الإصلاح الشامل قرارات فوقية أم عملية مجتمعية؟

السيد يسين

 

أصبحت كلمة الإصلاح الآن تتردد في كل موضع، سواء على المستوى المحلي أو على الصعيد القطري أو في المنتديات الدولية.
وتعددت الخطابات التي تتناول قضية الإصلاح، فهناك الخطابات الرسمية التي تصدر عن الحكومات العربية على اختلافها، والتي تحذر من فرض الإصلاح من الخارج، على أساس أنها ستتناوله بعنايتها بطريقتها ومن الداخل، مراعاة للخصوصيات الثقافية، واحتراما للإيقاع التدريجي خوفا من انقلاب الأوضاع السائدة. وبالإضافة إلى ذلك هناك الخطابات التي تصدر عن مؤسسات المجتمع المدني على تنوعها. فالأحزاب السياسية في البلاد التي تطبق التعددية السياسية مطلقة كانت أو مقيدة، تنادي منذ زمن بالإصلاح السياسي الذي يهدف إلي إلغاء كافة القوانين والإجراءات الاستثنائية، وبرفع القيود المفروضة من الحكومات على حريات التنظيم والتعبير والتفكير. بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني الأخرى كالنقابات المهنية والعمليات والجمعيات غير الحكومية، ولا ننسى في هذا المجال أصوات المثقفين المرتفعة، والذين يدعون إلى إلغاء الحواجز والقيود التي تحول دون اندفاع المجتمعات في طريق الديمقراطية، والتي ينبغي أن تكون في تصورهم بلا ضفاف!

ويبقى خطاب القوة المهيمنة العظمى ونقصد الولايات المتحدة الأميركية، والتي أطلقت منذ حين مبادرتها الشهيرة عن "الشرق الأوسط الكبير"، والتي تتضمن مطالب بالغة العمومية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتطوير الاجتماعي، قررت أن تنقلها إلى اجتماع الدول الثماني الكبرى، حتى تضمن موافقتها على خطوطها العريضة. وإن كانت الدول الأوروبية - استفادة من علاقاتها الوثيقة مع العالم العربي - لها أجندة مختلفة من حيث الأهداف والأساليب، وخصوصا في ربطها بين فعالية الإصلاح المطلوب وحل مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي الذي تجاهلته تماما المبادرة الأميركية، بالإضافة إلى مشكلة الاحتلال الأميركي غير الشرعي للعراق، وما ترتب عليه من كوارث سياسية ومشكلات اقتصادية ومآسٍ اجتماعية.

والواقع أن ترديد كلمة الإصلاح بغير ردها إلى أصولها النظرية، وإلي ممارستها التاريخية في العالم وفي الوطن العربي، يجعل الكلمة تستخدم بمعان متعددة، وبطريقة يشوبها الغموض. والواقع أن القرن العشرين شهد صراعا عنيفا على مستوى النظرية والتطبيق بين استراتيجيتين للتغيير الاجتماعي، الإصلاح والثورة.

أما استراتيجية الإصلاح فقد نادي بها أنصار النظام الرأسمالي الوليد الذي بدأت ملامحه تتشكل مع بدايات القرن التاسع عشر، وبدأت سلبياته تظهر مع التطبيق المطرد، مما دعا أنصاره إلي إصلاحه بدلا من الثورة عليه لتغييره.

ولكن أنصار استراتيجية الثورة وعلى رأسهم المفكرون الماركسيون ومن أبرزهم بالطبع كارل ماركس وإنجلز، قرروا أن الإصلاح النظام الرأسمالي لا يجدي، وأنه من الضروري إجراء انقلاب كامل عليه، وتغييره جوهريا وتأسيس نظام اشتراكي محله.

وهكذا دار الصراع طويلاً ومحتدما بين أنصار الإصلاح والثورة، وقامت الثورة البلشفية الكبرى في روسيا عام 1917 بزعامة لينين - على غير توقع وانتظار - باعتبارها في ذلك الحين أكثر البلدان الأوروبية تخلفا، ثم قامت من بعد الثورة الصينية عام 1949 بزعامة ماوتسي تونج. وأصبحت كل من الثورتين الروسية والصينية نمذوجاً بارزاً للتغيير الاجتماعي عن طريق الثورة.

