حوادث المزة: أهي اعتداء أم حيلة الضعفاء؟

2004/05/25

 

عزالدين مصطفي جلولي

 


مست شام الرسول في بركة أمنها، الذي أحلها مقاما مرموقا بين الأمم، وجعلها مهوي أفئدة المؤمنين والسائحين من مشارق الأرض ومغربها، ممن جربوا سكني الشام، وكواهم عشق الشام، كما تغزّل الشاعر الدمشقي نزار قباني في قصائده بسورية.
أتت تفجيرات المزة عقب إحباط السلطات الأمنية الأردنية محاولة لنسف مقر مخابراتها الأمنية. وفي إطار الدعاية الإعلامية لهذه العملية غمزت تلك السلطات بطرف خفي مرة، وبكلام صريح أخري، بتورط سوريين في الموضوع، وأمر التراشق هذا له مثيلاته في تاريخ العلاقة بين البلدين.
كما استبقت هذه الحوادث التقرير السنوي الذي تصدره الولايات المتحدة الأمريكية عن الإرهاب و الإرهابيين ومن يقف وراءهم داعما أو مؤويا، وسورية، كما غيرها من دول محور الشرّ ، لا تزال علي القائمة السوداء، بل إن عصا العقوبات التي أقرها الكونغرس ووقّع عليها البيت الأبيض تنتظر الضوء الأخضر لتدخل حيز التنفيذ.
يضاف إلي ذلك اتهامات الاحتلال الأمريكي للسلطات السورية، كلما أثخنته المقاومة العراقية قتلا وتجريحا، بالتساهل في ضبط حدودها مع العراق في شأن المتسللين الراغبين في مشاركة إخوانهم شرف الجهاد، من دون التصريح بشأن الفارين من الجنود الأمريكان في الاتجاه المعاكس.
ثم جاءت نتائج التحقيق مطابقة لما أعلن أول مرة، ولم تغير نتائجه من الرواية الرسمية أي شيء، بل كان تأكيدا لصدق السلطة وقدرتها علي تحديد الجاني والقبض عليه. ولم يشفع لها عند الجمهور المتابع لما حدث أن أتت بمن ادعت أنهم الإرهابيون الذين قاموا بالتفجير، ولم يزد ذلك في شكوكهم إلا شكا جديدا، جعلنا نوقن بأن الفكر السياسي في وطننا العربي لا يزال متخلفا عن الوعي الشعبي المتنامي الذي يراد أن يتحكم فيه، ويوجه علي هوي السلطان.
تلك هي أهم الظروف التي سبقت التفجيرات في دمشق، التي جاءت هذه لتكسر سكون العاصمة دمشق وتزعج هدأة ليلها الجميل، فتلاحقت الأنباء متناقضة لتختم بالرواية الرسمية التي لم تخل هي كذلك من بعض الاضطراب والخلل، فهي لم تظهر الضحايا البشرية لهذه الحادثة، أي أنها ذكرت عدد القتلي والجرحي من المهاجمين من دون إظهار أحد منهم مقتولا أو مجروحا. كما أن مخبأ الأسلحة والذخائر المكتشف بسرعة البرق واتهام القاعدة بذلك زاد من الشكوك في مصداقية الرواية الرسمية، لعلمنا أن أسلوب القاعدة في العمليات العسكرية معروف لا يتوجه إلي بناء مهجور للأمم المتحدة في المزة، في الوقت الذي يستطيع هذا التنظيم استهداف مقرات مهمة لدول أجنبية تظهر عداءها لقضايانا.
كما أن استبعاد الحركة الكردية المناهضة للنظام السوري مما حدث، بعد القلاقل التي جرت مؤخرا في الجزيرة شمالي الشام، واحتمالية أن يقوم بعض الساخطين من هؤلاء بتصرف انتقامي، أمر غير مفهوم رغم شدة الشكوك والظنون.
إن القراءة الهادئة لهذه الحوادث، بعيدا عن الرواية الرسمية التي أعلنت، تجعلنا نستبعد أن يكون العمل من صنع عناصر قاعدية أو متأثرة بهذا المنهج، وسبب استبعادنا لهذه الجهة معروف، فدمشق لا تزال في نظر الإسلاميين، موالين أو معارضين، قلعة صمود وتصدي، وآخر قلاع الأنظمة العربية قومية وصدقية في مواجهة التحديات، ولا أدل علي ذلك من تكالب أعداء الأمة عليها أمريكان وصهاينة. ولعل الجهة القريبة بالاتهام إن صح أن هنالك جهة، هم الأكراد الموالون للأجنبي لا الأكراد أحفاد صلاح الدين، الذين خطوا في تاريخهم سبيل النصر في شروطه الثلاثة: الالتزام بالدين، والقدرة علي التوحيد، وإنجاز التحرير.
