حق العودة بين القرار 194 ووثيقة جنيف

بقلم :علي عقلة عرسان –البيان

بدأت القرارات المهمة الخاصة بقضية فلسطين بالقرار 181 بتاريخ 29/11/1947 الذي عُرِف بقرار التقسيم، وقد أعطى هذا القرار من فلسطين للكيان الصهيوني أقل مما أقامت عليه الدولة "77% من أراضي الانتداب" كما أعطى الفلسطينيين الحق بإقامة دولتهم.

وقد رفض العرب هذا القرار لأنه ينتزع من وطنهم وطناً لليهود، ويقيم دولة يهودية على حساب الفلسطينيين سوف تهدد دائماً الوجود والاستقرار العربيين والأمن والسلام الدوليين، وتشكل رأس حربة للاستعمار وقوة للهيمنة والتدخل والتهديد وغطاء لهما، فضلاً عن أن قيام مثل هذه الدولة سيخلق وضعاً شاذاً يحرم الشعب الفلسطيني من وطنه.

وعلى أساس هذا القرار أعلن الكيان الصهيوني دولته ومارس سيادة فوق تراب اغتصبه، وعامل العرب الواقعين تحت الاحتلال معاملة لا تتفق مع أحكام القرار 181 ولا مع أحكام أي من القرارات والاتفاقيات الدولية والمبادئ الإنسانية، وأخذ يسن القوانين ومن بينها قوانين راعت نوعاً غريباً من حق العودة يسمح لأي يهودي أن يعود إلى فلسطين المحتلة بوصفها "وطنه"؟!.

يقول وليد الخالدي: "إن قانون العودة لسنة 1950 وقانون الجنسية لسنة 1952 يضمنان لجميع اليهود حقاً تلقائياً مطلقاً في الهجرة إلى إسرائيل وأن يصبحوا مواطنين إسرائيليين". وهذا "الحق" الذي يراعَى تطبيقه في فلسطين المحتلة، ويمكِّن كل يهودي مهما كانت جنسيته ولغته وثقافته من الدخول إلى فلسطين واكتساب جنسية "إسرائيلية فوراً بوصفه عائداً إلى "وطنه" الذي لم تربطه أو تربط أجداده به صلة من أي نوع بينما لا يتاح للفلسطيني الذي كانت فلسطين .

وما زالت وطنه الأصلي ووطن أجداده على مدى التاريخ وجبلت تربتها بدمه ودمعه وعرقه، وأقام فيها أقدم الحضارات والتصق بها مدى العصور وانتمى إليها ولم ينتم لسواها قط. وتلك مأساة لا يمكن أن يتم إدراك أبعادها إلا من خلال المعاناة ولا يمكن حسمها إلا من خلال امتلاك القوة والإرادة السياسية لتحرير فلسطين بقوة السلاح، ونشوء وعي دولي يدرك مدى الظلم الذي لحق بالفلسطينيين والعنصرية الدموية التي عاملتهم الحركة الصهيونية بها.

وفي مقاربة لهذه المفارقة المؤلمة نلامس بعض التعاريف والمفاهيم القانونية لحق العودة متخذين من ذلك مدخلاً لحديث ذي شجون، ونبدأ بالتساؤل: ما هو حق العودة من وجهة النظر القانونية؟

يرى فريليك (Frelick) أن "من حق كل لاجئ في العالم العودة إلى دياره. وكل لاجئ تجبره الأوضاع على البقاء في المنفى إنما يُحرم حقاً إنسانياً أساسياً». فهذا الحق ضروري لأن المنفى حرمان أساسي من الوطن، حرمان ينفذ إلى صميم الخصائص الثابتة التي تكوّن هوياتنا الشخصية والجماعية، فلنا الحق في وطننا، في العيش بسلام وأمان حيث ولدنا، وفي مرابع أسلافنا وثقافتنا وتراثنا. ففي نفي الإنسان من وطنه، بل في سلخه بالقوة عن علاقة حميمة بأفراد عائلته جيلاً بعد جيل، ما يخلق عذاباً روحياً لا يمكن أبداً الشفاء منه بصورة تامة. قد يمثل الدمج المحلي وإعادة التوطين في بلد آخر خيارات ممكنة توفر الحماية للاجئين .

وتمكنهم من بدء حياة جديدة، لكن ليس لأي منهما حقاً في ذاته، ولا يحل أي منهما المشكلة التي جعلت من الشخص لاجئاً. كما أن أياً منهما لا يبدد الحرمان من الحقوق الأساسية الذي سيحمله اللاجئ العاجز عن العودة إلى دياره، طوال حياته، وربما لعدة أجيال لاحقة. إن حل مشكلة غربة اللاجئ وانسلاخه هو الشرط المسبق للصحة الروحية والعقلية السليمة؛ وبينما يبقى الدمج الكامل هدفاً وأملاً للاجئين الذين يجري إعادة توطينهم في ثقافات غريبة، إلاّ أن الحل الأمثل لهذا الانسلاخ يكمن في وضع حد لغربته، أي، في العودة إلى دياره، أي عودته إلى وطنه".

ومن المعروف عامة أن أي دولة كانت لا يحق لها شرعياً طرد شعب خاضع لسيطرتها، ومن الواضح أن لدى المطرودين الحق في نقض عمل غير شرعي، أي العودة إلى وطنهم.