أما الدول الأوروبية الأخرى فآثرت - استنادا إلى نظريات قادة علم الاجتماع البارزين، وهم دوركايم الفرنسي وماكس فيبر الألماني وباريتو الإيطالي- اتباع طريق الإصلاح للتغيير الاجتماعي. ولاشك أن ألمانيا كانت الدولة الرائدة في الإصلاح الاجتماعي، لأنها استطاعت من خلال المبادرة التاريخية التي قام بما بسمارك مستشار ألمانيا، والذي صاغ عددا من التشريعات الاجتماعية التقدمية ليقضي على ظاهرة الصراع الطبقي بين الرأسماليين والعمال. وتطورت هذه التشريعات من بعد في دول أوروبية أخري بعد أربعين عاما من صدور التشريعات الألمانية، لتأسيس ما أطلق عليه "دولة الرعاية الاجتماعية" التي تحاول التخفيف من سلبيات النظام الرأسمالي.

والصراع نفسه بين استراتيجيتي الإصلاح والثورة دار في عديد من بلدان الوطن العربي مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا، والتي لم تقنع فيها بعض الطلائع السياسية باستراتيجية الإصلاح الاجتماعي التدريجي، وآثرت أن تطبق طريق الثورة، وهكذا قامت انقلابات متعددة في مصر وسوريا والعراق وليبيا، تحول بعضها إلى ثورات حقيقية لها برامج سياسية واجتماعية وتنموية واضحة، وبقي بعضها الآخر على مستوى الانقلاب الذي يتلوه انقلاب آخر، إلى أن استقرت الأوضاع في سوريا والعراق لحزب البعث العربي، الذي سرعان ما قضى على كل مظاهر التعددية ومارس حكماً شمولياً شاملاً، وانتهت المسألة بصراع دموي بين حزب البعث العراقي وحزب البعث السوري. أما الانقلاب الليبي فالبرغم من أنه تسمى باسم الثورة، إلا أنه في الواقع لم يتخط كونه انقلابا مستمرا، ويشهد على ذلك انقلاب النظام الليبي الأخير على كل قناعاته السابقة السياسية والاقتصادية.

وهكذا حين نستخدم في الوقت الراهن مفهوم "الإصلاح" فلابد أن نستحضر أولا الخبرة الأوروبية والخبرة العربية، وأن ندرك أن الإصلاح في حقيقته هو محاولة للتغيير الاجتماعي المخطط
Planned social change ، وذلك إذا أردنا أن نستخدم مصطلحات علم الاجتماع المعاصر.

غير أن استحضار تحليل التراث النظري واستحضار الخبرة التاريخية لا يكفى، ذلك أنه لابد حتى يكون الإصلاح رشيداً أن نسأل منذ البداية: إصلاحٌ، ولكن وفقا لأية رؤية؟

ولو اعتمدنا على التراث النظري المعاصر في مجال التنمية المستدامة لاكتشفنا أن هناك مفهوما محوريا أصبح يشيع استخدامه في الوقت الراهن وهو مفهوم "الرؤية الاستراتيجية" ويُعنى بها مجموعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لحكومة ما في الربع قرن القادم.

وهذه الرؤية الاستراتيجية ينبغي أولا أن تنطلق من مفهوم التنمية المستدامة، ويجب ألا تنفرد أي نخبة سياسية حاكمة بوضعها، ذلك أن الرؤية الاستراتيجية - بالتعريف الذي قدمناه- ينبغي أن تكون صياغتها عملية مجتمعية شاملة تشارك في وضعها السلطة والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة.

وهذه الرؤية الاستراتيجية ينبغي أن تنقل للجماهير العريضة من خلال وسائل الاتصال العصرية، حتى تتضح أهداف التنمية وأساليبها، ويتم حشد الجهود المختلفة لتحقيقها، في إطار من الديمقراطية الكاملة والشفافية المطلقة، والمحاسبة، والتقييم المستمر.

