قضايا الإصلاح العربي ومشكلاته

د. رضوان السيد ...الاتحاد

 

الكلَّ يعلم أنّ الجيوش العربية بأكملها صارت قوات أمن داخلي، وهي تعجز رغم كثرتها واستعداداتها عن حفظ الاستقرار، لأنّ مشكلاتنا ليست مشكلاتٍ أمنية بل سياسية، ما أظهر الإصلاحيين المصريون سروراً كبيراً بتوجهات الرئيس المصري وآرائه الإصلاحية، مع أنها تحقّق قدراً كبيراً مما كانوا يطالبون به، ومن ضمنه إزالة قانون الطوارئ وأحكامه الاستثنائية، ومراعاة مسائل الحرية وحقوق الإنسان، ودعم استقلالية القضاء، وتشديد الرقابة على قضايا الفساد. أخذ المعارضون المصريون على رئيسهم عدم تعرضه لمسألة التداول السلمي والديمقراطي للسلطة؛ بما في ذلك التعهد بعدم السعي للتجديد له للمرة الخامسة؛ مع أنه كان قد نفى قبل شهورٍ السعْيَ لاستخلاف ابنه جمال، كما أنه أعلن التزامه بما توصل إليه المثقفون المصريون والعرب الآخرون في وثيقة الإسكندرية. ثم إنه صار معروفاً أنّ مصر ودولاً عربيةً أُخرى (من ضمنها السعودية) حاولت في مؤتمر القمة بتونس أن تسْتخرج وثيقةً جماعيةً حول الإصلاح تتناغم مع ما جرى الاتفاقُ عليه في اجتماع وزراء الخارجية العرب بالإسكندرية، لمواجهة اجتماع الدول الثماني بالولايات المتحدة الأسبوعَ المقبلَ، بتوجهٍ عربيٍ واحد. واعترضت على ذلك سوريا ودول أخرى من بينها عُمان والجزائر وتونس وقطر، بحجة أنّ الإصلاح ينبغي أن يكونَ ذاتياً ولا دَخْلَ لأحدٍ به!

على أي حال، يبدو أنّ الإصلاحيين العرب في ردود أفعالهم على مبادرات أو آراء الحكومات، لا ينطلقون من مضامين تلك المبادرات، أو لا يحكمون عليها من منطلق المضمون والمحتويات؛ بل من خبرتهم مع تلك الحكومات في الوعود القديمة والمستجدة. وهي تجاربُ وخبراتٌ لا تبعثُ على أي قدْرٍ من الثقة أو التفاؤل. فالذي حدث ويحدث منذ الثمانينيات من القرن الماضي، أنه نتيجةً لظروفٍ خارجيةٍ أو داخلية، يعمدُ نظامٌ عربيٌّ معيَّنٌ لطرح مبادرةٍ تتمثّلُ غالباً في نظامٍ انتخابيٍ جديد، أو في توسيع المجال السياسي بعض الشيء أو الإصغاء لمطالب الهيئات الدولية بمراعاة حقوق الإنسان. وفي العادة، كان المثقفون يُقْبلون على التهليل للمبادرة النيرة، ولنزاهة الحاكـم أو القائد وشفافيته. لكنّ المبادرة ما تلبثُ أن تُسحب أو يجري تجاهُلُها، فلا يسألُ أحدٌ عن ذاك التراجُع، ولا الحاكم يتحدث عن مسوِّغات المبادرة أو مبرِّرات الانسحاب. ونعرفُ الآن من الجدالات الجارية ما بين أنظمتنا والولايات المتحدة طَوالَ الأعوام الثلاثة الماضية، أنّ الأميركيين والأوروبيين كانوا يضغطون لشيء من الانفتاح، فيستجيبُ لذلك الحكام العرب شكلاً، ثم يعبّرون للأجانب الخائفين أكثر منهم من الأصولية الإسلامية، عن خوفهم من أن يستغلَّ الأصوليون الانفتاح وجو الحريات للانطلاق في عملياتهم الإرهابية، وفي استقطاب عطف الجمهور في الانتخابات المحدودة، فيستولون على السلطة، ويقيمون نظاماً أصولياً مثل ذاك الذي حلّ بالسودان منذ عام 1989! أما المثقفون والسياسـيون المعارضون، والذين كانوا يهلّلون للمبادرات السلطوية، ثم يصمتـون عندما تتوارى، فيعـودُ ذلك أيضاً لخوفهم الحقيقي وليس الموهوم من الإسلامية والإسلاميين. ففي انتخاباتٍ حرةٍ فعلاً سيأكل الإسلاميون (جماعة التيار الرئيسي) الجوَّ لدورةٍ أو دورتين، في حين يتوارى القوميون واليساريون والليبراليون على حدٍ سواء، في المدى القريب على الأقلّ. وتبقى فئةٌ ثالثةٌ صغيرة وغير أيديولوجية، من الإصلاحيين الحقيقيين، وهؤلاء يريدون الإصلاح فعلاً؛ لكنّ ضعفَهم الشعبي يحول دون صيرورتهم فريقاً سياسياً يستطيع أن يطرح مبادرةً أو يستغلَّها لصالح النهوض والتقدم.

