية حين تقسر أطروحاتها قسراً علي واقعنا وأمتنا تاريخنا. فالماركسية ـ علي ما فيها من جهد ـ تختصر الإنسان من جهة، وأطروحاتها نتاج المجتمع الغربي الأوربي بالذات من جهة ثانية. والأوراق تحاول جاهدة (التوفيق) بين الماركسية في أصولها، وبين معطيات الديموقراطية الغربية، وبين التراث العربي الإسلامي أيضاً.أما هل وفقت دوماً، فالسؤال مهم؟
ينسب التحليل النهضة العربية الأولي اكثر ما ينسبها إلي حركة محمد علي ولا ينسي التعريج ـ وهو سليم علي الحركة الوهابية ـ كما ينسب النهضة العربية الثانية إلي (جمال عبد النصر: الناصرية)، والسبب في ذلك، هو التفسير القاصر للتقدم بعالم الأشياء (التمدن) لا عالم الأفكار (أي الحضارة )، وكان الأولي ـ في نظرنا ـ أن تنسب النهضة العربية الأولي إلي حركة الإحياء الإسلامي (الأفغاني ـ الكواكبي ـ محمد عبده..) والنهضة الثانية لحركة (الإخوان المسلمين) أو ما تسميه الأوراق (الإسلام المتنور) . ذلك لأن الأوراق نفسها لا تخفي معايب النهضتين وسبب انحدراها أخيرًا، ولا تقولها بشكل صريح. إن كلاً من مشروع محمد علي والناصرية، ينطوي علي مأخذين كبيرين: الأول: الاتكاء علي المشروع الغربي (أو التغريب)، الثاني أن كلاً منهما مشروع (فوقي: سلطوي) لم ينبع أو لم يكن له حامل اجتماعي حقيقي. وبوسعك أن تري هذه النواقص في المشروعات الشبيهة، لاسيما أنظمة الحزب القائد، والديموقراطيات الشعبية التي نجحت الأوراق في نقدها أيما نجاح.
ظهر اضطراب المنهج وقصوره في التعامل مع ظاهرة (العمل الفدائي) في (المقاومة) .. حين بدأ بتقدير روح التضحية والمقاومة في الانتفاضة الفلسطينية الأولي، وانتهي إلي التحذير من انتشار ثقافة الموت أو ما يسمي عسكرة الانتفاضة الثانية، (ظناً) أن هذه العمليات نتيجة يأس، لا عملية هادفة واعية مؤمنة بالحياة الكريمة لمن يعيش في الدنيا، وبالحياة في الجنة لمن يستشهد. وهذه دعوة مآلها التراجع عن العمل الفدائي أو إدانته بشكل مفلسف، غريب عن عقيدة الشعب وتجاربه التاريخية، فضلا عن ترك سلاح ماض في تعديل موازين القوي، أو بعث الأمل ومن ثم الحياة في بقية الجسد العربي والإسلامي المترهل أو المخدر أو المخدوع.
هل يكفي أن نعلل هذا الاضطراب في التحليل بأن الماركسية تنفي الحياة بعد الموت خلافاً للإسلام الذي يقول بالحياة الأخري؟ أم أن المنطق الذرائعي، أو الفهم القاصر لتكوين النفس الإنسانية فالتاريخ والاجتماع البشريين هو وراء ذلك؟
ثم بماذا يمكن تسويغ سكوت الوثيقة عن احتلال القطر العراقي، لا سلباً ولا إيجاباً؟
إن أوراق الوثيقة أسهبت وأحسنت كثيراً في الحديث عن العولمة وسياسات الإدارة الأمريكية والمشروع الصهيوني، ورسمت مواقف نقدرها تجاه هذه المخططات، لكن بعض التفصيلات تصل إلي مديات قابلة لإعادة النظر، منها السكوت غير المقصودـ كما نقدر ـ عن محنة القطر العراقي بالاحتلال، وانعكاس ذلك علي المنطقة بأسرها وحتي السياسة العالمية التي انتهكت فيها مؤسساتها الدولية والإجماع الدولي أيضا.
لعل الناظم الرئيس للأوراق هو الأخذ بمعيار الديموقراطية علي مستوي الفكر والعمل، علي مستوي العالم والتاريخ، وعلي مستوي القطر والحزب والعلاقة بين الأحزاب أيضاً، تقول الوثيقة ص16: : : (الديموقراطية كفيلة بنفسها، بعيوبها، والتربية الديموقراطية غير ممكنة إلا من خلال ممارسة ديموقراطية. أسئلة الهوية والتراث والمعاصرة والأصالة جميعها يمكن أن تُبدع في سياق الديموقراطية، وحاجات بناء الدولة ـ الأمة مع التكيف مع زمن العولمة والدفاع عن النفس أمام استغلال الغرب مع تمثل معارفه والتضامن الإنساني معه، جميعها تصبح ممكنة بالديموقراطية، وهي مستعصية من دونها) .
وفي تعريف الديموقراطية تقول: (تقوم الديموقراطية علي مباديء لا يمكن تحققها من دونها، أولها سيادة الشعب من حيث هو مصدر السلطات ومنبعها، ثم سيادة القانون، والمساواة كنقيض التميز بأشكاله كافة، والحريات الأساسية في الرأي والاعتقاد والتعبير والتنظيم، والتعددية الأساسية، وتداول السلطة نقيض احتكارها، ثم فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية) ص 42.
