جراحة في ظاهرة هذا العداء العالمي لأميركا

..زبغنيو برجنسكي ... الشرق الأوسط


كثيرا ما سئلت حول ما حمله كتابي (الخيار: هيمنة عالمية أم قيادة عالمية ؟) وما أوردته فيه من أنه من الضروري للقيادة الأميركية أن تتيقن أن الأمن العالمي لا يعتمد فقط على القوة العسكرية ولكن أيضا على مناخ موات للرأي العالمي، وتعريفا سياسيا للمشاعر الاجتماعية، ولمصادر الحقد المتطرف، وذلك مع عصر يستصحب صحوة عالمية وقابلية عالمية أيضا في تلقي الأذى. وأكاد أتفهم طبيعة السؤال حول هذه الرؤية، كون صور سجن أبي غريب والمآزق المتوالية في حرب العراق قد قطعت بنظر البعض على أن أميركا قد خسرت سلفا حرب التعاطف معها من قبل الرأي العام العالمي، ولحد ذهب فيه البعض الى أنها قد جعلت من نفسها أيضا واجهة لحقد أكثر مما كان عليه حالها قبل 11 سبتمبر.
في الإجابة أقول: نعم ، ولا ، وليست تلك بالاجابة الغريبة، فأميركا وبلا جدال قد أذت نفسها كثيرا، وليس ذلك بسبب أن معاركها التي تخوضها لم تنته لا بنصر أكيد ولا بهزيمة واضحة. ومن هنا، فمن الأهمية بمكان أن تشرع واشنطن، وعلى الفور في استرداد موقعها، ولأن ذلك، وإذا لم يحدث، فالوتيرة الحالية للتدهور المصاحب لمكانتها سيقلل من تلك المكانة من جهة، وسيقحم كل العالم في فوضى كارثية.
ولنا أن نعترف هنا، أن الرأي العام العالمي لم يكن يوما، وطوال تاريخنا كأمة، على مثل هذه العداوة التي يتلبسها ضدنا اليوم. ففي الماضي، وبصفة خاصة خلال الحرب الباردة، كانت هناك موجات كبرى من المناهضة لأميركا، ولكنها وفي طبيعتها، أو قل نسيجها، كانت مرتبطة بحركة اليسار، ولكن المناهضة لأميركا اليوم تتلبس شكلا مغايرا، أقرب ما يكون الى نظرة عالمية انخرط فيها اليمين واليسار، دعك عن أن عمق المأساة هنا أن واشنطن هي التي تحدث ذلك على نفسها.
ومن عجب أن سياسات بوش في العراق ليست وحدها التي تقف وراء المأساة كما قد يتبادر الى الذهن، لأن هناك المثير الذي يؤخذ على هذه الإدارة بخلاف أمر العراق. وأسجل هنا أن إدارة بوش هي أول إدارة لم تضع نفسها في التيار السياسي العام ، ولم تعكس اعتدالا ولم تمارس، وعلى الأقل، مشاركة واقعية منذ غروب الحرب الباردة قبل 50 عاما. بل أن هذه الإدارة، وفي مكان تغييب تلك الموجهات الحيوية، ذهبت في تبني مبادئ متطرفة. ولدينا في فقه السياسة، فالتطرف يولد الطيش والتهور والمغامرة، وهذا هو عين ما نشهده الآن.
وهناك وجه آخر يعنيني في هذا الشأن، وقد ضمنته كتابي (الخيار) الذي صدر قبل أيام، وإشارتي هنا الى أن حجة أميركا على العالم في سياقات المبادئ الانسانية ظلت قائمة على ركائز مجتمعها المفتوح واحترامها لحقوق الانسان، ومصدر عنايتي بهذا الشأن يأتي من السؤال الذي يلاحقني الآن حول التآكل في تلك الركائز بحسابات المصداقية، وقد بدا كثيرون في العالم يلصقون صفة النفاق علينا خاصة بعد أن صبت ممارساتنا للتعذيب والاستغلال في العراق الكثير من الزيت على نار مشتعلة.
وأقول هنا إن ما حدث في العراق قد ألحق دمارا على مصداقيتنا، وأستميح القارئ العذر في القول هنا بما هو شخصي: فأنا وأحسب أني أملك حقا أخلاقيا في هذا الاتجاه، ظللت لسنين عديدة أرفع شعار حقوق الإنسان، حتى في سنوات لم يكن فيها الشعار لا براقا ولا محبوبا ولا شعبيا، وأعني حقبة السبعينات، فيما ظللت ناقدا وعلى الدوام لمشروع بوش في العراق، وحتى في وقت كان فيه بعض الديمقراطيين صامتين، وبعض آخر مهللا.