وقد ازداد هذا الجوّ من التردد وعدم الثقة ظهوراً مع بروز المبادرة الأميركية للديمقراطية عشية غزو العراق، والاجتياح الشاروني الجديد لفلسطين. فقد اقترنت الخطوة الأميركية بالغزو والاحتلال والخراب والفظائع، والحرب على الإرهاب. وحنت الأنظمة العربية رأسها للعاصفة الهائجة، بينما انصرف المثقفون لشتم أميركا وديمقراطيتها. وقد تجددت لدى ذوي الميول الإسلامية المعتدلة من بينهم المقولة القديمة القائلة إنّ أولى الأَولويات اليومَ الاستقرار، والديمقراطية لا تُفرض بالقوة ومن الخارج. ولذا فمن الأفضل عدم التشديد على الإصلاح والتغيير بأي ثمنٍ؛ والانصراف لبذل المساعي التدرجية بالداخل، وإلاّ عرّضنا أنفسنا لضغوط الخارج ومآزقه كما هو مُشاهدٌ بالعراق وفلسطين. وخلال هذه الفترة (السنوات الثلاث الأخيرة) حدثت تجاربُ في المشرق والمغرب، مضت باتجاهاتٍ مختلفة، ووصلت إلى مآلاتٍ متباينة أيضاً. ففي الجزائر كان هناك قانون "الوئام المدني"، الذي هدف لاحتواء العنف الإسلامي، وفتح المجال السياسي من جديد. وفي السودان ازدادت مأثرة "الوفاق الوطني" الناجمة عن المفاوضات مع الجنوب الثائر، ومفارقة حسن الترابي. وفي سوريا كانت هناك المنابر والمنتديات الداعية إلى الديمقراطية. وفي البحرين والكويت وقطر وعُمان والمغرب حدثت انتخاباتٌ شبه ديمقراطية. وتحدث السعوديون عن انتخاب نصف أعضاء المجالس البلدية، وهذه كلُّها ظواهر إيجابية، وإن تكن محدودةً من حيث الآثار.

وكنتُ في دراستي "مقالة في الإصلاح السياسي العربي" قد استظهرتُ وجودَ ست مشكلات رئيسية في الوطن العربي هي أولاً: مسألة الدولة والنظام. فبسبب جمود النظام السياسي العربي عند حدود السبعينيات من القرن العشرين المنقضي تتضاءلُ شرعيةُ الأنظمة السياسية، وتتهددُ فكرةُ الدولة في المجال العربي. وثانياً: المسألة الوطنية والقومية. وأبرزُ مظاهرها العجز عن الوصول إلى حلٍ للقضية الفلسطينية، والعجز عن كبح جماح القوة الإسرائيلية المتعملقة وتهديدها لسائر الأنظمة العربية. وثالثاً: مسألة التنمية. وتتجلَّى خطورتُها في العجز - بعد مرور عقدين على السير في التغييرات الاقتصادية- عن تحقيق النمو المستدام، وعن اجتراح سياسات للنهوض والتقدم، والمشاركة الفاعلة في النظام الاقتصادي العالمي. ورابعاً: مسألة الحرب الأميركية على الوجود السياسي والثقافي العربي، تحت اسم الحرب على الإرهاب. وهي حربٌ تدورُ وقائعُها وأحداثُها الظاهرة في العراق وفلسطين. لكنها تتجاوزُ في فعلها وتأثيراتها هذين البلدين، إلى سائر أنحاء الوطن العربي، وإلى ثقافة العرب وانتمائهم الديني والحضاري. وخامساً: أزمة النظام العربي. وأبرز مظاهرها تضاؤل تأثير المشتركات التكوينية (التاريخ والثقافة والجغرافيا) في الجمع والتوحيد، وعدم فعالية المشتركات المستجدة (المصالح والأخطار). وسادساً: المسألة الفكرية والثقافية. وأبـرزُ مظاهرها التراجعُ المعرفي، وتراجع الوعي بالعالم، وتضاؤل الإنتاج الثقافي النهضوي والمتقدم، وظهور الإسلام الأصولي العنيف، وسيطرة أفكار الهوية وثقافتها الانعزالية.

