مـا لا يُقال فـي الإعـلام..!

د. بثينة شعبان


بعد انشغال العالم لسنوات بالحديث عن إيجابيات سرعة التواصل والخدمات اللامسبوقة التي قدمتها تكنولوجيا المعلومات، من المفيد أن نتوقف قليلاً ونعيد النظر في بعض الآثار الجانبية الأخلاقية والسياسية والقانونية التي خلفتها هذه الثورة المعلوماتية على القضايا المطروحة والمسائل الشائكة في أنحاء عديدة من العالم. ولنرى ما إذا كان استخدام الإعلام وتقنية المعلومات يساهم في إحلال العدالة أم يزيد المسألة تعقيداً وتشابكاً. لا شك أنّ التواصل الذي يحققه العالم اليوم لم يسبق له مثيل، وأنه في الكثير من المناحي يخدم الحوار وتبادل الآراء والأفكار والتفاعل الثقافي والحضاري بين المناطق والثقافات المتباعدة جغرافياً و تاريخياً ولكنّ هذه التقنية بحدّ ذاتها عند إساءة استخدامها تهددّ اليوم بأن تصبح مصدراً لواقع بديل لا يساعد على فهم ما يجري على الأرض، بل يخلق تصوراتٍ بديلة عن الواقع المعيش مع خطر التعامل مع هذه التصورات والمفاهيم وتجاهل الواقع وتعقيداته وآلامه ومآسيه الإنسانية الصارخة.
وحتى إذا ما افترضنا حسن النوايا، فإنّ على الإعلام بكل الأحوال أن يكون انتقائياً، إذ لا يمكن أن ينقل لنا الأوجه المتداخلة لأي قضية كانت، ولكن حين تصبح تلك الانتقائية موجهة لأغراضٍ سياسية أو عدائية محددة فهنا تكمن الخطورة الحقيقية. من خلال واقع تبعية الإعلام العربي لما تنشره وكالات الأنباء الغربية وغياب مرجعية إعلامية عربية تنقل للإعلام رؤية العرب وهواجسهم، فإن ما نتلقاه من الإعلام عمّا يجري في منطقتنا يتناقض تماماً مع المشهد المعيش من قبلنا، كما يتناقض مع الحقائق الصارخة التي تتحرك باتجاه بينما يتحرك الإعلام في الاتجاه المعاكس تماماً. ويبدو المهم اليوم هو إخراج الخبر والصورة والحديث بنبرة واثقة وتصميمه من قبل مختص بحذف كلمات هنا وإدخال أُخرى هناك وإخراجه للصياغة بعد دراسة لغوية ونفسية محددة الأهداف مسبقاً لتأثير الكلام، بحيث أصبح العمل الإعلامي مستقلاً إلى حدّ ما عن مجريات الأحداث.
والأخطر من ذلك هو أن الصورة التي يروّج لها الإعلام بدأت تأخذ سبقاً وأهمية على مجريات الواقع، فما أن تشير إلى حقيقة معينة في حديث سياسي رسمي ومهم، يأتيك الجواب أننا نتعامل مع «المفهوم السائد» والذي هو أهمّ من الواقع، وعلينا أن نبني تحركاتنا وفق هذا المفهوم وليس وفق الأحداث الفعلية التي لا يعرفها سوى قلة مختارة في منطقة محددة.
من هنا يمكن القول إن أحداث المنطقة العربية كما تظهر في الإعلام الغربي، وإلى حد ما في الإعلام العربي، تختلف بشكل جوهري عن حقيقة ما يجري في الواقع الفعلي، ولا تلامس الهدف المتوسط المدى والبعيد المدى وراء مجريات هذه الأحداث، الأمر الذي ُيشعر معظم العرب بالإحباط والقلق والبحث عن طريقة للفت نظر الرأي العام العالمي لجوهر المسائل. وربما كانت فضائح سجن أبو غريب مثلت تسللاً للواقع المعيش إلى التغطية الإعلامية وخرقاً للحبكة والإخراج التي حاولت هذه التغطية الامتثال لهما بعيداً عن المجريات الحقيقية لواقع الاحتلال و الإذلال.