وقد ضمن ذلك الحق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نصت الفقرة 2 من المادة 13 منه على أنه: "لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إلى بلده". قرار الجمعية العامة رقم 217 ألفاً (الدورة 3)، 10 كانون الأول/ديسمبر 1948.

وتنص الفقرة 4 من المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الآتي: "لا يجوز حرمان أي فرد بصورة تعسفية من حقه في دخول بلده".

وهذا بدوره جعل الحديث عن القضية يأخذ منحى حق تقرير المصير ولكنه لم يلغ الحديث عن قضية "«لاجئين". وتم تكريس الحديث عنها بوصفها قضية لاجئين فيما بعد في اتفاقات: "كامب ديفيد" و"إعلان المبادئ" أي "اتفاق أوسلو"، وفي "اتفاق وادي عربة" الذي أصبح المعاهدة الأردنية ـ "الإسرائيلية"، وفي "خريطة الطريق"، ثم نسف حق العودة من جذوره في "وثيقة جنيف" ووعد الرئيس بوش لشارون خلال زيارة الأخير للبيت الأبيض في شهر نيسان/إبريل 2004 ذلك الوعد الذي أعاد إلى الأذهان .

"وعد بلفور" وأعاد القضية بنظر كثيرين إلى بعدها القانوني والأخلاقي من الجذور من خلال إحياء التساؤلات: هل يجوز للمستعمر، أو لدولة الانتداب، أن يعطي أرض شعب احتل أرضه لشعب آخر، وأن يوافق على طرد ذلك الشعب منها؟ هل يجوز لمن لا يملك أن يعطي أرض غيره لمن لا يستحق؟ هل القوة هي القانون الذي يغير العقول والحقوق والمفاهيم والضمائر في آن معاً.. أم أن شيئاً ما في الإنسان يبقى أقوى من القوة العمياء والعنصريين والدمويين والأشرار؟.. أقوى من منطق القتل والإبادة والإرهاب المتنكر في ثوب من يدعي محاربة الإرهاب والدفاع عن الحقوق والحريات؟!

على أرض الواقع حدث أن أعطى المستعمِر البريطاني والمستعمِر الفرنسي أرضاً احتلاها أو انتدبا للوصاية عليها لبلد أو " شعب" آخر، وحدث هذا في سوريا بشكل خاص، أي في بلاد الشام، وما زلنا نحن العرب نعاني من نتائجه الكارثية حتى الآن وسنبقى إلى أن تزول آثار ذلك العدوان أو تزال.. ولن يكون ذلك إلا بامتلاك قوة تبدأ منا وبنا.. فالقول الكريم ثابت وجلي: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

2 ـ يتداخل حق العودة للفلسطينيين المبعدين عن وطنهم بصورة عضوية مع حق تقرير المصير الذي أقر من هيئة الأمم المتحدة بالقرار رقم 1514 ففي قضية الشعب الفلسطيني جاء في القرار 3236 لعام 1974: "إن حق الفلسطينيين غير قابل للتصرف» و«الحق في تقرير مصيرهم دون تدخل خارجي" فقضية هذا الشعب ليست قضية لاجئين مؤقتة لأنه شرِّد من وطنه وطرد أو أقتُلِع منه ليتم اغتصاب ذلك الوطن وتهيئته ليكون وطناً لآخرين.

وحلت محله في ذلك الوطن دولة بموجب قرار الأمم المتحدة الجائر رقم 181 لعام 1947 ولم يعلن الشعب الفلسطيني دولة بموجب ذلك القرار بل رفضه ورفضته الدول العربية لأنه قرار ظالم يسرق من الشعب الفلسطيني معظم وطنه التاريخي فلسطين ويؤسس لصراع طويل ما زلنا نشهد فصوله الدامية. ولذلك يعيش الفلسطيني حالة فريدة فهو محروم من حق تقرير المصير بحرية فوق أرضه التي يسطر عليها المحتل ويقيم فوقها كياناً له، ومحروم من العودة إلى ذلك الوطن لأنه مغتصب بقوة القهر والتواطؤ الدولي.. لأنه وطن مشطوب من لائحة الأوطان في الأمم المتحدة.

ويتضمن حق تقرير المصير عملياً وطناً مستقلاً سيداً، وحق العودة إليه، وممارسة ذلك الحق فوق ترابه بحرية تامة، وهو يستند إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لاسيما المادة 13 (2) منه التي تنص على أنه: "لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إلى بلده". / قرار الجمعية العامة رقم 217 ألفاً (الدورة 3)، 10 كانون الأول/ديسمبر 1948.

يعرّف براونلي حق تقرير المصير بأنه: "حق جماعات وطنية متماسكة (شعوب) في أن تختار لنفسها شكلاً من التنظيم السياسي وعلاقتها بجماعات أخرى. قد يكون الاختيار الاستقلال كدولة، أو الارتباط بجماعات أُخرى في دولة فدرالية، أو حكماً ذاتياً، أو الاستيعاب في دولة وحدوية (غير فيدرالية)".

