مؤتمر القمة العربية: التحديات والمخاطر

د. رضوان السيد

 

عندما يُنشَرُ هذا المقال، يكون مؤتمر القمة العربية منعقداً بتونس، حسب آخِر الأنباء والتقديرات. فقد اجتمع وزراء الخارجية العرب الأسبوع الماضي، وتوصلوا إلى ثلاث وثائق أو موضوعاتٍ كبرى: موضوعُ الإصلاح والتغيير في الدول العربية، وموضوعُ إصلاح العمل العربي المشترك بإصلاح الجامعة العربية، وموضوعُ مبادرة السلام العربية، والسياسات العربية في فلسطين والعراق. ويحسُنُ في هذا المجال النظر في المقدّمات التي أدت في السابق رغم التحضير الجيّد إلى تأجيل موعد القمة. وتتصلُ تلك المقدمات مرةً أُخرى بثلاثة أمور: العلاقات بين الدول العربية، وموضوعات الاختلاف، والموقف الدولي المحيط. في الأمر الأول ما كان ظاهراً أنّ هناك خلافاتٍ قويةً بين الدول العربية، كما أنه لم تكن هناك محاور. ومع ذلك فقد تبين عند التأجيل أنّ هناك موقفاً مغاربياً – إذا صحَّ التعبير – يتمايزُ عن موقف أو مواقف المشارقة. والحدُّ الأدنى لذاك الموقف يرى أنّ المشارقة (مصر والسعودية وسوريا على الخصوص) ما نسّقوا مع المغاربة بشكلٍ كافٍ، أو أنهم لم يأبهوا لتوجهات أولئك (وبخاصةٍ تونس والجزائر وليبيا) بشأن الإصلاحات المطروحة على إدارة الجامعة العربية. أما المشارقةُ فقد أظهر اعتذار الأمير عبدالله ابن عبد العزيز، ولي العهد السعودي، عن الحضور، أنّ هناك ما أزعجه في موقف المغاربة. وقد تدخل المصريون لوصل ما انقطع من علائق، وعرضوا أن يستضيفوا القمة، كما عرضوا قبل ذلك وبعده الإصغاءَ لما يريده المغاربةُ والتونسيون.

أما موضوعات الاختلاف، والتي كانت فيما يبدو، سبباً للتمايُز في المواقف، وليس بين المغرب والمشرق فقط؛ فتتناولُ علاقة الجامعة العربية بالدول العربية، كما تتناولُ المسائل المُدْرَجة أو التي ينبغي إدراجُها على جدول أعمال القمة. فقد رأت بعضُ الدول العربية في مقترحات إصلاح الجامعة أو إصلاح عملها ما يمسُّ سيادتها؛ سواءٌ لجهة صلاحيات الأمين العامّ، أو لجهة آلية اتخاذ القرارات. فالجامعةُ ليست اتحاداً، بل هي منظمةٌ للتنسيق بين دولٍ سيادية، ولذا ينبغي الحرصُ على أن لا تتصاعدَ حساسياتٌ لدى بعض الدول المشاركة أنّ المشروع المطروحَ ينتقص من سيادتها أو حريتها لصالح القرارات التي تتخذها الأكثرية، أو لصالح توسيع قدرة الأمين العام للجامعة على الحركة من أجل متابعة تنفيذ القرارات، أو قدرته على القيام بمبادراتٍ تتعلق بفعالية الجامعة ومؤسساتها الفرعية، وتمثيلها للعرب في المحافل الدولية. أما الموضوعاتُ المطروحةُ وقتها فكان من بينها مبادرة الشرق الأوسط الكبير للرئيس بوش، ومدى التجاذُب مع تأييد إدارة بوش للانسحاب الإسرائيلي المنفرد من غزة، وهل يكونُ من المُلائم أن يستمر العربُ في طرح مبادرة السلام رغم الخروج الإسرائيلي والأميركي على كل القرارات الدولية، وتفضيلهما للحرب وسيلةً لإخضاع الفلسطينيين وتصفية قضيتهم.

