التغيير في العالم العربي: الشكوك والتحدي

البارونة سايمنز*

تثير مسألة التطوير في العالم العربي مشاعر جمة. فمن جهة، يتم قبول هذا المبدأ بكل نشاط وحماس. ومن جهة أخرى، يتم النظر لهذا المبدأ بشك عميق بل وعداء. ينظر البعض لهذا الموضوع على أنه وسيلة لفرض مجموعة مبادئ على المنطقة، بدل أن ينظروا إليه على أنه وسيلة للعمل جماعة حول العديد من المبادرات الحاصلة فعليا. وينظر إليه آخرون على أنه تشتيت للانتباه بعيدا عن التحدي الرئيس لحل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
لكن، بينما يتطور النقاش فإنني أرى ـ من خلال الأصدقاء العرب العديدين في بريطانيا وفي المنطقة ـ أن هناك إجماعا متناميا على أن التغيير ضروري لضمان استقرار وازدهار دائمين في المنطقة. وما يوازي هذا أهمية هو أن التغيير يجب أن يحدث من داخل المجتمع العربي، وأن يكون مناسبا للتنوع الاقتصادي في دول المنطقة.
ويدرك العديد من زملائي العرب ان الاستقرار والازدهار يتماشيان جنبا إلى جنب مع الحرية والتطور. ويدرك العديدون في المنطقة التحديات الصعبة التي أمامهم. فالنمو الاقتصادي في المنطقة لا يواكب تعداد السكان المتزايد. ففي بعض الدول 60% من السكان هم تحت سن 18 عاما. ومعدلات البطالة بين الشباب تربو على 50%. ويقول البنك الدولي ان على المنطقة أن توفر 100 مليون وظيفة خلال العشرين سنة القادمة لقوى العمل المتزايدة سريعا هذه.
بيد ان الدول تحتاج للاستقرار والأمن لكي تشتد جذور التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وكما قال كل من رئيس الوزراء ووزير الخارجية مرارا: إننا نستنكر العنف والإرهاب الذين هزّا المنطقة حيثما كان مصدرهما. وأدرك بأن التطورات الحاصلة في عملية السلام في الشرق الأوسط وفي العراق قد تسببت بقدر كبير من الاضطراب والغضب في المنطقة.
إن العنف ليس هو السبيل للوصول للسلام. التفاوض هو السبيل لذلك. لهذا السبب نحن عازمون على أن يحكم العراق نفسه بنفسه، وعلى أن يستطيع العراقيون اختيار قادتهم بأنفسهم في أقرب فرصة ممكنة. إننا نبقى على التزامنا بأن نعيد السلطة للعراقيين في 30 يونيو (حزيران) المقبل. وسوف نعمل مع الحكومة العراقية الجديدة لضمان الاستقرار وللتحضير للانتخابات التي سوف تجرى في شهر يناير (كانون الثاني) العام المقبل.
واننا من جهتنا سوف نستمر بالتحقيق في جميع الادعاءات حول إساءة معاملة المعتقلين العراقيين من قبل القوات البريطانية. إن أي سوء معاملة كهذه هي انتهاك لحكم القانون ولحقوق الإنسان العالمية التي نعلق عليها قيما كبيرة. ونعلم بأن الولايات المتحدة تقوم بتحقيقات شاملة مشابهة في حالات من المعاملة غير الإنسانية للسجناء العراقيين، والتي برزت للأضواء. إن أيا من مثل هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان هي محل استنكار. إنها أعمال جنائية. وتبعا لذلك فإن مرتكبي هذه الأعمال سوف يخضعون لإجراءات بموجب القانون الجنائي. إنهم يجلبون العار لآلاف من الأفراد العسكريين الذين أتوا من 30 دولة ضمن القوات متعددة الجنسيات في العراق، والذين هم ملتزمون بإرساء الأمن بين شعب العراق وبإعادة إعمار بلدهم الممزق.