وبهذا المعنى يتلازم حق العودة مع حق تقرير المصير فلا يمكن لشعب أن يعود إلى وطنه إذا كان لا يملك وطناً ومشروعية دولية وقوة ذاتية أو قومية أو دولية تمكنه من تلك العودة. لقد أصبح حق العودة في رأس سلم الأوليات والمطالب الشعبية والنضالية الفلسطينية والعربية.. ولكن الرأي الفلسطيني الرسمي والرأي العربي الرسمي أيضاً لا يضعان هذا الحق في مكانته اللائقة به من "الاستراتيجية" الوطنية والقومية، ولا يختار أي منهما الطريق والمنهج والاستراتيجية المؤدية إلى تحقيق ذلك بالوسائل المتاحة أو الممكنة والمنشودة.. فمن يضع السلام خياراً استراتيجياً وحيداً ويلغي الخيارات الأخرى عملياً.

ويقف ملوحاً برايته البيضاء وغصن زيتونه في وجه قوة مدججة بأنواع السلاح تحصده في أي وقت، وبإيديولوجية عنصرية استعمارية شريرة تكرهه وتمارس الإبادة الشاملة ضده وفق برنامج مرحلي مستمر يؤدي إلى هدف نهائي هو الإبادة، لا يستطيع تحقيق شيء ولن ترجح كفة ميزانه أبداً. و"من المفيد التمييز بين وجود الحق من حيث المبدأ وبين تطبيقه العملي في حالة معينة. و نؤكد أن تحليل القواعد الدولية ذات الصلة أظهر أن للاجئين الفلسطينيين الحق في العودة إلى بلدهم فلسطين".

فمن الواضح أن اللاجئين الفلسطينيين سيكون فقط في إمكانهم ممارسة حقهم في العودة بالاقتران مع حقهم في تقرير المصير، إذا استطاعوا أن يفرضوا ذلك الحق بقوة.. وقد أثبتت تجارب الشعوب أن هذا الحق ينتزَع انتزاعاً.

3 - تضمن القرار رقم 194 تاريخ 11 كانون الأول/ديسمبر 1948 الصادر عن الأمم المتحدة الذي جاء في 867 كلمة تضمَّن النص بالدرجة الأولى على أمور ثلاثة هي:

أ ـ تشكيل لجنة توفيق من ثلاث دول أعضاء في الأمم المتحدة تقوم بالمهمات التي أوكلت إلى وسيط الأمم المتحدة إلى فلسطين بموجب قرار الجمعية العامة رقم 186 (د إ ـ 2) الصادر في 14 مايو سنة 1948. وقد نص على كيفية تشكيلها ومهامها. ويلاحظ أن اللجنة ليست مكلفة من مجلس الأمن الدولي بالقيام بأي عمل فيما عدا ما نص عليه القرار من متابعة للمهام التي كُلِّف بها وسيط الأمم المتحدة الذي اغتالته الحركة الصهيونية في القدس ولم ينجز مهمته بالكامل.

ب ـ وضع القدس حيث نص القرار على جعلها مدينة مفتوحة بإشراف دولي، ووضع الأماكن المقدسة في فلسطين كلها حيث نص على حمايتها.

ج ـ حق العودة ونص على ذلك في الفقرة 11 من القرار في 95 كلمة مستعملاً كلمة اللاجئين، وأشار إلى بعض التفاصيل القليلة المتصلة بهذا الموضوع من خلال لجنة التوفيق.

وقد جاء نص الفقرة 11 كما يلي: "تقرر وجوب السماح بالعودة، في أقرب تاريخ عملي، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع التعويض عن أملاك الذين يختارون عدم العودة وعن كل خسارة في الأملاك أو أي ضرر لحق بها، عندما يكون من الواجب، وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، أن يعوض عنها من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة.

وتصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل عودة اللاجئين إلى وطنهم، وإعادة توطينهم، وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي، ودفع التعويض، وبالمحافظة على صلات وثيقة بمدير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالات المتخصصة المناسبة التابعة للأمم المتحدة".

لم يذكر القرار 194 الشعب الفلسطيني ولا حق تقرير المصير، وأشار فقط إلى "اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم"، و"العيش بسلام مع جيرانهم". ولم يذكر صراحة تلازم حق العودة مع التعويض وإنما أشار إلى "وجوب دفع التعويض عن أملاك الذين يختارون عدم العودة وعن كل خسارة في الأملاك أو أي ضرر لحق بها، عندما يكون من الواجب، وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، أن يعوض عنها من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة". وفي موقع آخر أشار إلى "ودفع التعويض".

ويبقى السؤال مشروعاً: ما ذا عن التعويض لمن يعودون ويتعرضون لـ "خسارة في الأملاك أو أي ضرر لحق بها"، أو لمن يعودون ويجدون أن أملاكهم قد دمرت كلياً أو جزئياً؟ لقد سكت النص عن ذلك وأشار إلى موضوع يحتمل الجدل ويكتنفه الغموض مما يفتح باب الاجتهاد في التفسير، إذ ماذا تعني الإشارة إلى "عندما يكون من الواجب، وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، أن يعوض عنها من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة"؟ فمن الذي يحدد الوجوب.

