مرة أخرى حول حوار الثقافات ...عزمي بشارة .. الحياة

رفضت الولايات المتحدة التوقيع على معاهدة اقامة محكمة دولية تحكم في جرائم الحرب وانضمت اليها اسرائيل، أو العكس. فكلتاهما تعتقد بأنها فوق القانون. والأخيرة لا تكتفي برفض العقاب القانوني بل ترى ان من حق جنودها ان يُغِيروا ويحتلوا ويقتلوا دون ان يُقتَلوا ولا حتى في ساحة القتال. وتضرب الولايات المتحدة بالقانون الدولي عرض الحائط عندما يتعلق الامر بمعاملة المعتقلين من أسرى الحرب، وما داموا في قبضتها فهم في بلاد منزوعة القانون. التفرد والاحادية الاميركية وسلوك «الكاوبوي» او «ديرتي هاري» الذي ينفذ المهمات بطريقته، ويترك الحكم على الفعل للنتائج لا للأخلاق والقوانين، والاحساس الاميركي ان الولايات المتحدة ليست مسؤولة امام احد، لا تقدم تقريراً لأحد، ولا تتم مساءلتها دولياً هي القضايا التي تثيرها فضائح سجن «ابو غريب» العجيب والتي تجعل الانحراف وسوء المعاملة تعذيبا وممارسة استعمارية عنصرية وخرقا للمواثيق الدولية.

وتعزية النفس بالمساءلة الاميركية الذاتية لا تكفي. فالادعاء ان أميركا ديموقراطية ويسود فيها في النهاية حكم القانون على الاقل عقيم كعقم تحكيم الديموقراطية الاسرائيلية، بما فيها محكمتها العليا، في سلوك دولة لا تقبل بسريان مفعول معاهدة جنيف على الاراضي التي تحتلها. وما يبدأ كسلوك بربري ينتهي كتفوق أخلاقي وكمعاناة نفسية وألم ثقافي وغيره في مجتمع الاحتلال الذي يستهلك كل شيء، ولا ينجو من ثقافته الاستهلاكية أي شيء، بما في ذلك الفضائح. ولا يجوز لعاقل الاكتفاء بالتسريب الاميركي لوسائل الاعلام والذي جعله رامسفيلد موضوع مفاخرة، ولا بالجنود الذين تقدموا بشكوى، وبتعبير رامسفيلد عن اشمئزازه من هذه الافعال أمام لجنة كونغرس ومحاكمة ستة جنود محاكمة عسكرية واعتذار بوش. لا يجوز الاكتفاء بهذا كله لأن الوحدانية الاميركية والغطرسة والشعور الامبراطوري تضاف اليها عملية تقمص دور اميركا من الذي يلبس زيها الرسمي في زمن الحروب تولد مثل هذا السلوك السادي في السجن. ولدي انطباع قوي لا استطيع له اثباتا انه لو اقتصر الامر على التعذيب الجسدي والعنف لتمكن الساسة ومستشاروهم وصحافيوهم من «لملمة الطابق»، ولكن لسبب ما تنعقد ألسنة السياسيين امام الفضيحة الاخلاقية، انهم يتلعثمون يصعقون ويعتذرون. لا تقتصر الزعزعة النفسية من هذه الصور على العرب والمسلمين، والارتباك والحرج الاميركي أوضح من الصور ذاتها. ولنذكر لقد قتل احد المعتقلين متأثرا بجراحه التي سببها نهش الكلاب. وقتل آخر من الضرب ولكن ما اثار الضجة الكبرى هو الصور المشينة. وما رأينا هو فقط ما شاهدنا، وهنالك كما يبدو الكثير الكثير مما لم نشاهده. (ملاحظة: لا ينقصنا صور اغتصاب وتعذيب بشعة ليبتدع البعض صورا مزورة كأنه لا يكتمل لنا أمر من دون اضافة ابداعية يقوم بها افراد يتلهون باثارة حنقنا، اضافة لا تزيد بل تنقص. وكأن الأمر لا يتم من دون بورنوغرافيا. هنالك كما يبدو، غير المنحرفين الاميركان، منحرفون يستمتعون بصور التعذيب أيضا).