وبدا الأمر الثالثُ وقتَها: الجو الدولي المحيط، جامعاً ومستقطباً لكلّ الموضوعات الأُخرى. فالولاياتُ المتحدة تحتلُّ العراق، وتنشر جيوشَها وقواعدها في المنطقة، ثم إنها تتدخل في كل تفاصيل العلاقات العربية بما في ذلك قضية الحرب بالسودان، والنزاع على الصحراء الغربية، والجُزُر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران. ولذلك فقد كان من الطبيعي أن تعالج الدول العربية المجتمعة في تونس أحداث فلسطين، ومصائر العراق، والموقف من تدخل الولايات المتحدة لرسْم مستقبل المنطقة من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير. ولذلك فقد كان هناك مَنْ ذهب إلى أنّ تأجيل القمة أو تعطيلها أثّرت فيه الولايات المتحدة لمساس بعض المقترحات بمصالحها، ولأنها أرادت أن يجتمع العربُ بعد قمة الدول الثماني بالولايات المتحدة في شهر يوينو القادم؛ بحيث تأتي القمةُ لتوافقَ على مشروع الشرق الأوسط الكبير، بعد أن يكون الثمانية الكبار قد اتفقوا عليه، وأزالوا التمايُزات بين الموقفين الأوروبي والأميركي. وهكذا فقد كان هناك من ذهب إلى أنّ الأميركيين قد أثّروا في منع عقد القمة، إمّا لأنّ المقترحات من بعض العرب لم تعجبهم أو لأنّهم أرادوا أن تجري الموافقة على مشروع الشرق الأوسط الكبير.

هذا موجَزُ ما قيل أو تردد عن القمة العربية في موعدها السابق. أما اليومَ فما عاد هناك داعٍ لتأجيل عقدها لأي سببٍ أو احتمال. فقد أجمع العربُ في قرارات وزراء الخارجية الجديدة على الإصلاح وعلى وسائله وأدواته. فقد عجزت الأنظمةُ عن حماية الوجود والمصالح بحيث يكاد نظام الدولة ينهار. وما عاد هناك خلافٌ على ضرورات الإصلاح، وعلى فائدته من أجل البقاء. كما أنّ البُعد الجيوستراتيجي: مغرب/مشرق ما عاد بل وما كان سبباً للخلاف. وكذلك البُعدُ الدولي. فقد اجتمع وزراء خارجية الدول الثماني الكبرى إعداداً لعقد قمتها بالولايات المتحدة في شهر يونيو القادم، وبحثوا موضوعات القمة ومن ضمنها التوفيق بين المشروعين الأميركي والأوروبي للإصلاح الشرق أوسطي! وقد توصل المجتمعون (كما قالت الأخبار) لتقاربٍ كبير، كما أنهم (وهذا هو بيت القصيد) قالوا إنهم ينتظرون القمة العربية، والموقف العربي، لكي يستشعروا إرادة العرب الجماعية في الإصلاح فيؤيدونها ويساعدون فيها، لكي لا يقال إنّ العالم الغربي يريد فرض الإصلاح أو الديمقراطية على العرب من الخارج. فإذا كانت العلاقات العربية الداخلية لم تتغير خلال الشهرين الأخيرين. وإذا كانت الموضوعات المطروحة لم تتغير أيضاً؛ فإنّ الموقف الدوليَّ والوضع الإقليميَّ تغيَّرا لجهتين: جهة العراق، وجهة فلسطين. ففي العراق استجدت أحداث الفلّوجة، وتمرد مقتدى الصدر، وأخيراً التعذيب في السجون الأميركية هناك. وفي فلسطين كان الأميركيون ومن ورائهم الأوروبيون قد سلَّموا بخطة شارون للانسحاب المنفرد، ثم تخلَّى عنها وعارضها حزب الليكود، بحيث اضطر شارون نفسه لإعادة النظر فيها. فاسودَّت وجوه الأميركيين، وعاد الأوروبيون للحديث عن خريطة الطريق. وجاء المسؤولون الأميركيون للمنطقة للحديث عن دورٍ أقوى للأمم المتحدة بالعراق، وعن طمأنةٍ للعرب بشأن فلسطين. وهكذا فالجهات الدولية نفسها تنتظر العرب والموقف العربي والرأي العربي، وفي كل الأمور: في العراق، وفي فلسطين، وفي الإصلاح الداخلي العربي، وفي تشكيل مستقبل المنطقة. ولذلك، وسواءٌ أكان ما يقالُ عن الموقف الدولي صحيحاً أو غير صحيح. وسواءٌ أكانت الخلافاتُ العربية حقيقيةً أم شكلية: المطلوب أن يقف العربُ من خلال قمتهم من وراء وجودهم ومصالحهم أو يكونَ الانهيارُ الذي لا مردَّ له.