ومن الذي يقرر مبدأ الإنصاف في ظل انحياز صارخ "إسرائيل" وازدواجية معايير تزري بالعدالة ذاتها، وفي ظل تحالف بين الخصم والحكَم ضد الضحية تسكت عنه الدول؟! ولماذا لم ينَص على ذلك التلازم بين حق العودة والتعويض بشكل لا يقبل الجدل وعلى المرجعيات بوضوح ودقة وصراحة؟

لقد رفض العرب القرار 194 عند صدوره، وكانوا على حق في ذلك الوقت وتلك الظروف، بل ما زال أساس القرار ومناط اهتمامه الرئيس غير مقبولين من كثيرين جداً في الوطن العربي والعالم الإسلامي. فالقرار في معظمه يركز على تدويل القدس، وعلى حماية الناصرة وأماكن فلسطينية مقدسة أخرى..

إنه لم يذكر الأماكن المقدسة للمسلمين وانتزع منهم القدس ودوَّلها، وحين نص على حق العودة لم يذكر حق تقرير المصير لشعب وبلد كانا قد وضعا تحت الانتداب ومن حقهما أن يعلن استقلالهما وأن يمكَّنا من تقرير المصير لا أن يكون دور قوة الانتداب، بتكليف من عصبة الأمم، هو تغيير التركيب السكاني وتأهيل اليهود وفلسطين لتكون دولة لهم؟!

لقد نص القرار 194 أيضاً على لجنة توفيق تتابع مهام مندوب الأمم المتحدة الذي اغتاله الصهاينة في القدس، ولكن اللجنة لم تنجز شيئاً من عملها ولم يسأل أحد عن وجودها.. وقد أشير إليها في القرار رقم 302 (الدورة 4) بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 1949. حيث تم تأسيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى.

4 - لقد أشار القرار 242 تاريخ 22 ت2 1967 إلى مشكلة اللاجئين مطالباً بإيجاد حل لها، وجاءت الإشارة في الفقرة (ب) من النص كما يلي: "(ب) إيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين".

ولأن اتفاق كامب ديفيد استند إلى القرار 242 في مرجعياته فقد نص أيضاً على إيجاد حل لقضية اللاجئين، وجاء النص على ذلك أيضاً في إعلان المبادئ "اتفاق أوسلو" حيث نقف على فاجعة التراجع عن حديث المنظمة عن حق العودة، وتجريد حق تقرير المصير من التلازم العضوي مع حق عودة الشعب الفلسطيني إلى وطنه وتقرير مصيره بحرية فوق ترابه الوطني المحرر!؟

إن إعلان المبادئ لم يشر إلى حق العودة للاجئي سنة 1948 وتم النص فيه على تسوية دائمة تقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338 والقرار رقم 194. وتشير المادة 5 من الإعلان إلى "اللاجئين" على أنهم إحدى القضايا التي سوف تعالج خلال "مفاوضات الوضع الدائم" بين الكيان الصهيوني من جهة وحكومتي الأردن ومصر من جهة أُخرى، تلك المفاوضات التي ستقرر "بالاتفاق أشكال السماح للأشخاص النازحين من الضفة الغربية وقطاع غزة في 1967 بالتوافق مع التدابير الضرورية لمنع الفوضى والإخلال بالنظام. وكانت "إسرائيل" وافقت من حيث المبدأ على عودة هذه الفئة من الفلسطينيين كجزء من اتفاقيات كامب ديفيد". ولكن ذلك لم ينفذ.

لقد كانت ثوابت الميثاق الوطني الفلسطيني ومبدئية منظمة التحرير تأخذ بوجوب أن يُنظر إلى وضع اللاجئين الفلسطينيين بوصفه "قضية متصلة بتقرير المصير بدلاً من كونها قضية يزجّ بها في المسألة الأضيق نطاقاً وهي ما إذا كان هناك حق في العودة".

ولكن بعد اتفاق إعلان المبادئ "أوسلو" والاعتراف بـ "إسرائيل" في الرسائل المتبادلة بين عرفات (رئيس منظمة التحرير الفلسطينية) وإسحاق رابين رئيس الكيان الصهيوني أصبح من الواضح تماماً أن "منظمة التحرير الفلسطينية لم تعد ترى حق تقرير المصير الفلسطيني داخل إسرائيل".

وبدأ التوجه كله نحو الأراضي المحتلة في حرب 1967 الأمر الذي جعل حق العودة المنصوص عليه في القرار 194 يتلازم مع إرادة الكيان الصهيوني الذي قد يقر التعويض وأخذ يطرح موضوع تعويض اليهود عن ممتلكاتهم في الدول العربية، كما أخذت بعض الدول العربية وبعض المسئولين العرب يتحدثون عن حقوق اليهود وتعويضاتهم؟!

وهذا أمر عجيب دفع المتطرفين الصهاينة إلى موقف كنا نتوقعه ونحذر منه مما هو أعجب، فقد نقلت (رويترز): "أن وزير النقل افيغدور ليبرمان الذي يرأس حزب الاتحاد الوطني دعا إلى مقايضة سكانية تشمل الأقلية العربية في "إسرائيل" والمستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة.. ورأى أن على 90 في المئة من عرب "إسرائيل" البالغ عددهم 2,1 مليون نسمة أي ما يقرب من خمس السكان العثور على كيان عربي جديد يعيشون فيه خارج حدود إسرائيل"؟!  

 

 

ـ 5 ـ قامت خريطة الطريق على رؤية الرئيس بوش في خطابه الذي ألقاه في 24 يونيو 2002 وقبل أن نقدم موجزاً مكثفاً لتلك الخريطة التي سميت «الخدعة المميزة لإدارة بوش»، نريد أن نعرض لصورة الشعب الفلسطيني والمطلوب منه في خطاب الرؤية المشار إليه من خلال مقارنة للكلام الذي ورد على لسان الرئيس وتسجيل ملاحظات عليه.