واذا كانت اميركا غير مسؤولة امام احد ولا تقدم حساباً لاحد يتقمص كل جندي من جنودها هذه الحصانة والمناعة. واذا كان هذا الجندي حثالة بشرية، او مجرد حالة وسطية معــرضة للدعاية العنصرية وكره العرب والمسلمين، واذا كان الضابط يشجعه، واذا كان جهاز الاستخبارات غاطسا حتى اذنيه في محاسبة الذات على عدم استخدام التعذيب والعـــــــــنف الجسدي والتصـــــفيات بشكل كاف قبل 11 ايلول (سبتمبر) اياه، فإن النتيجة هي ما رأينا في سجن «ابو غريب» العجيب. وتستمر مرحلة جلد الـــذات امـــيركيا على عدم استخدام العنف بشكل كاف ولوم الذات على عدم اطلاق يد الاستخبارات الاميركية بشــــــكل كاف قبل عمليات 11 ايلول حتى اليوم في لجان الكــــــونغرس نفسها التي قلبت اللهجة وتعـــابير الوجه بعد فضائح «ابو غريب». كانت الــــــنبرة مناقضة لما نسمع الآن.

وجاء ادعاء الرئيس الاميركي عن موبقات جنوده في العراق ان هذا السلوك ليس اميركياً (un-American) ليؤكد العقلية نفسها التي حذرنا منها أعلاه التي توحد بين الفرد والدولة، بين الجندي والامبراطورية تجاه الخارج. ويؤكد بوش في مقولة السلوك غير الاميركي بشكل مقلوب على جوهر فرضية صراع الثقافات التي عبر عنها بعد 11 ايلول «بانهم يكرهوننا بسبب كوننا نحن» او «بسبب اسلوب حياتنا». وهكذا عداء لاميركا على نمط العداء للسامية، «يكرهوننا لأننا نحن»، ولا حل لهذه الكراهية الا بالانتصار «عليهم». ويستمر هذ الهذيان القومجي الوطنجي المتخلف على لسان رئيس الدولة العظمى الوحيدة في العالم حتى عند الاعتذار. والعنصر الأبرز في هذ النمط من التعبير تأكيده على وحدة اميركا، وأن هنالك سلوكا اميركيا وغير اميركي. ان أسوأ ما يمكن ان تقوله عن سلوك اجرامي او غير أخلاقي او وحشي هو أنه سلوك غير أميركي. بماذا كنا سنتهم لو قلنا عن سلوك زعران عرب انه سلوك غير عربي باعتبار العروبة خلاصة وجوهر الطيبة.

ولكنا اذا سقنا هذا الادعاء حول لا اميركية هذه التصرفات خطوة واحدة خارج هذه الغيبيات الى عالم الاستقراء، اي عالم التفاصيل والحقائق التفصيلية واختبار الفرضية بموجبها نجد ان هذا السلوك اميركي جداً (بلغة بوش- وليس لغتنا). والسلوك الوحيد «غير الاميركي» الذي تم هو النطق بالاعتذار. اما النقد الذاتي فما زال «غير اميركي». لأنه لم تتم عملية مراجعة نقدية وعملية نقد ذاتي للسلوك الاميركي ومعالجة جذوره. ونحن لا نقصد بالجذور الذهاب حتى برامج جيري سبرنغير التلفزيونية الشعبية والاميركية جدا التي ينفس فيها من يقومون بالحوار عن انفسهم بالضرب الجسدي للزوج او الصديقة او الزوجة امام الكاميرات وعلى خلفية تشجيع مقدم البرنامج وهتاف الجمهور المتعطش للعنف. بل نقصد ما يخصنا، وهو الا تعرض شعوب بأكملها للاحتلال ولممارسة مجندين يومكن تخيل العديد منهم كمشاركين نموذجيين في مثل هذه البرامج.