هذا الكلام نفسه أو بتعبيرات مقاربة تجده في ديباجة (الميثاق الوطني في سورية): (إن حالة الاستبداد السياسي، وغياب الديموقراطية، واستمرار قانون الطواريء والأحكام العرفية ما يقرب من أربعين عاماً، واحتكار السلطة وفرض الوصاية علي الشعب وقواه الحية، قد جسدت حالة من القهر والظلم والاستئثار بالقرار الوطني وتغييب الآخر وإقصائه.. وأدي ذلك إلي انهيار وطني شامل تمثل في ضياع الجولان وتمزق الوحدة الوطنية، وضرب قيم السيادة الشعبية والمواطنة، وتغييب الحوار، وصيرورة الفساد منظومة معممة، وغياب الشرعية السياسية ـ ص1) وانظر قسم (الأسس والالتزامات: المواد 1ـ 8) من مثل: (إن المواطن الحر الموفورَ الكرامة، هو أساس بناء الدولة الحديثة، وإن أي إصلاح سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي، لا يمكن تحقيقه إلا من خلال احترام الإنسان وتكريمه، ورعاية حقوقه الإنسانية، والمدنية والسياسية. ومن ذلك حقه في المشاركة الإيجابية في صنع حاضر الوطن ومستقبلـــه ـ المادة 1) .
والدعوة نفسها إلي الحل للخروج من المأزق السوري أيضا بالآليات والوسائل الديمقراطية. وإذا لم يكن للأوراق الوثيقة من مزية إلا هذه المزية لكفاها.
هناك أكثر من مرة تتحدث فيها الأوراق عن الإسلام: الإسلام المتنور والتشدد الديني، وتجديد الفكر الديني والماضوية وما شاكل ذلك من لمسات متباعدة متفرقة، وهو حديث يقع بين بين، أي لا يقول بالدين أفيون الشعوب، كما لا يقول بالحل الإسلامي. ومع ذلك قطع شوطاً بعيداً في التعريف السلبي للإسلام، أي نفي كثير من الشبهات عنه. ولعل حديثه عن العنف والعنف المضاد من التحليلات المنصفة التي تسجل لهذا الحزب منذ زمن بعيد، أعاد بحثه، وأعطاه بعده المعرفي والتاريخي الذي نوافقه عليه.
كما نوافق الأوراق ـ الوثيقة فيما ذهبت إليه من دور الديموقراطية في حل التناقض الموهوم بين عدد من الثنائيات اشتغل المثقفون العرب فيها طوال العقود الثلاثة الأخيرة.. إلي أن تقول: (لأن العلاقة الصحيحة بين العروبة والإسلام أو التراث والحداثة أو الأصالة والمعاصرة، لا يمكن تلمسها وفهمها بعيداً عن سياق الصيرورة الاجتماعية والحراك الاجتماعي، لأن تجديد الفكر الديني في سياق عملية تجديد الفكر العربي، والمجتمعات العربية عموماً، واجب العرب مثلما العقلانية والديموقراطية واجبة عليهم. وهذا شرط لازم لمجابهة التحدي الذي يواجهنا به الخارج، ولمجابهة الاستبداد في الداخل) ص 24.
وقد أجرت الأوراق الوثيقة نوعاً من المصالحة بين العلمانية والإسلام في ظل الديموقراطية، وقد نوافق علي النتيجة، لا لأن العلمانية لا تتعارض مع الإسلام ـ وهي ذات بعد معرفي غربي معلوم ـ بل لأن الإسلام يختلف عن دين الكنيسة، أي لا كهنوت ولا دولة دينية (أوتوقراطية ) ولا اشتراط حكم رجل الدين، ولا وجود لرجل دين بالمعني الغربي الكنسي أصلاً، ولأن العقود في الشريعة الإسلامية، عقود البيع والمعاهدات وحتي الزواج هي عقود مدنية، بمعني آخر (علمانية) إن صح التعبير. ولأن الديموقراطية خير مناخ للحوار وتبادل الرأي والتعبير واختيار الأفضل بالطرق السلمية العقلانية.
لسنا مضطرين ـ بالطبع ـ لتعداد جوانب الاتفاق وحتي التطابق في التحليل والاستنتاج فيما يتعلق بأوضاع القطر السوري: دولة وحزباً حاكماً وشعباً ومعارضة وحلولاً للخروج من المأزق أو مواجهة الاستحقاقات الملحة داخلياً وخارجياً، وهي أهم أقسام الوثيقة الأوراق. وإن أدني مراجعة للميثاق الوطني في سورية و أدبيات الإخوان المسلمين أيضاً تعكس هذه المصداقية والصوابية في الوثيقة ـ الأوراق. ولعل من المسائل المتميزة بهذا الصدد ما تقوله الوثيقة: (إن هناك طرقاً معروفة لتجاوز الأزمة، ينبغي ألا يسدّها تطرف وتعصب أو استبداد بالرأي أو عزة بالإثم، وهي تبدأ بالمراجعة من قبل الجميع، والاعتذار من قبل من أخطأ وارتكب الأخطاء بحق الناس في السلطة والمعارضة، وحتي ينفتح طريق المصالحة الوطنية والحوار، لا بد من الوصول إلي المساواة والتكافؤ، اللذين لا يؤمنهما ألا ردّ المظالم، وفتح حرية التعبير بجميع أشكالها) ص 39 .
9