وعلى أية حال، فحينما يجادل منتهكون لحقوق الإنسان في الخارج بأننا نشاركهم السوء في الانتهاك، فإنهم إنما يتناسون نقطة مركزية في هذه المجادلة، واعني أن ما حدث في أبي غريب يتكرر وعلى مستويات كبيرة، وبوتائر يومية، في سجون متعددة في أرجاء العالم. والفرق الوحيد بيننا وبينهم هو أن ما مثل تلك التجاوزات السادية لا يتم عرضها والاعلان عنها من قبل الأنظمة المعنية، فيما نالت تلك الانتهاكات، ووفقا لنظامنا، اليقظ نسبيا، فقد تمكن من التوصل للانتهاكات خلال شهور قليلة على حدوثها وقام بعرضها وتجاوب بتحقيقات علنية ويتحدث عن منظور للمعاقبة عليها. وللإنصاف أقول هنا أيضا، فأميركا هي التي تؤكد أن المذنب لا بد أن يعاقب وتفعل ما تقول، ولا يمكن بأية حال القطع بحدوث ذلك في الصين أو روسيا، وآخرين كثيرين بمن فيهم العرب.
والى ذلك ومنعا للتحيزات، أسجل أني قد تناولت أيضا في كتابي مقومات كثيرة في الثقافة الأميركية لا تساعد في تلطيف أو تجميل صورة أميركا لدى الآخر، وفي مقدمتها الثقافة الضخمة المتشابكة بذراعها الاعلامي العملاق التي تحمل فيما تحمل العلمانية المنفلتة والوفرة والبزخ، والصور الخليعة والإباحية، وهي ثقافة من شأنها أن تتقاطع مع رسالة الدفاع عن حقوق الانسان، وبين مفاهيمنا ومفاهيم الاسلام الاجتماعية المحافظة.
وبوضوح أكثر أقول إن هناك خلاعة واباحية في ثقافتنا، فحتى في عروض تلفزيوناتنا في منتصف الظهر هناك خلاعة، ولا بد من الاعتراف أيضا أن في ثقافتنا سوقية وأشياء كريهة ومقززة ومحبطة أخلاقيا. ولا جدال أن هذه الأمور تساهم في تعميق الفجوات الثقافية في العالم، ولا بد للأميركيين من مواجهة هذه الحقيقة والا فإننا لن نكون في وضع يمكننا من انتقاد ثقافات الآخرين ومبادئهم الدينية حول العلاقات بين الجنسين، ومن هنا لا بد من نداء لجهة اعتدال ما في الطريقة التي ندير بها حياتنا. ولكن في المقابل، فكل ذلك لا يلغي الحقيقة القائمة، وهي أن هناك نزوعا عالميا نحو الحرية والديمقراطية، وعلى مستويات كثيرة يبقى لأميركا دور في مقدمة جبهات هذا النزوع.
وأخيرا، وأمام هذا المأزق ترى أية استراتيجية يمكن أن تعين أميركا على تجنب نمو أو يقظة لقوى مضادة ؟
وأقول هنا إن على أميركا أن تستيقظ على حقيقة أن أمرا محوريا قد حدث مع صدمة 11 سبتمبر، وقد صدمنا جميعا بما حدث، ولكن في غضون ذلك، تمكنت مجموعة منا متطرفة من استغلال الصدمة واختطاف الساسة الخارجية الأميركية، بل أن تلك المجموعة، وبغرور ضخم وازدراء للآخرين، أرسوا سفنهم على سياسة عزلتنا عن العالم بصورة لم تحث من قبل.
من هنا تحتاج هذه البلاد أن تتذكر أن الـ 60 عاما الماضية من النجاح في السياسة الخارجية عبر ادارات كثيرة قد جاءت أصلا من رفض التطرف، أيا كانت جهته، من اليسار ومن اليمين، كما عليها أن تتذكر أنه بعد 11 سبتمبر، فقد دبرت جماعة من المتطرفين الاستراتيجيين أمرها في السيطرة على رئيس بميول مسيحية وبلا قبضة على تعقيدات الوضع العالمي. ومن هنا أحدثت أفعالهم بتراكماتها المتنامية ضررا غير مسبوق بمصالح أميركا على المدى البعيد. ومن هنا أيضا، وليس ذلك من قبيل الدعاية لكتابي، تجيء الحاجة (للخيار) ومعه للتساؤل: هل ستعود أميركا الى نجاحات الماضي في القيادة العالمية، أم تراها ستمر نفسها في المسار المتطرف للهيمنة العالمية ؟

* مستشار الأمن القومي الأميركي في إدارة الرئيس السابق جيمي كارتر، المقال مأخوذ من مقابلة أجراها معه ناثان غاردلز رئيس تحرير غلوبال فيو بوينت
خاص بـ«الشرق الأوسط»