ومن الواضح ان الحديث لا يتم عن زمرة من الشباب السذج الذين تعاملوا مع السجناء بجهل لانهم ليسوا مدربين كسجانين، فهذا الادعاء يفترض ان المرء عندما لا يتلقى تدريبا كسجان ويترك على سجيته فإنه بسويته غير المدربة يندفع نحو التنكيل والتعذيب العنيف والمنحرف الطابع. ولكن أحد المشتبه بهم بارتكاب جرائم التعذيب التي تسمى بلغة الادعاء «اساءة معاملة المعتقلين» كان يعمل حارسا في سجن بنسلفانيا. وقد عاد من حينه للعمل هناك. والتعذيب حي يرزق في السجون المدنية الاميركية ومراكز التوقيف. من ابرزها حالة التعذيب التي أدت الى محاكمة خمسة رجال شرطة اميركيين بتهمة الضرب واستخدام عصا في اغتصاب الشاب آبنر لويما في آب (اغسطس) 97. وأشهرها في السنوات الاخيرة استخدام شرطة شيكاغو للتعذيب بشكل مكثف طيلة النصف الثاني من السبعينات وبداية الثمانينات، واستخدمت في ما استخدمت الصعق الكهربائي والحرمان من الاوكسجين و«الشبح» والتعذيب. وفي العديد من السجون الاميركية يستخدم نوع من الزنازين الاسمنتية الضيقة جداً secure living units يحجب فيها السجين لاعوام كفيلة ان تفقد العديد عقولهم. وتتهم العديد من تقارير الامم المتحدة وتقارير «امنستي انترناشيونال» الشرطة الاميركية باستخدام «عنف يصل حد التعذيب». اما عن الاغتصاب فحدث ولا حرج. وما يدور في السجون الاميركية بعلم من ادارة السجن هو جريمة كبرى وتقرير «هيومن رايتس ووتش» يشير الى نسبة 21 في المئة من السجناء اجبروا على ممارسة الجنس، و7 في المئة منهم مر بحالات اغتصاب، اي ان الحديث يتناول عشرات آلاف حالات الاغتصاب المستمرة والمسلم بوجودها أثنا وجود المعتقل في عهدة الدولة. وغالبا ما يهدد المعتقل بهذا الاغتصاب عند التحقيق، وغالبا ما يزج باولاد قاصرين في سجون البالغين.

وقد اتهمت الولايات المتحدة ببرامج حماية لمجرمين نازيين مثل كلاوس باربي للاستفادة من خبرتهم. ويذكر الصحافيون الاميركان دان ميتريون الذي عمل في البرازيل لمصلحة مكتب سلامة الجمهور المخابراتي. وخطفت الرجل منظمة التوباماروس من الاورغواي وقتلته. واتضح، لاحقاً، أنه كان يدرب الشرطة البرازيلية على ادوات التعذيب التي لا تؤدي الى موت السجين مثل تعيير الصعقة الكهربائية بالحد اللازم، وبما في ذلك ادوات نفسية مثل اسماع السجين صراخ اطفال وامرأة يحسبه صراخ عائلته اثناء التحقيق.

اما عن ممارسة التعذيب في فيتنام فحدث ولا حرج، اذ لا يستطيع باحث الاحاطة بكمية المواد التي نشرت من تقارير المخابرات والمخابرات العكسرية عن التعذيب، والادوات المختلفة التي ابتكرتها وكالة المخابرات الاميركية وطالبت بالسماح لها بتطبيقها، وتورطها في دعم ابحاث في بعض الجامعات لتطوير عقاقير وغيرها تستعمل في التعذيب.

التعذيب اذاً اميركي، واميركي جداً. وانا استغرب من المعلقين النقديين الذين يذكروننا بأن ما جرى في «ابو غريب» هو استثناء اميركي، وان التعذيب هو القاعدة فقط عند العرب وفي السجون العربية. لا التعذيب عربي، ولا غياب التعذيب أميركي. وما هذه المصطلحات الا من عُدَة صراع الحضارات التي أوصلت أميركا الى دعم حرب على العراق لا مبرر لها الا الاكاذيب وسهولة تمريرها في ظل سيادة مفاهيم صراع الحضارات.