كما أننا مصممون على إحراز تقدم في عملية السلام بالشرق الأوسط. هدفنا هو التوصل لحل عادل وشامل يوافق عليه كلا الطرفين تماشيا مع القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن. وكما قال رئيس الوزراء اخيرا: سوف يعم السلام الوحيد الدائم بوجود دولتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمان. ويسرني أن أرى المشاركة مجددا من قبل اللجنة الرباعية ضمن جهد عالمي يتطلع الى المستقبل بالعودة للعمل ضمن خارطة الطريق. وسوف تبذل المملكة المتحدة كل ما في وسعها للمساعدة في هذه الجهود، كما سنبذل كل ما في وسعنا لتشجيع الآخرين على أن يحذوا حذونا.
كما سندعم جهود التطور والتحديث في جميع أنحاء العالم العربي. كل دولة في المنطقة لديها احتياجات مختلفة، وسوف تتبع طريقها الخاص نحو التطوير. نريد أن نشارك الآخرين بخبراتنا في التغيير. لقد خضعت المملكة المتحدة لفترة طويلة من الإصلاح الاقتصادي، نجم عنها أطول مدة من التوسع الاقتصادي غير المنقطع في تاريخها. لكن هناك دائما تحديات جديدة نواجهها. فالاتصالات العالمية والتكنولوجيا الحديثة تعني أن علينا أن نعمل بجد أكبر لكي نبقى منافسين ونلبي التوقعات المتزايدة لتوفير خدمات عامة محسنة لمواطنينا. إننا نعمل عن قرب مع شركائنا في الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بجميع هذه المواضيع.
إن لدى الاتحاد الأوروبي الكثير من الخبرة والدعم ليقدمه لمنطقة الشرق الأوسط، خصوصا من خلال آليات كعملية برشلونة (اليوروميد).
يسعدني أنني سأشارك في مؤتمر يعقد خلال الأسبوع الجاري، بتمويل مشترك من قبل الحكومة المغربية والمملكة المتحدة، حول التعامل مع العواقب الاجتماعية للإصلاح الاقتصادي. ويسعى المؤتمر لتحديد تأثير التغيير على مختلف قطاعات المجتمع، واقتراح سبل يمكن من خلالها إدارة التطوير والتحديث لكي يستفيد منها الجميع.
بالطبع، نحن ندرك ان التغيير يمكن ان يكون عملية مؤلمة، لكن من دونه تبدأ خيبة الأمل السياسية والركود الإقتصادي. يؤدي ذلك في كثير من الأحيان للإحباط والرفض، وفي أسوأ الحالات، للعنف والتشدد. لقد أصابت آفة العنف المنطقة لفترة طويلة كثيرا. نريد أن نتحرك نحو الأمام لضمان أن باستطاعة الثقافة والتقاليد الغنية في المنطقة أن تزدهر وتساهم في التقدم الحاصل في العالم.
تقف المملكة المتحدة، وكذلك الإتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي، على أهبة الاستعداد للمساعدة. فكلنا نريد أن نرى المنطقة أكثر ازدهارا وأمنا ونشاطا. منطقة تكون فيها الشعوب واثقة بأن مستقبلها يحمل بين طياته فرص العمل والأمن لأسرها. منطقة يساهم فيها الانتقال الحر للأفكار والآراء في تطوير كل من دولها.
وفي هذا السياق، يبقى القول إن التحدي يكمن في أن تضع حكومات المنطقة جدول أعمال يتم بموجبه اتخاذ إجراءات تحقق هذه الأهداف. وبشكل مواز، أن يتجاوب المجتمع الدولي إيجابيا لاحتياجات المنطقة. لقد حان أوان التغلب على الشك والعداء والبدء بالعمل الجاد للتوصل الى المستقبل الذي نريد جميعا أن نشهده.


* الوزيرة البريطانية المسؤولة عن شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية والكومنويلث وتشارك في مؤتمر الشراكة اليورومتوسطية (اليوروميد) في مراكش اليوم
المقال خاص بـ «الشرق الأوسط»