 

مضمون خطاب الرئيس جورج بوش في 24 يونيو 2002.

 

الكيان الصهيوني:

 

الشعب الفلسطيني:

 

ـ «غير مقبول أن يعيش الشعب الإسرائيلي في خوف».

 

ـ غير مقبول أن يعيش الشعب الفلسطيني في بيئة قذرة في ظل الاحتلال.

 

ـ المواطنون الإسرائيليون ضحية إرهابيين وإسرائيل ستستمر في الدفاع عن نفسها.

 

ـ وضع الشعب الفلسطيني سيصبح أسوأ فأسوأ.

 

رؤياي لدولتين تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمن. وليست هناك طريقة لتحقيق ذلك السلام إلى أن تحارب جميع الأطراف الإرهاب. الاثنان السلام والأمن لإسرائيل، وأن هناك دعوة لاستمرار الحرب على الشعب الفلسطيني المقاوم).

 

ـ قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة.

 

ـ قادة لا تكون سمعتهم ملطخة بالإرهاب.

 

ـ إذا لبى ذلك يتوصل مع إسرائيل والأردن ومصر إلى اتفاق على الأمن وترتيبات أخرى للاستقلال.

 

ـ قادة جدد ـ مؤسسات جديدة ـ ترتيبات أمنية جديدة مع جيرانه. ستدعم U.S.A دولة تكون حدودها وبعض نواحي سيادتها مؤقتة.

 

ـ الإصلاح: مؤسسات سياسية واقتصادية جديدة كلياً تركز على: الديمقراطية واقتصاد السوق وإجراءات ضد الإرهاب.

 

ـ دستور جديد يفصل بين سلطات الحكومة.

 

ـ برلمان بسلطة كاملة.

 

ـ سلطة تنفيذية باستقلالية وسلطة خاصة.

 

ـ تنظيم ومراقبة انتخابات محلية عادلة ومتعددة الأحزاب قبل نهاية عام 2002. تعقبها انتخابات وطنية. ـ الشعب يعيش في ركود اقتصادي فاقَمَه فسادٌ رسمي.

 

ـ رقابة مع زيادة المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني للتخفيف من المعاناة.

 

ـ يفتقر إلى محاكم فعالة ـ استعداد لإنشاء مالية ومراقبة وقضاء مستقل.

 

ـ الولايات المتحدة لن تؤيد إنشاء دولة فلسطينية إلى أن يشارك قادتها في كفاح متواصل ضد الإرهابيين ويفككوا بنيتهم التحتية (أي أن خوض حرب أهلية فلسطينية ـ فلسطينية هو المطلوب).

 

ـ وسيتطلب هذا جهداً بمراقبة خارجية وإصلاح الأجهزة الأمنية الفلسطينية (لتكون قادرة على القيام بالحرب الأهلية).

 

ـ السعي لتحقيق الإصلاح مع الدول الرئيسية في المنطقة.

 

ـ الحدود والعاصمة موضوع تفاوض بين الطرفين في المرحلة النهائية.

 

«وقد أقر مجلسا الكونغرس بعد ذلك قانون القدس عاصمة قبل الشروع في أي شيء مما أشار إليه الرئيس».

 

معنا أو ضدنا:

 

«الدول إما معنا أو ضدنا في حربنا ضد الإرهاب. وعلى الدول أن تتصرف كي تحسب في جانب السلام..». وسيضع كل رئيس ملتزم بالسلام حداً: للتحريض على العنف في وسائل الإعلام الرسمية ويدين التفجيرات القاتلة.

 

ـ وتوقف كل دولة ملتزمة بالسلام تدفق المال والمعدات والمجندين الجدد إلى الجماعات الإرهابية التي تسعى إلى دمار «إسرائيل» بما في ذلك «حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله». وينبغي أن تقوم كل دولة ملتزمة فعلاً بالسلام بإعاقة شحن المؤن والذخيرة الإيرانية إلى هذه المجموعات وبمعارضة الأنظمة التي تشجعها كالعراق.

 

ـ وينبغي أن تختار سورية جانب الصواب في الحرب على الإرهاب عبر إعلان وطرد المنظمات الإرهابية.

 

ـ ويتوجب على الزعماء الذين يريدون ضمهم إلى عملية السلام أن يظهروا بأعمالهم دعماً كاملاً غير مجزأ للسلام.

 

أثناء تقدمنا نحو حل سلمي (وليس بعد ذلك)... تقيم الدول العربية علاقات دبلوماسية وتجارية أوثق مع «إسرائيل» تقود إلى تطبيع تام للعلاقات بين «إسرائيل» والعالم العربي.

 

ـ الاحتلال الدائم يهدد هوية ديمقراطية «إسرائيل».

 

ـ أتحدى «إسرائيل» لأن تتخذ خطوات ملموسة لدعم «نشوء دولة فلسطينية جديرة بالثقة وقادرة على البقاء.

 

(لم يقل أطلب منها أن.. أو عليها أن..).