وفي ضوء تفاقُم هذه المشكلات الستّ، ما عاد عُذرُ الحرص على الاستقرار قائماً، كما لم يعد بالوسع انتظار المبادرات المثالية والكاملة. ولهذا تشتدُّ الحاجةُ إلى التغيير، والتغيير السريع لاستيعاب تلك المشكلات وتجاوُزها. وصحيحٌ أنَّ الثقة لا تتوافرُ بالأنظمة العربية نتيجة التجارب السابقة والحالية. لكنْ من ناحيةٍ ثانيةٍ ليس بالمستطاع انتظارُ المبـادرة الشاملة والكاملة التي تأتي بها جهات مبرأةٌ من الأميركيين وغير الأميركيين. فهناك تناقضٌ عميقٌ بين مقاصدنا ومقاصدهم، ومصالحنا ومصالحهم، ولا أحسبُ مبادرتهم الديمقراطية إلاّ تغطيةً لحروبهم علينا. وحتى إن لم تكن كذلك، فنتائجها حتى الآن ما نراه بالعراق وفلسطين وأفغانستان. ونعرفُ أنّ ما تقوله بعض الأنظمة العربية لا يقلُّ عن ذلك سلبية. الحقُّ أنّ الإصلاح السياسيَّ والاقتصاديّ مطلبٌ ومصلحةُ لنا بغضّ النظر عما يقوله الأميركيون وغير الأميركيين. والخمود والجمود السياسي والاقتصادي لا يعين في شيء على حلّ المشكلة الفلسطينية أو العراقية. بل إنّ الدولة القوية والناجحة والصديقة لمواطنيها هي التي تستطيع التصدي للتحديات الكبرى الوطنية والقومية. ولننظر كيف استطاعت الولايات المتحدة أن تحتلّ العراق بدون مقاومةٍ تقريباً، بسبب كراهية الناس للنظام، بينما يعجز الأميركيون جميعاً الآن عن إخضاع مدينة صغيرةٍ كالفلّوجة، لتصدي الناس جميعاً لهم! وهكذا فإنّ ربط بعض الأنظمة العربية للإصلاح الداخلي بالقضايا القومية تعبيرٌ عن مقولةٍ زائفةٍ فات أوانُها. فقد دأبت تلك الأنظمة على استعباد الناس طوالَ عقودٍ من أجل التوحد الوطني والقومي في مواجهة العدو. وها هي قد انهزمت وعجزت عن هزيمة العدو، بل عن تهديده أو التعرض له. فالأحرى حدوثُ العكس: الإصلاح الداخلي، والتغيير الداخلي، من أجل القوة في وجه العدو، لكنْ قبل ذلك كلّه، من أجل إراحة المواطنين، وتحسين شروط عيشهم، لاستعادة سويتهم الوطنية والإنسانية.

ومن أجل ذلك كلّه، ليس من المصلحة انتظار المبادرة الكاملة والشاملة، بل لابد من انتهاز الفرصة السانحة والمتمثلة في الأُطروحات الإصلاحية لدى بعض السلطات العربية، وفي طليعتها الآن مصر، وبعض الدول الخليجية. ومن المنتظر مع سقوط قوانين الطوارئ، والإجراءات المقيِّدة للحريات، وازدياد الشفافية في الانتخابات، أن تخرج من اليأس والظلمة فئاتٌ واسعةٌ تُطلق حركةً وحركيةً يستحيلُ معـها التراجُعُ، ويسهُلُ بزخمها الانطلاق السريع. لابد من التغيير بأي شكلٍ ووتيرة، ومن المؤكَّد أنه باستثناء التخريب المتعمّد، والإرهاب الأعمى؛ فإنّ كلَّ حركةٍ في مجالنا ستكون إلى الأمام.

قامت عندنا بلبنان قبل أيامٍ تظاهراتٌ مطلبيةٌ عنوانها الرئيسي تخفيض أسعار المحروقات. ولأنّ بعض المتظاهرين سدوا الطرقات، وخرَّبوا بعض الممتلكات، فقد اشتبكوا مع القوى الأمنية، وسقط من بينهم قتلى وجرحى. وتصاعدت بنتيجة ذلك المطالبات بتشديد القبضة الأمنية، ومنع الإضرابات والتظاهرات. بل وذهب البعض إلى أننا لا نستحق الحريات، لأننا لا نحسنُ استخدامها. وهذا نموذجٌ من التفكير الذي ما عاد الأخذ به ممكناً. فحرية التظاهر ينبغي أن تظلَّ مصونة، أما الإساءات فيعاقب عليها القانون. وقد عوقب المسيئون البؤساء بالموت فعلاً. فالخوف من الحرية أشدّ فظاعةً من الخوف من العدو. ولا يصح أن يصبح ذلك عادةً لدى الصحافيين ورجال الإعلام، كما هو لدى أهل السلطان. والتغيير الذي يتم من أجل حريات الناس ومصالحهم، سيدفعُهُم لحمايته ممن يحاولون الإساءة إليه. فليكن التغيير، أما الصعوبات والعقبات فيمكن التصدي لها؛ إذ إنّ الكلَّ يعلم أنّ الجيوش العربية بأكملها صارت قوات أمن داخلي، وهي تعجز رغم كثرتها واستعداداتها عن حفظ الاستقرار، لأنّ مشكلاتنا ليست مشكلاتٍ أمنية بل سياسية، وإلاّ ظللنا كما يقولُ المثَلُ العربي: هم من خوف الموت في موت!