حكايتنا مع الرأي العام العالمي

أكرم البني      الحياة     2004/05/23

لاشك في أن الصور المريعة لذبح الرهينة الأمريكي نيكولاس بيرغ أفقدت القضية العراقية قسطاً مهماً من التعاطف الغربي الذي بدأ ينمو مع تداعيات فضيحة تعذيب الأسرى العراقيين في سجن أبو غريب.

وبالمثل عندما تناقلت وسائل الإعلام العالمية في بداية الانتفاضة الثانية صور استشهاد الطفل محمد الدرة قامت الدنيا ولم تقعد, وارتفع حس التعاطف مع الشعب الفلسطيني ونضاله المشروع الى مستوى متميز (قارب الأربعين في المئة في بعض العواصم الأوروبية كما أشار غير استطلاع للرأي أجري وقتئذٍ) ما اضطر بعض وسائل الإعلام الصهيونية الى نشر صور مضللة على أكثر من موقع في شبكة الإنترنت تظهر الشهيد الدرة مرتدياً قلنسوة يهودية في محاولة لقلب الحقائق وتجيير ما تراكم من تعاطف مع الفلسطينيين لمصلحة إسرائيل. وللأسف, استكملت هذه المهمة بأول عملية انتحارية طاولت مدنيين اسرائيليين ونجاح وسائل الإعلام الغربية المحابية للصهيونية في توظيف صور الضحايا بما يثير الشفقة على "شعب الهولوكست المنكوب". هكذا ذهبت جريمة قتل الطفل الفلسطيني الأعزل أدراج الرياح وضاعت إحدى الفرص الثمينة لتوظيف ما تراكم من تعاطف شعبي أوروبي وأميركي مع آلام الشعب الفلسطيني من أجل نصرة قضيته وحقوقه المشروعة.

حكايتنا مع الرأي العام العالمي حديثة العهد فرضها انهيار قواعد الحرب الباردة. فقد كان أصحاب المشروعية الوطنية أو الثورية أو الدينية, وهذه الأخيرة لا تزال حاضرة بقوة الى اليوم, يزدرون الرأي العام ويسخرون من جدوى تضامن الشعوب الغربية مع قضايانا, بل يهزأون من المؤسسات الصهيونية وهي تبذل جهوداً مضنية لكسب الشارع الغربي واستجرار المساعدات والمنح, ويجدون من المعيب على "أهدافنا النبيلة" أن تثير شفقة الآخرين أو تسعى الى كسب ودّهم وتعاطفهم. وكانوا يركنون الى مقولة شاعت بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967 بأن الاستقواء بالرأي العام العالمي سلاح الضعفاء, وطبعاً هم يأنفون رغم هزائمهم المريرة أن يُصنّفوا بين الضعفاء والمغلوبين!

يبدو أن النظرة السابقة قد تغيرت اليوم ولو جزئياً مع زوال الحليف السوفياتي واختلال توازن القوى, وتحت ضغط الحاجة الى حلفاء جدد محتملين على الصعيد الدولي, أقلهم تطلباً وأكثرهم نظافة هو الرأي العام العالمي: به نستطيع تثقيل كفتنا ولجم اندفاعات أعدائنا.

