بذرة فضيحة حقوق الإنسان في العراق

 

جيمي كارتر

 

الأتحاد

 

ضمانا لعدم وقوع الولايات المتحدة الأميركية في المزيد من الإحراجات السياسية ذات الصلة بانتهاكات حقوق الإنسان، فإنه يتحتم علينا أن نفحص جيدا ونمعن النظر في مجمل السياسات الأميركية في مستوياتها الرأسية والأفقية المعروفة، التي قللت من التزامنا تجاه حقوق الإنسان الأساسية. ففي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر مباشرة، كان الكثير من الأميركيين المأخوذين بهول الصدمة ورعب الكارثة، قد وافقوا على السياسات الجديدة التي أعلنتها واشنطن، وهم مطمئنون وعلى ثقة من أن بلادهم ستواصل احترامها للمعاهدات والاتفاقات الدولية، ولمعايير صيانة حقوق الإنسان.
لكن ما حدث على أرض الواقع، هو أن المدافعين عن حقوق الإنسان في مختلف الدول والشعوب، كانوا أول من لاحظ وشعر بعواقب وتبعات هذه التغييرات. وسرعان ما شرعت منظمات العمل الإنساني الدولي، في التعبير عن بالغ قلقها إزاء التداعيات الخطيرة للسياسات الأميركية الجديدة المعلنة، وما صحبها من نشر لتقارير عن الانتهاكات الفعلية التي حدثت مؤخرا. وقد كان هذا التعبير موجها إلى المنظمات الدولية الشبيهة، بقدر ما كان موجها للمستويات العليا والرفيعة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، وكذلك الحكومة الأميركية نفسها.

وكانت بعض التوصيات التي قدمتها المنظمات المذكورة، محددة وواضحة جدا. من ذلك المطالبة مثلا، بأن تخضع منشآت الاعتقال والسجون الأميركية في الخارج، لمراقبة جهات محايدة ومستقلة، إضافة إلى ضرورة تقييد المنشآت إياها، تقييدا صارما بموجهات اتفاقيات جنيف في هذا الشأن. واتسمت بعض التوصيات الأخرى بطابع أكثر عمومية، تناول الأثر السالب للسياسات المعنية، على المدافعين عن الحرية وحقوق الإنسان على نطاق العالم بأسره. والمؤسف أنه تم تجاهل معظم القلق والمخاوف اللذين جرى التعبير عنهما، حتى لحظة نشر صور التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان التي جرت في العراق. وقد أتاحت هذه الصور الفرصة للأميركيين أخيرا، كي يشاهدوا بعيونهم، جانبا من تداعيات ونتائج السياسات التي تنتهجها حكومة بلادهم. وقد جاءت هذه المشاهدة مرئية، وفي تجلياتها المصورة، للبعد الإنساني لتلك الممارسات.

هذا ولم تقتصر المخاوف التي أبدتها المنظمات الدولية على ما يحدث خارج الولايات المتحدة فحسب. بل شملت ما يجري داخل البلاد أيضا. من ذلك مثلا، أبدت المنظمات الدولية قلقا إزاء الآتي داخليا وخارجيا:

أولا: طول أمد الاعتقال التحفظي لعدد من المشتبه فيهم، ممن ينتمون إلى أصول شرق أوسطية داخل الولايات المتحدة الأميركية. وأعربت المنظمات عن بالغ قلقها إزاء استمرار حرمان هؤلاء من حق الاستشارة القانونية، ومقابلة أسرهم، علاوة على عدم توجيه أية اتهامات محددة لهم بارتكاب جريمة ما.

ثانيا: أعربت المنظمات الدولية أيضا عن قلقها إزاء وضع المعتقلين من المدنيين والعسكريين في معتقل جوانتانامو الكوبي، دون أن تتوفر لهم حقوق الاستشارة القانونية، أو أن توجه لهم تهم بعينها في جرائم محددة. ومما يثير القلق أن رامسفيلد وزير الدفاع، أعلن أنه في الإمكان الاستمرار في احتجاز هؤلاء إلى أجل غير مسمى، حتى وإن جرت محاكمتهم وثبتت براءتهم! إلى ذلك أعربت المنظمات عن قلقها إزاء ما ورد على لسان رامسفيلد أيضا- في مقام الحديث عن السياسات الأميركية الرسمية المعلنة- عن أن القيود المنصوص عليها في اتفاقيات ومعاهدات جنيف، فيما يخص الأسرى والسجناء، لا تنطبق على سير التحقيقات مع السجناء المشتبه في تورطهم بأنشطة وعمليات إرهابية. كانت تلك هي النقطة الثالثة في التعبير عن القلق العالمي إزاء السياسات الجديدة التي تنتهجها واشنطن الآن.

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى المحطة الرابعة من القلق العالمي. وتتعلق هذه بالشكاوى المنتظمة المستمرة، التي رفعتها منظمة الصليب الأحمر الدولية حول إساءة معاملة السجناء في عدد من السجون الأميركية بالخارج. وهنا تكتمل مشاعر القلق بإضافة النقطة الخامسة المتصلة بما ينشر ويذاع عبر وسائل إعلامية موثوق بها، حول إرسال بعض الإرهابيين المشتبه بتورطهم، إلى عدة دول شرق أوسطية مثل سوريا ومصر والمملكة العربية السعودية وغيرها، حيث تشيع وتقبل فيها ممارسات التعذيب، باعتبارها وسيلة عادية ومألوفة لاستنطاق السجناء واستخلاص الاعترافات وكل المعلومات المطلوبة منهم.