 

ـ في أثناء التقدم نحو سلام: على القوات الإسرائيلية أن تنسحب إلى مواقع قبل 28 سبتمبر 2000. (لم يحدد تاريخاً أو مفصلاً معيناً يتزامن فيه الانسحاب مع حدث يؤكد التقدم)

 

ـ توقف النشاطات الاستيطانية في الأراضي المحتلة. وعد بتقديم ضمانات قروض بعشرة مليارات دولار لمستوطنين في إطار خطة شارون لجمع يهود العالم حتى عام 2020 في فلسطين. وتم تغيير شروط منح الأموال للمستعمرين اليهود الجدد.

 

ـ مع انحسار العنف.

 

ـ مع انحسار العنف (حرية الحركة) يسمح للفلسطينيين الأبرياء باستئناف عملهم وحياتهم العادية.

 

ـ تحرك المشرعين الفلسطينيين وأداء واجبهم.

 

ـ الإفراج عن الدخل الفلسطيني المجمد.

 

ـ إلى أيدٍ أمينة تخضع للمساءلة والمحاسبة.

 

ـ تسوية على أساس قراري 242 و338 مع انسحاب إسرائيلي إلى حدود آمنة معترف بها (لم يحدد حدود 4 يونيو 1967 حسب 242.)

 

ـ يتوجب علينا أن نحل المسألة المتعلقة بالقدس. (أصدر قانون القدس عاصمة واحدة أبدية لإسرائيل) ومعاناة ومستقبل اللاجئين وسلام نهائي بين إسرائيل ولبنان، وبين إسرائيل وسورية تدعم السلام وتحارب الإرهاب («أي تغيير توجه سورية السياسي الداعم للمقاومة....الخ...).

 

ـ (لم يشر لشارون القاتل وإنما صرح لاحقاً أنه رجل سلام.)

 

ـ هناك قتلة مدربون مصممون يريدون إيقاف عملية السلام.

 

(الاتفاق خلال ثلاثة أعوام من الآن).

 

24 يونيو 2002

 

ـ أنا أستطيع أن أفهم الغضب والمعاناة العميقين لدى الشعب «الإسرائيلي». عشتم فترة أكثر مما ينبغي من الخوف والجنّازات مضطرين إلى تجنب الأسواق ووسائل النقل العام. وأجبرتم على وضع حراس مسلحين في صفوف حضانات الأطفال. لقد رفضت السلطة يدكم الممدودة وتعاملت مع الإرهابيين.

 

ـ وأنا أؤمن إيماناً عميقاً بأنكم بحاجة إلى شريك فلسطيني مسئول تم إصلاحه لإحراز ذلك الأمن.

 

ـ أفهم الغضب واليأس العميقين للشعب الفلسطيني.

 

أستُعملتم كأدوات في نزاع الشرق الأوسط (تجريد الشعب من إرادته في مقاومة الاحتلال وتقديمه كأنه مستأجر يخوض حرباً بالوكالة من أجل وطنه.. من الذي استأجر الفلسطينيين واستعملهم كأدوات؟!). وبقيت مصالحكم رهينة تسوية سلمية شاملة يبدو أنها لا تأتي أبداً. (فصل القضية عن بعدها القومي، والتأكيد على أن الحل الشامل لن يأتي تأكيداً لمشروع الكيان الصهيوني الاستيطاني الموسع).

 

بينما تسوء حياتكم عاماً بعد عام.

 

(تقديم الفلسطينيين ضحايا بعضهم بعضاً وهي دعوة للفرقة أكثر منها دعوة للسلام، وضحايا اختيارهم للحرية والاستقلال وهو أمر عجب.).

 

وقد تبدو دولة فلسطينية مسالمة ديمقراطية بعيدة لكننا... سنساعدكم...

 

«هذه اللحظة هي فرصة واختبار معاً» لإظهار الجادين بالنسبة للسلام وغير الجادين. والخيار مطلق وسليم قد ورد في التوراة:

 

وضعت أمامك الحياة والموت.. ولذا اختر الحياة. (من التوراة).

 

وقد آن الأوان لأن يختار الجميع في هذا النزاع السلام والأمل والحياة.

 

1 ـ لقد تعهد الرئيس الأميركي بتنفيذ خريطة الطريق التي وضعت تنفيذاً لرؤيته في خطاب يونيو 2002، وجاء إلى شرم الشيخ والعقبة ليمنح الخطة مصداقية ويدفعها إلى الأمام. ولكنه أطلق في العقبة تعهده الذي نقض فيه 80% من خريطة الطريق على بؤسها التام، أعني التزامه بضمان يهودية الدولة التي أكد شارون على تمسكه بها. مما يعني القضاء على حق العودة ويهدد عرب 1948 بالتسفير، ويضع التفاوض على القدس في دائرة الاضمحلال لمصلحة العدو.

 

وما زال الرئيس الذي التزم هو شخصياً وبلاده «بدولة يهودية مزدهرة ومفعمة بالنشاط» يتابع تنفيذ ما وعد به شارون، أي معالجة كل النقاط التي يشكو منها الكيان الصهيوني في أثناء تنفيذ الخريطة، وهي النقاط الأربع عشرة التي قدمها شارون باسم حكومته مسجلاً اعتراضات على خريطة الطريق. والرئيس بوش يفعل ذلك من دون أن يعدل النص مباشرة حفظاً لماء وجه شركائه في الرباعية.