في ما مضى كان تفكيرنا السياسي يسخر من أية خصومة أو خلاف في بيت العدو, نعتبر الأمر مجرد لعبة أو مسرحية لتبادل الأدوار, لكن ثمة من ينتعش اليوم لسماع خبر عن خلاف أو فضيحة, أو لرصد صراع سياسي في صفوف الخصم مشفوعاً بأمل أن يطاح الأسوأ ويأتي الأقل سوءاً. وبتّ تسمع الآن من يجاهر برغبته في أن تُسقط اتهامات الفساد حكومة شارون الدموية, أو أن تتفاعل فضائح التعذيب في سجن أبو غريب وتتطور سياسياً علّها تطيح جورج بوش وثلة المحافظين الجدد مثلما فعلت فضيحتا ووتر غيت وإيران كونترا. وبينما يحظى الرأي العام العالمي بمزيد من الاهتمام ويبعث دوره بعض الأمل في زمن التردي, فإنه لا يزال محط إهمال وازدراء عند فئة وفية لطرائق التفكير القديمة, لا يهمها رأي الناس أو دورهم, مصابة بهوس العنف وعمى الألوان, تجد كل ما في بيت الخصم سواء, يهود أو صليبيون, يحل قتلهم أو إبادتهم, ولا تميز في العدو بين سلطة من نخب مالية وعسكرية تحركها مطامعها وشعوب تشاطرنا العديد من القيم الإنسانية وتتمتع بحقوق سياسية يمكن أن تقرر الكثير في بلدان تستند الى إرادة الناخب في اختيار حكامها ورسم طابع سياساتها, شعوب لعبت دوراً مهماً في نصرة قضايا الجزائر وفيتنام وأنغولا وجنوب أفريقيا, وأيضاً لبنان.

في لبنان يخطىء من يقرأ درس تحرير الجنوب من وجه واحد, وجه العنف وفعل استخدام القوة للنيل من العدو وتكبيده الخسائر, مهملاً الوجه الأهم, الرأي العام الإسرائيلي ودوره الضاغط في تقرير عملية الانسحاب وتسريع وتيرة تنفيذها, ويتفق الكثيرون على أن التزام المقاومة اللبنانية بعمليات نوعية ضد المواقع العسكرية الصهيونية اللحدية المشتركة, فوّت الفرصة على حكام تل أبيب في قطع نمو مزاج عام إسرائيلي بدأ يلتف حول مطلب الخروج من لبنان الى أن صار قوة يُحسب حسابها, الأمر الذي أكره الأحزاب الصهيونية بيمينها ويسارها وخاصة الحزبين الرئيسين, ليكود والعمل, على إدراج مهمة مركزية في برامجها الانتخابية تتعلق بجدولة الانسحاب من الجنوب اللبناني لكسب أصوات الناخبين.

ومن جهة أخرى لعبت أعمال الثأر والتشفي ضد المدنيين الاسرائيليين عكس ما كان يُرتجى منها, وأدت, بغض النظر عن النوايا والدوافع, الى تسييد لغة القتل وإجهاض إمكانية نمو تيارات مؤيدة للحقوق الفلسطينية على الصعيد العالمي عموماً وداخل دولة إسرائيل نفسها, معززة اتجاهات التطرف وموحدة قوى المجتمع الإسرائيلي خلف حكومة شارون الأكثر عنفاً لتوغل كيفما تشاء في الدم الفلسطيني.

من قناة الحقائق السابقة يمكن النظر الى ما يحصل في العراق من تفجير لمقار الأمم المتحدة والصليب الأحمر وقتل الأسرى والتمثيل بجثث الضحايا, وكأن ثمة نية قصدية لمرتكبي هذه الجرائم في تعطيل دور الرأي العام العالمي وتشجيع الشعوب الغربية على احتقار إنساننا وازدراء حقوقنا.

وإذا كان ثمة من يريد هنا استحضار المثال الفيتنامي فالأولى به أن يسلك سلوك الفيتناميين في استنباط وسائل نضال لم تثر اشمئزاز العالم وقرفه, وأن يسعى مثلهم الى كسب معركته في حقل التعاطف الإنساني العالمي أيضاً. فليست الخسائر وحدها ما أكرهت البيت الأبيض على الانسحاب من فيتنام.

لعل قدر المجتمعات الضعيفة أن تلجأ في مقاومة الاحتلال الى وسائل كفيلة بربح المعركة أخلاقياً وإنسانياً, وخاصة لجهة المثابرة على كسب الرأي العام العالمي الى صفها والاستقواء به لتحاصر العدو من الداخل وتكف يده عن استخدام ما يملك من أسلحة القتل والتدمير, فتتمكن في نهاية المطاف من فرض شروط تحررها وانعتاقها.