ولنعد الى افغانستان قليلاً. يذكر القراء اقتحام الاميركان وحلفائهم الافغان قلعة قندز. لقد استسلم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 مقاتلو «طالبان» بعد قتال ضارٍ. وقد أثار اشمئزازي في حينه بشكل خاص صورة جماعة من الصحافيين الذي «تمسحت» جلودهم يتسامرون مبتسمين وحولهم تنتشر الجثث مبعثرة. ماذا جرى بعد الاستسلام؟ تولى الأمر حلفاء اميركا الأفغان باشرافها. وحُمِّل المعتقلون في صهاريج شاحنات، اكرر صهاريج. وتم نقلهم الى معتقل شيبرجان. وعندما وصلوا الى السجن كانت تنبعث من الصهاريج رائحة تخلط الجثث بالبول وبالدم. ووصفت ذلك بدقة قاسية مجلة «لوموند ديبلوماتيك» في ايلول (سبتمبر) 2002. وقبلها «نيوزويك» في 26 آب (اغسطس) 2002. ويبدو ان جثث المئات اختلطت ببعضها البعض، وتم «التخلص من الدليل»، اي من الجثث على بعد عشر دقائق سفر من السجن. هنالك ايضاً أعدم أكثر من 600 من رجال «طالبان» الذين بقوا على قيد الحياة. أي أعدم ايضاً شهود العيان. لقد قتلهم حلفاء اميركا الأفغان، في حضور ضباط اميركان، اي باشراف اميركي. مثل حالة الاسرائيليين وهم يرعون الانتقام البربري ضد نساء وأطفال صبرا وشاتيلا.

لم تنحصر هذه المذابح اذا بالعرب ولا باسرائيل ولا توقفت أميركيا عند ماي لاي. بل افتتحت بها اميركا القرن الحالي، في اول حروب القرن، ثم في ثاني حروب القرن.

وقد أثار غضب اليسار الاميركي والليبراليين الأميركيين بشكل خاص تصريحات راش ليمبو الجمهوري المحافظ الذي تعامل مع الفضيحة في برامجه الاذاعية الشهيرة التي تبث يوميا في مئات محطات الراديو رافضا الضجة او الحكم عليها بقسوة او الاعتذار. لقد قيمها على انها من عمل شباب يتلهون او يتسلون او ينفسون عن انفسهم، وشبهها بممارسات «الأخويات» في الكليات الجامعية. وهذا عدا تأكيده ان اعتذار بوش كان مصطنعا، وان بوش في داخله لا يرى مشكلة كبيرة في الامر، واضافة الى تحذيره المستمر من أن تؤدي هذه الحملة الى تكبيل ايدي الجنود في العراق. والرجل مؤيد لبوش ويظهر في تصريحاته فهماً اميركياً اخر لما جرى قد يكون أكثر انتشاراً من الاعتذار بين مؤيدي بوش.

ومن المفيد عدم الاستخفاف بما قاله ليمبو لا من ناحية ما يؤشر اليه ولا من ناحية التفسير الذي يقترحه. فأولاً يشير ليمبو الى ان اعتذارات بوش في نظر المحافظين هي اعتذارات اضطرارية محدودة الضمان. ومن ناحية اخرى فإن تفسيره للعنف ذاته يستحق وقفة تأمل عنده. اذا كانت هذه الممارسات نمط تنفيس وتسلية فهذا مؤشر حضاري وثقافي هام وعظيم الدلالة يلوح به محافظون متعصبون للثقافة الاميركية ويدافعون عنها كما يفهمونها. اما بالنسبة الى «الأخويات» فلا شك أنها تجمع شبابي ذكوري عنيف خاصة عندما يتعلق الامر بطقوس القبول في «الاخويات» في استعراض للقسوة كنوع من العبور الى مرحلة البلوغ يصلح لأن يقارن بطقوس العبور في الديانات البدائية والذي استمر في الديانات السماوية بشكلها الحاضر بشكل ومضمون مختلفين.

ولكن الاستعمار يتيح ممارسة طقوس البلوغ البدائية هذه على شعوب أخرى. وحالة «ابو غريب» ليست حالة تلذذ بتسبيب الألم فحسب ولا حالة انحراف «سادو- مازو» ولا حالة سوء معاملة ولا طقوس مرحلة البلوغ في مجتمع استهلاكي، وانما ما يهمنا فيها انها تصدر الى السياسة والى العلاقة مع الشعوب الاخرى في حالة قسر جسدي احتلالي، ما يعنينا بشكل خاص أنها حالة تعذيب وخرق للمواثيق والأعراف الدولية يقوم بها جنود يمثلون دولة وينفذون سياسة، انها نتاج للوحدانية الامبراطورية يتكرر بانماط مختلفة.

كاتب عربي.