 

جاءت اعتراضات شارون على خطة خريطة الطريق في أربع عشرة نقطة وقام الرئيس بوش بتنفيذ كل ما من شأنه أن يحقق مطالب حكومة شارون: فقد عين جون وولف رئيساً لفريق مراقبة أميركي لتنفيذ الخطة، مستبعداً مشاركة أي طرف من أطراف الرباعية في ذلك الفريق تلبية لطلب «إسرائيل» التي أكدت تمسكها بذلك، وجون وولف هو يهودي متزوج من كاثوليكية وتربى تربية يهودية، حسب المصادر الإسرائيلية.

 

وكان مكلفاً من الإدارة الأميركية بمساعدة البعثة الإسرائيلية في الأمم المتحدة لإلغاء القرار 3379 الذي نص على «أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية»، وقد نال شهادة تقدير خاصة على نجاح هذه المهمة، التي تمت من دون اعتراض أي من العرب عليها وبمشاركة فلسطينية فاعلة فيها بعد توقيع اتفاق أوسلو..

 

وها هو الحصاد مرٌ والبيدر زؤان. وربما لذاك الجهد وذاك التاريخ والموقع والانحياز والانتماء اليهودي والإيمان الصهيوني بالذات كلفه الرئيس جورج بوش بمهمة مراقبة تنفيذ خريطة الطريق ـ وهو الذي لا يعرف عن ملف هذه القضية شيئاً يذكر ـ بهدف تنفيذ ما يريد الصهاينة تنفيذه منها، وأداء ذلك بصمت تام وحذق كبير، وتحميل المسئولية السلبية للفلسطينيين ولحماس من بين كل الناس.

 

ومن الواضح أن شارون تآمر مع كل اليهود والصهاينة والمتصهينين من أجل إحداث ذلك الانقلاب في خريطة الطريق، وتعطيل الخطوات التي تمهد لاستئناف ما يسمى عملية السلام في المنطقة، وقام بكل الأفعال التي من شأنها أن ترشح الموقف للانفجار. فقد توصل شارون وفريقه إلى جعل الإدارة الأميركية تنفذ بعض الاعتراضات التي قدمها على خريطة الطريق من دون ضجيج يذكر، حيث ألغت الولايات المتحدة الأميركية عملياً.

 

بناء على طلب إسرائيل، «لمقدمة الإشكالية في نص الخريطة وهي التي تشير إلى المرجعيات وشمولية الحل وفقَها، وتم تركيز المباحثات في تطبيق الخطة على الجانب الأمني الذي يقدم أمن «إسرائيل» على كل ما سواه، ويشترط تصفية المقاومة والانتفاضة بحرب أهلية فلسطينية ـ فلسطينية مع استمرار تنفيذ مسلسل التصفيات الإسرائيلي من دون توقف وبمباركة أميركية، وتم حصر جهاز الرقابة على تنفيذ خريطة الطريق بأميركيين، أي فريق جون وولف. أما حق العودة والقدس فقد تكفل بإلغائهما أو الإجهاز عليهما مسبقاً: التأكيد الأميركي في العقبة على يهودية الدولة كما أسلفت، وقرار الكونغرس بأن القدس عاصمة موحدة وأبدية للكيان الصهيوني.

 

ويتابع شارون من جانب آخر تنفيذ هجمات متكررة ومنظمة على مناطق من قطاع غزة وتدمير كل مقومات الحياة والصمود للشعب الفلسطيني من جهة وتدمير كل فرص الاتفاق والتفاوض من جهة أخرى، وتنفيذ الإبادة المنهجية والتصفيات الجسدية والملاحقات وهدم المنازل، واعتقال سكان الخليل، واغتيال عناصر منظمات المقاومة، فقد اغتال الكثيرين: من الشهيد عبد الله القواسمة حتى الشهيد عبد العزيز الرنتيسي مروراً بالأب الروحي للمقاومة ولحماس الشهيد الشيخ أحمد ياسين..

 

وكل ذلك بتغطية شاملة من الولايات المتحدة الأميركية كان آخرها الفيتو بوجه الإدانة والقول المتكرر: «إن لإسرائيل الحق في أن تدافع عن نفسها!! كل ذلك يتم ليؤكد شارون لليهود استمراره في نهجه القديم كما عرفوه: فهو يرعى الاستيطان، ويرفض الهدنة، ويعادي العرب، وأنه لم يزل الدموي الذي يعشق القتل، والإرهابي الذي لا يمل من ارتكاب الجرائم، وأنه يعمل على توسيع دائرة الاستيطان وتعطيل كل مسار للتفاوض، ويقتنص كل الفرص ليفوز باعتراف عربي وتطبيع وسلام مع بقاء الاستيطان والمستوطنات؟.