لا تزال تقبع في ذاكرة الأجيال تلك الحقبة الأليمة التي رسمت في قلوب السوريين، سلطة وإسلاميين، جراحات دامية لا تزال آثارها لم تندمل بعد، في ذلك الصراع العبثي في موازين القيم التي تؤمن بها الأمة. ولم يلبث البعث الذي أمعن في ضرب الإخوان المسلمين بالحديد والنار، وبكل ما من شأنه القضاء علي فكرهم الضال ، الذي يبحث عن تفعيل دور الحاكم في مجتمع يدين بالإسلام. وما لبثت الأيام، التي جعلها الله تعالي دولة بين الناس، أن جعلت بين البعث والإخوان حلفا استراتيجيا لا يلين، شكل شوكة في حلوق المعتدين الصهاينة. ولعل الواقع العراقي أصدق مثال علي صدق هذه المقولة، فالقاعدة والإخوان المسلمين المبعدون أو الفارون من سورية عقب أحداث حماة باتوا يمثلون اليوم عصبا حساسا في المقاومة العراقية التي تذل الأمريكان وتسومهم سوء العذاب.
ليس من مصلحة سورية أو أي نظام عربي آخر أن يعادي الحركات الإسلامية، وإن رأي فيها العالم إرهابا، لأن الإرهاب لديه هو النضال من أجل استرداد الأرض والحق ورد كيد المعتدي، بل ينبغي علي هذه الأنظمة أن تقف موقفا وسطا علي أقل تقدير، إن لم يسعـــــها دعم هذه الحركات التحررية في جهادها، لأنهم سيجدون فيها اليد الحامية والعضد المتين والصدق والإخلاص عندما لا تنجدهم سياساتهم أو تتخلي عنهم ولاءاتهم وأحلافهم، وتجربة حزب الله وحماس والجهاد في هذا الباب خير مثال علي ما نقول. أما المشروع النهضوي الذي يحرر البلاد والعباد فلم يبدأ العمل به بعد، وما النصر الذي حققه صلاح الدين في موقعة عين جالوت وحطين إلا نتيجة حتمية للإعداد الديني والثقافي للأجيال طيلة قرنين من الزمان بدأ علي يدي نور الدين زنكي، والتاريخ يثبت فضل هذا الأخير علي صلاح الدين في تحرير فلسطين.
إن عنفوان الأمة الإسلامية يقاس بمدي قربها أو بعدها من الإسلام، الذي به تكون أو لا تكون، وهو السلاح الأمضي في حربها وسلمها مع أعدائها، عرف ذلك الصليبيون والصهاينة اليوم، فتوجهوا إلي المناهج الدراسية وإلي كل ما من شأنه تقوية شوكة العرب والمسلمين فكريا وروحيا، والعار كل العار ألا ندرك ذلك، أو أن ندركه متأخرين فنتعامي عنه، بحجة هنا وأخري هناك، وألا نتحرك نحوه إلا إذا أحصرنا أو خسرنا.
أمام سورية اليوم فرصة ذهبية لرص صفوفها الداخلية، قبل معركة يتوعدها بها الحاقدون، فالأمريكان يتحرشون بها بحجة غياب الديمقراطية، وهي دعوي حق يراد بها باطل، لعلمهم أن النظام السوري ببعثيته وعلمانيته وطائفيته قد لا يسعه التنازل عن الحكم وفتح المجال للمعارضين، فها هي ذي فرصة ينبغي اهتبالها لإسكات الأعداء بإفساح المجال أمام الإسلاميين، ألد أعداء الصهاينة والأمريكان والمالكين لمنظومة النصر، ليترشحوا فينتخبوا علي أغلب الظن، لأنه بات من المعلوم عطش الشعوب الإسلامية ورغبتها الملحة في نظام إسلامي يدير شؤون حياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من مجالات الحياة...
ربما كانت للضعيف، أو للقوي المستضعف، حيل وطرائق لصد التكالب عليه، وهذا ما أرجحه في ما جري مؤخرا في دمشق، فسورية ربما تكون قد اختارت هذا الأسلوب في توقيت مبرمج مسبقا، لترسل رسالة إلي كل من يهمه الأمر، واختارت لذلك مبني مهجورا للأمم المتحدة كي لا تضر بمصــــالح حيوية لدول صديقة لها أو قوية عليها، فتتشظي حروف رسالتها إلي كل العالم، فتنأي بنفسها عن مساءلة قد تنعكس نتائجها سلبا إن هي وجهت خطابها فأخطأ الطريق .
لا تزال سورية قوية في قلوب محبيها، صامدة في ضمائر الأحرار الواقفين إلي جانبها والداعمين لها، ولن يضيرها مكروه ما دامت علي خطي الخير والحق تسير، وما ضرها أن تتظاهر عليها قوي الشر ورسول الله وعدها بنصر مؤزر في معركة فاصلة بين الحق والباطل علي تخوم غوطتها الفيحاء، ويومها سيفرح المؤمنون بنصر الله، (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا).
كاتب وباحث إسلامي