قبل أيام قال ريتشارد بيرل، أحد صقور المحافظين الجدد:" ما فشلنا نحن الأميركيين؛ بل الآخَرون هم الذين فشلوا". وكان بذلك يعلّق على الكلام الكثير الذي قيل بعد انكشاف فضيحة التعذيب بمعتقل أبو غريب بالعراق. وكلام بيرل سخيفٌ طبعاً، لكنه يدل على مدى التردّي في الوضع العربي؛ إذ بحسب منطقه فإنّ العرب هم الذين أثبتوا عدم تأهُّلهم للديمقراطية التي يريد الأميركيون قَودهم إليها. وقد كان ظن إدارة بوش أنه، وبسبب الضعف العربي، فلن تكونَ لديها متاعب في احتلال العراق، ولن تترتب أية آثارٍ عليها نتيجةَ دعم شارون في استمرار احتلاله لفلسطين، وإرهابه وقتله للفلسطينيين. وقد فشلت التوقعات في الموقعين. وكانت الممانعة العربية الكبيرة من جانب حركتي المقاومة بالبلدين، سبباً في اندفاع الأميركيين ومن ورائهم الأوروبييـن للتغيير باتجاه إنقاذ ما يمكن إنقاذُهُ من مصالحهم بالمنطقة. وهكذا، وبسبب المقاومة العربية، ووصول الإسرائيليين والأميركيين إلى الحائط المسدود، تتجدد إمكانيات وفُرَصُ العرب إذا أقبلوا على الاجتماع وعلى التغيير. فنحن أصحاب المصلحة في الإصلاح وفي التقدم باتجاه المستقبل الواعد، وليس ريتشارد بيرل ولا المحافظون الجدد. إذ إنّ الإصلاح يعدُ بتجديد الشرعية للأنظمة، كما يعدُ بتجدد القدرة على خدمة المصالح الكبرى، وعلى عودة شيء من التواصُل والتلاحُم بين الجمهور والنظام من أجل الاستقرار، ومن أجل علاقاتٍ أُخرى بالذات وفيما بيننا، وبالعالم.

كنا ننتظر القمم العربية بفارغ الصبر، لأننا مع التوحد العربي، والتقدم العربي، والتعاون العربي. أما اليوم فنضع أيدينا على قلوبنا بعد أحداث السنتين الأخيرتين، وتعذر انعقاد القمة في موعدها المقرر من قبل. وأكاد أقولُ إنّ القمة تكون قد حققتْ هدفَها الأهمَّ بمجرد انعقادها، للسببين سالفي الذكر، واللذين تجاوزا في تأثيرهما السلبي نظام الدولة، إلى التشكُّك في الهوية والانتماء العربيين. فليقف العربُ الوقفة التي تنتظـرها شعوبُهم، وينتظرُها العالَمُ منهم، أو يستمرُ التردّي الهائل، والآلام الهائلة التي تشلُّ الأمل بالمستقبل، والأمل في جدوى التفكير فيه.

نذكر عندما بدأت القمم العربية بقمة الإسكندرية عام 1964. وقتَها كان الموضوع فلسطين، وتحويل نهر الأردنّ، والتهديد الآخَر البادئ بتحول الدولة العبرية إلى قوةٍ نووية. وما أمكن عبر قممٍ استمرت متقطعةً لثلاثة عقودٍ ونيّف حلّ مشكلة فلسطين لصالح أبنائها، كما لم يمكن منعُ تحول إسرائيل إلى كيانٍ مدجَّجٍ بأسلحة الدمار الشامل. بل إن تحويل نهر الأردن صار حُلُماً ثم أضغاث أحلام وانتهى الأمر باقتسام مياهه بين الأردنّ وإسرائيل ولغير صالح الأردن. لكنّ القمم العربية حققت إنجازاتٍ كثيرةً حتى في مجال القضية الفلسطينية. أنشأت منظمة التحرير، وفرضت احترام الانتماء العربي عبر تقوية الجامعة العربية، وجعلت العمل المشترك داعية بقاءٍ ومقدمةً لحرب عام 1973 التي أمكن خوضها بالتعاوُن العربي، وأخمدت عدة نزاعاتٍ عربيةٍ من بينها النزاعُ اللبناني، وحصلت على الاستقلال لعدة دولٍ عربية.

لقد صارت القمة مؤسسةً تتوِّج الجامعة. وعجزُها عن حلّ القضية الفلسطينية لا يبعثُ على اليأس. فالمشكلة اليهودية ما استطاعت حلَّها إمبراطورياتٌ قديمةٌ وحديثة وقد وضعوها على عاتق العرب وبخاصة الشعب الفلسطيني. والإنجاز الأكبر أننا لم نستسلم وأن النضال مستمرٌ رغم المذابح والدمار. وقد صار واضحاً للعالم أنه لابد من مشاركة ومعاونة في ذلك. وهناك قضايا أُخرى نعرفُها جميعاً وقد سبق ذكرها، تتصل بالانتماء العربي، والوجود العربي، والتماسُك العربي. ونحن محتاجون إلى القمة وإلى الجامعة من أجلها. فلتبق الجامعةُ، ولتبق قمتُها، لنظلَّ موجودين وإنْ على ضَعف، في عالم التكتلات الكبرى، والتحديات الكبرى.