مسرحية رجال الدمار الشامل..!

توماس فريدمان *


لا يعرف المرء في بعض الاحيان ما اذا كان عليه ان يضحك او يبكي، فقد أوردت مجلة «تايم» في الاسبوع الماضي ان مكتب المباحث الفيدرالي
F.B.I قد وضع مكاتبه في كل انحاء اميركا على اهبة الاستعداد للبحث عن منفذي عمليات انتحارية محتملين، فيما احيطت قوات الشرطة علما بأن تبقي عيونها مفتوحة تجاه اناس يرتدون ملابس ثقيلة في الصيف، ومعهم اسلاك إلكترونية خارج ملابسهم، او اولئك الذين تفوح منهم رائحة مواد كيماوية. وبالتأكيد فاذا ما كان لي ان اشاهد انسانا بأسلاك الكترونية، فسأتصل بالشرطة.
وللأسف، فمثل هذه التحذيرات لا تعدو كونها واحدة من كثيرات. والمفارقة اننا وفيما لم نجد اسلحة دمار شامل في العراق، وجدنا رجال دمار شامل. ضعوا في اعتباركم تفجير سيارة الاثنين الماضي ببغداد واغتيال عز الدين سليم، السياسي الشيعي، رئيس مجلس الحكم الانتقالي. ووفقا للتقارير، فقد كان الرجل في موكب من خمس عربات حراسة مصطفة بانتظار دخوله المنطقة الخضراء حيث المجمع الاميركي الآمن في قلب بغداد، لتنتفض سيارة فلولكسفاغن من بين صف السيارات وتتجه الى عربة سليم وتنفجر قربها مدمرة كل شيء في ذلك المحيط.
وخارج اطار الصدمة، نحتاج الى التفكير في هذا الحادث، وفي تقديري لدينا حصيلة من 50 الى 70 تفجيراً انتحارياً في العراق خلال العام الماضي. ولذلك فالسؤال الاول هو الآتي: من اين اتى هؤلاء الانتحاريون؟ وكيف لنا ان نحصل على هؤلاء القوم؟
لم اتدبر الامر كثيرا من جانبي، ولكن بوسع المرء ان يجادل حول أن احتلال 37 عاما من قبل اسرائيل للضفة الغربية قد دفع الفسطينيين للجنون لتتطوع اعداد منهم للمهام الانتحارية خلال السنوات القليلة الماضية. ولكن احتلال اميركا للعراق لم يتعد عاما واحداً، فيما بدأت المهام الانتحارية بعد اشهر قليلة من وصول القوات الاميركية لتحرير شعب العراق من دكتاتورية صدام، فماذا يعني ذلك؟ هذا يعني ان مجموعة او مجموعات من الناس لديهم القدرة على تأهيل اعداد من العامة الراغبين في قتل انفسهم بهجمات ضد الاميركيين في العراق او الاهداف العراقية، فيما لا نملك اية خلفية او بادئة عن الطريقة التي تعمل بها هذه الخطط.
فنحن لا نعرف من هم هؤلاء القوم، رغم ان التقارير تقول انهم قادمون من اوروبا وبعض الدول القريبة، فكيف ترى كانت وسائط سفرهم؟ وكيف انتقلوا من جوامعهم الى العراق؟ وكيف تواصلوا وارتبطوا بالخلايا العاملة في العراق؟ وكيف انتظموا من بعد واعتنقوا عقيدة المهام الانتحارية؟
يقول ريموند استوك خبير الأدب العربي والإعلام المقيم في القاهرة: «انا لا اعتقد ان رجال الدمار الشامل هم نتاج عذابات عراقية محلية ضدنا، فهم في الاساس قتلة مستوردون، يخلقهم مزيج من الاعلام العربي وعناصر متطرفة محددة في الثقافة الاسلامية، وبعضهم حصلوا على التأهيل من تنظيم «القاعدة» وروابطها. فالناس هناك يحاطون بأن الفرد منهم واذا ما كان شابا وغاضبا وبلا مستقبل ومقهور جنسيا، فالموت هو المتعة الدائمة والمبرأة من عقد الذنب، هم يرون ذلك في اشرطة فيديو بلا عدد، ليكون كل ما تحتاجه هو قائد شاحنة راغباً في تهريبهم الى هناك من أي دولة من دول الجوار».
وأيا كانوا او كانت مصادر مجيئهم، فإنهم في الواضح يزدادون اتقانا لمهامهم يوما بعد يوم، والطامة الكبرى ان هؤلاء القوم عدميون، اذ لدى «حماس»، على الاقل، هدف سياسي لتخليص الفلسطينيين من جميع اليهود واقامة دولة فلسطينية هناك. فيما لا يملك انتحاريو العراق، سواء على المستوى الفردي او الجماعي، هدفا سوى البرهنة على ان اميركا فشلت في تقديم اي شيء مفيد للعراق، وهم على استعداد للتضحية بكل شعب العراق من اجل هذا الهدف.
والى ذلك فنجاح العدميين يثبت من جهة اخرى شيئين هما: اننا لم نمتلك العدد الكافي من القوات بالعراق، في مقابل الفشل في تدريب قوات الشرطة الكافية لتأمين حدود العراق وداخله، وكلاهما مهم في وضع الاساس لأي ناتج جيد هناك.
واخيرا، فهناك مهام تسليم السلطة للعراقيين ليقتربوا اكثر من هذه العناصر، وهي مهام جسيمة تقتضي منا مجتمعين ان نضع حدا لهذه المسرحية قبل ان تأتي بعروضها الى مسرح قريب منا.

* خدمة «نيويورك تايمز»