غير أن مفهوم "الرؤية الاستراتيجية" بالرغم من صلاحيته وفعاليته كأساس لتوجيه عمليات الإصلاح، أو لنقل بمعنى أدق عملية التغيير الاجتماعي المخطط، إلا أنه لن يحل مشكلة ضرورة الاختيار الإيديولوجي الرشيد بين توجهات إيديولوجية متصارعة، ومتباينة في أهدافها ووسائلها. وإذا كان صحيحا ما ذهبت إليه حركة "ما بعد الحداثة" من أن القرن العشرين شهد سقوط المذاهب أو الإيديولوجيات الكبرى كالماركسية الجامدة أو حتى الرأسمالية المتطرفة، والتي زعمت أن لديها الحلول لكل مشكلات البشر، والبلسم الشافي لكل أمراض المجتمع، إلا أنه يبقى أن الدرس الأكبر الذي يمكن أن نستخلصه من خبرة القرن العشرين، هو أنه ليست هناك أية إيديولوجية كبرى من تلك التي شهد ممارستها القرن العشرون تتسم بالاكتمال. فالماركسية التي تصدت لحل مشكلات العدل الاجتماعي جارت على الحقوق السياسية للشعوب، وأقامت نظما سياسية شمولية مارست القهر العنيف على الجماهير باسم الثورة. والرأسمالية التي تصدت لمشكلة النمو الاقتصادي جارت على الحقوق الاجتماعية للشعوب، وأغفلت - في سياق نهم الشركات الرأسمالية الكبرى لتراكم الأرباح - تحقيق بعد العدالة الاجتماعية، ومن هنا نشأت ظاهرة الطبقات الاجتماعية المستبعدة والمهمشة في قلب مراكز العالم الرأسمالي المتقدم، بل إن ظاهرة الفقر الشديد أصبحت ملحوظة في عديد من الأحياء الشعبية في العواصم الغربية الكبرى.

ولعل كل هذه التطورات هي التي دفعت بالفلاسفة والسياسيين لالتماس حلول أخرى أكثر كفاءة لحل مشكلة الوضع الإنساني المتدهور على مستوى العالم.

في المجال النظري ظهرت في العقود الأخيرة إبداعات فلسفية كبرى لعل أهمها على الإطلاق "نظرية عن العدل" التي صاغها فيلسوف جامعة هارفارد "جون رولز". هذه النظرية استوعبت باقتدار النقد الماركسي التقليدي للرأسمالية المتطرفة في كونها استبعدت بعد العدل الاجتماعي في تركيزها المحموم على النمو الاقتصادي المتصاعد، وعلى التراكم الرأسمالي اللامحدود. وهكذا قرر "جون رولز" بكل جلاء ووضوح، ولأول مرة في تاريخ الفكر الليبرالي، أن هناك مبدءين للعدل: الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.

ويشاء جدل التاريخ أن تنتقل هذه النظرية إلى عالم السياسة المعقد الزاخر بالتيارات المتلاطمة والمنافسات المحمومة بين العقائد والأفكار المتضاربة، فتنشأ حركة "الطريق الثالث". وهذه الحركة السياسية - لأنها ليست في الواقع إيديولوجية مكتملة - تهدف إلي الجمع في تركيب واحد بين ديناميكية الرأسمالية، من حيث حفز الدافع الخاص وتنميته وتشجيعه على الإسهام بفعالية في جهود التنمية المستدامة، وتحقيق بعد العدالة الاجتماعية في الوقت نفسه، من خلال شبكة متكاملة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

وهكذا يمكن القول: إصلاح نعم، ولكن وفقاً لأية رؤية استراتيجية؟ بعبارة أخرى نحن في حاجة إلى رؤية استراتيجية متكاملة، تقوم على دعائم ثلاثة، الحرية السياسية والعدل الاجتماعي، والانفتاح الثقافي على العالم.

نحن نعيش في عصر العولمة والتكتلات الإقليمية وحوار الثقافات، ولابد للرؤية الاستراتيجية التي توجه عملية التغيير الاجتماعي المخطط، أن تضع في اعتبارها التغيرات الكبرى التي لحقت ببنية المجتمع العالمي.