ومن الطبيعي إذاً، أن تكون لكل هذه القرارات والسياسات الأميركية، تأثيراتها المباشرة على الساحة الدولية. فاستجابة للمطالب العاجلة الملحة التي تقدم بها المدافعون عن حقوق الإنسان من عدة بلدان ودول، كنت قد اتفقت أنا والراحل سيرجيو فييرا دي ميلو المفوض السامي عن الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، على أنه سيكون من الأجدى والأفضل، أن نستمع مباشرة لإفادات مجموعة ممثلة لهؤلاء المدافعين عن حقوق الإنسان. لكن وعلى إثر المصرع المفجع للمفوض السامي للأمم المتحدة عن حقوق الإنسان في العراق، خلال شهر أغسطس الماضي، لجأ الأمين العام للمنظمة الدولية، كوفي عنان، إلى تعيين برتراند رامشاران شريكا لكرسي كارتر في هذا الشأن. وفي شهر نوفمبر من العام الماضي 2003، تمكن مركز كارتر من عقد اجتماع لعدد من قادة حقوق الإنسان والديمقراطية القادمين من 41 دولة مختلفة.

علمنا من هؤلاء الناشطين المعادين للعنف، أن السياسات الأميركية الرسمية المعلنة، تصدر ترخيصا رسميا، يجيز للحكومات والأنظمة الضالعة في انتهاك حقوق الإنسان، مواصلة السير قدما في هذا الطريق المشين. بل قال مندوبو حقوق الإنسان إن هذا الإجراء يشمل حث بعض الأنظمة الديمقراطية الراسخة، على مصادرة حق الخلاف المشروع. وبذلك تكون الولايات المتحدة قد أسهمت على المستوى الرسمي، في إدارة عجلة التاريخ إلى الوراء، ودفع عدة دول وشعوب إلى طريق الارتداد عن مسيرة عدة عقود من الزمان، باتجاه التقدم والحرية. النتيجة الطبيعية، أن واشنطن قد أوعزت للكثير من القادة بالارتداد والنكوص عن التزاماتهم الثابتة الراسخة فيما يتصل باحترام حقوق الإنسان.

أما الانعكاسات اليومية الملموسة للسياسات إياها في الدول المعنية، فقد تمثلت في دمغ أعداد كبيرة من المهنيين: أطباء ومحامين، أساتذة جامعات وصحفيين وغيرهم، بتهمة الإرهاب، لا لشيء جنوه سوى أدائهم لواجباتهم المهنية، أو انتقادهم للسياسات التي تتبناها حكوماتهم. ومما يثير الحفيظة والقلق حقا، أن الولايات المتحدة قد دفعت الخطى حثيثا في بعض البلدان، باتجاه تبني تشريعات وقوانين قمعية، استلهمت نصوصها وروحها من القانون الأميركي المعروف "قانون الوطني" وهو التشريع الذي لا يأبه كثيرا للمبادئ الديمقراطية، ولا لحكم القانون. وعلى مستوى الولايات المتحدة الأميركية، فقد جرى التصدي لبعض القوانين التعسفية على هذه الشاكلة، من قبل الكونجرس والمحاكم الفيدرالية. غير أنه يستحيل التصدي لمثل هذه السياسات والقوانين، في بلدان أخرى، لم ترق فيها الأجهزة التشريعية والقضائية إلى المستوى الذي يمكنها من حفظ التوازن والعدل كما ينبغي.

وقتها كنا قد قررنا أن نشارك وسائل الصحافة والإعلام وبعض المسؤولين الرسميين في تداول هذه المعلومات المزعجة. وعلاوة على عقد جلسة مناقشات مائدة مستديرة، استمرت لمدة ساعة كاملة أمام كاميرات شبكة سي إن إن، قدم مندوبون من عدة دول ومنظمات، شملت المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في كل من منظمتي هيومان رايتس ووتش وهيومان رايتس فيرست- كانت تسمى سابقا لجنة المحامين لحقوق الإنسان- ثم مركز كارتر، إضافة إلى مندوبين وممثلين عن كل من مصر، وكينيا ولييبريا، قدم هؤلاء جميعا إلى واشنطن، واجتمعوا بكل من بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع، وباولا دوبريانسكي وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للشؤون الدولية. وكذلك اجتمع المندوبون بعدد من القادة القانونيين والتشريعيين. كما شاركوا في منتدى عقد في قاعات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى جانب لقائهم بصحفيين ومحررين من صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست.

يذكر أن المسؤولين المشار إليهم آنفا، كانوا قد أنصتوا جيدا لكل ما قيل، ووعدوا بفعل ما من شأنه التخفيف من وطأة وحدة المشكلة. لكن وكما تكشف لاحقا من تطورات الأحداث، فالظاهر أنه لم يحدث أي تقدم يذكر في المستويات العليا من الهرم القيادي والإداري الأميركي، فيما طرح من قضايا، وأثير من مشكلات.

وإن كنا نبغي إشاعة الأمن والحرية فعلا في عالمنا المعاصر، فإنه لا مناص من إجراء إصلاحات ملحة وعاجلة هنا داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها على حد سواء. وتشمل هذه الإصلاحات، فرض قيود على الصلاحيات المفرطة التي تتمتع بها الحكومات- أينما وجدت- في إحصاء أنفاس الناس وممارسة الرقابة عليهم. كما تشمل الإصلاحات أيضا، التأكيد على حق الجمهور في الحصول على المعلومات، ومراجعة الجوانب القضائية والتشريعية المتعلقة بحالات الاعتقال وغيرها من المسائل التنفيذية. وفوق ذلك وقبله، لابد لنا من الالتزام الصارم بالمعايير الدولية السارية في مجالي القانون وتحقيق العدل. ختاما: كيف للولايات المتحدة أن تقوم بهذا الدور، ما لم تستعد وجهها القديم المألوف، باعتبارها صرحا شامخا للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"