وإذا كان لا بدّ من تلخيص ما يجري للعرب جميعاً من فلسطين إلى العراق بكلمة واحدة، فهي إذلال العرب وسرقة هويتهم وتاريخهم ومكانتهم التي حققوها خلال قرون بذريعة ضعف النظام السياسي العربي، والذي استخدم كذريعة لإلغاء الدور الحضاري والتاريخي للعرب وحتى لإلغاء دور الشعب العربي الذي يتفاعل داخل مجتمعاته من أجل الإصلاح والحرية والتحرير. وإذلال العرب وتجاهلهم واضح تماماً من خلال الإصرار على عدم ذكر ضحاياهم وعدم إدانة قتل أطفالهم ونسائهم ورجالهم وعدم الاهتمام بأسراهم وسجنائهم، إلا إذا شكّل ذلك فضيحة إعلامية، فيتم الاهتمام باحتواء آثار الفضيحة على الجاني بدلاً من الاهتمام بمعالجة أسباب وقوع كلّ هذا الظلم على الضحية. والمخطط للعرب واضح من خلال الإبقاء على أرضهم محتلة وتجريدهم من العلوم ومنعهم من حيازة بنى دفاعية فعالة حتى إذا كان البلد الذي يرغب في حيازة الأسلحة قد وقّع اتفاقات سلام ويعمل منذ عقود لإحلال أي سلام في الشرق الأوسط، إذ لا يمكن على المستوى المنطقي فهم الدافع الذي يسمح لأعداء العرب ولمن يحتل أرضهم بحيازة كل أنواع أسلحة الدمار الشامل بينما يمنع العرب من حيازة أي نوع من أنواع السلاح. فإذا امتلك العربيّ سلاحاً يصبح إرهابياً بينما يملك أعداء العرب أسلحة ليقتلوهم بها و لكن باسم تحريرهم أو باسم إحلال الديمقراطية في بلادهم.
أي أن ما يجري في المنطقة العربية هو فرض واقع على العرب بمنطق السلاح لا يتمكنون بعده من رفع صوتهم في وجه المظالم ولا من العمل من أجل تحرير أنفسهم من الاحتلال والاستيطان والذلّ والمهانة.
وتترافق مع كل هذا حملات إبادة في رفح وغزة باسم الانسحاب من غزة والعمل بشعار شارون المعروف «دمرّ ثم انسحب»، وها هي مدينة القنيطرة السورية تشهد على أنّ الانسحاب الإسرائيلي من أرض ما يعني تدميرها تماماً أولا،ً وهكذا فإنّ الإعلام يروّج لحملات تدمير يقوم بها من ينفذ مخطط ابتلاع الأرض وقتل السكان وجعل الاستيطان مكان السكان الأصليين أمراً واقعاً للأجيال المقبلة. و في خضم هذا تتم مناقشة الخطط في عواصم كثيرة في العالم ولكن ليس في العواصم العربية ولا بحضور العرب أنفسهم حتى من كانوا يتمتعون بصفة «معتدلين» لفترة قريبة، فالكل اليوم مهدد بالانصياع لـ«المشاريع الديمقراطية» وإلاّ فإن العقوبات والغزو في انتظارهم.
في العراق تُسرق كل يوم آثار أقدم حضارة في التاريخ ويتم قتل العلماء العراقيين وخطف الأطباء والفنانين والموسيقيين واغتصاب النساء أمام أولادهن ورجالهن وإذلال الرجال كي يبرر كلّ ذلك استقدام «المتحضرين» لإدخال «الحضارة الغربية» بقوة الاحتلال والتعذيب إلى شعوب كانت منارة الحضارة البشرية، ويتخذ البعض من مقولات يتم تضخيمها عن إرهابيين هنا وأسلحة دمار هناك وتهديدات أدلت بها مصادر مجهولة كي يتم توفير الغطاء الإعلامي لحملة تستهدف أول ما تستهدف الثقافة العربية والدين الإسلامي والكرامة العربية واللغة العربية التي قدمت للإنسانية الكثير الكثير والهوية العربية التي تقف عائقاً في وجه المخططات الصهيونية التي تستهدف إبادة العرب، ولا تتردد في إطلاق كل المقولات العنصرية ضدهم حتى على صفحات الجرائد الغربية. و تطال هذه الحملة الهوجاء النساء والرجال والأطفال و تحاول القضاء على طريقة حياة عرفناها منذ آلاف السنين باسم «الديمقراطية»، متجاهلين أن هذه الحملات الظالمة التي احتلت أرضنا