 

لم تكن خريطة الطريق حلاً ولم يقصد بها الحل وإنما كانت في الحقيقة فخاً وفتنة كما أشرت، لقد كانت مجرد جزرة عفنة علقها الأميركي بخيط الخداع أمام عيون بعض العرب الذين اتفق معهم سراً على المساهمة في تقديم تسهيلات و«مشاركة» في حربه العدوانية على العراق، وأبرزها في الإعلام للاستهلاك أمام رأي عام يتلهى بأي شيء يقدمه له الإعلام المسيطَر عليه صهيو ـ أميركياً. ولكي يقدَّم هذا الموضوع بصورة خداع مناسب أخرجت الإدارة الأميركية من جراب الحاوي الذي تحمله:

 

«المجموعة الرباعية» وجعلتها تشارك في صياغة خريطة الطريق أو «رؤية الرئيس بوش» التي تضمنها خطابه في 24 يونيو 2002، وكلفتها بأن تروج لتلك الخريطة وتسوِّقها؛ ثم جُمِّدَ دور الرباعية بشكل تام إثر الإعلان عن الخطة الذي جاء بعد سقوط بغداد في 9 ابريل 2003 لأن اللعبة قد انتهت، ولأن الكيان الصهيوني اشترط ألا يكون لأحد غير الولايات المتحدة أي دور فيها. وكان ذلك في أصل اللعبة التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين الأميركي والصهيوني حصراً، حتى في تفاصيل صوغ خطاب الرئيس بوش المسمى خطاب الرؤية.

 

وإذا كان بيان الرباعية لم يخرج عن حدود ما كانت قد رسمته رؤية الرئيس بوش في خطاب الرابع والعشرين من يونيو 2002، فمن الضروري أن نؤكد على أن ذلك الخطاب الذي كان أصلاً لسان حال شارون، أو على الأصح كان ورقته التي أعدها بمعرفته ثلاثة صهاينة هم: العميد موشي كبلينسكي ورئيس الموساد إفراييم هاليفي والمبعوث الشخصي لشارون أرييه غنغار، الذين تعاونوا مع نظراء لهم في الإدارة الأميركية ومع «إيباك» حتى جاءت النتيجة على هذا القدر من التطابق.

 

وقامت هذه المجموعة كما يقول الصهيوني دان مرغليت، ببلورة كل التفاصيل فيما أصبح يعرف لديهم بـ «القائمة»، التي أُنضِجَت بالتعاون مع الإدارة الأميركية في أثناء ـ وبعد انتهاء ـ زيارة شارون السادسة لواشنطن. و «القائمة » هي النص الذي أصبح يحمل اسم خطاب بوش أو خطاب الرؤية؟!

 

وما أخفي في الأدراج من «القائمة» يتم تنفيذه الآن بأشكال مختلفة من خلال حلفاء الطرفين وأصدقائهم واللجان التي تعمل لخدمة مصالحهم تحت غطاء دولي أو «مستقل»، ومن خلال مبعوثين للإشراف على تنفيذ الخطة يسميهم الرئيس بوش اختصروا باليهودي الصهيوني جون وولف المكلف بالإشراف على التنفيذ بدلاً من إشراف الرباعية التي غابت.

 

وحسب الاتفاق الخفي قدم شارون في تظاهرة إعلامية كبيرة قبل موعد الإعلان عن خريطة الطريق اعتراضاً تضمن أكثر من مئة نقطة مما جاء فيها، فقيل أمام الرباعية والعرب: إن الخريطة لن تعدَّل؟ وقيل لشارون وحكومته ومجموعات الضغط الصهيونية: إن الإدارة الأميركية ستعالج كل ما من شأنه أن يزعج «إسرائيل» في أثناء تنفيذ الخطة»؟!

 

وهكذا ما كان.. ففي الخطوة الأولى استبعد الأميركيون الرباعية من الإشراف والمشاركة، ووضع الرئيس الأميركي جون وولف اليهودي الصهيوني مشرفاً على التنفيذ، وقال بيهودية الدولة في خطابه في العَقَبَة مما يعني عملياً إلغاء حق العودة ورفع سيف التهجير «الترانسفير» فوق رقاب الفلسطينيين الذين لم يخرجوا من أرضهم عام 1948، وبعد ذلك أصدر مجلسا الكونغرس قراراً يتعلق بالقدس عاصمة أبدية غير مقسمة للكيان الصهيوني.

 

وأباح لشارون ملاحقة عناصر حماس والجهاد وفتح وتصفيتهم وتدمير ما يشاء من البيوت والأحياء والبنى الحيوية والحياتية بحجة القضاء على ما يسميه «الانفجاري الموقوت» أو «الإرهاب الموقوت»، أي المقاوم ضد الاحتلال المدرج على قوائم التصفية الصهيونية.

 

ووضع رئيس حكومة فلسطينية مهمته الأولى تنفيذ ما جاء في خريطة الطريق وعلى رأس ما ينفذه منها، وقبل الخطوة الأولى على تلك الطريق: القضاء على الانتفاضة وتصفية المقاومة واجتثاثها «استئصالها» وفق كلام باول ومصطلحه هو ورايس، وسحب السلاح من فصائلها وتدمير البنى والهياكل العائدة لها بشكل تام. ووضع لهذه الخطة ثلاثة من المتنفذين المدعومين وصفهم الصهاينةُ بأنهم: الرأس والقلب والعضلات، حسب المؤهلات والمهام.

 

وفي خريطة الطريق التي أكملت سرقة اتفاق أوسلو لمرجعية مدريد وأصبحت مرجعية تعسة وبائسة من نوع نادر نقف على تنازل في الصميم عن حق العودة حين انصب التركيز على قضية اللاجئين.

 

ـ ما وضع بين قوسين (..) فهو ملاحظة مني وليس من كلام الرئيس الذي أخذت نصه عن ترجمة نشرة السفارة الأميركية بدمشق العدد 6205 تاريخ 25/6/2002.

 

ـ رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العرب