ضروري... ضروري: اقرأوا مذكرات مصطفى طلاس

 

في مذكراته الممتدة على ثلاثة مجلدات، الاول 823 صفحة والثاني 895 والثالث 694 صفحة اضافة الى "ملحق" من 120 صفحة صدر في الاشهر الاخيرة في كتاب صغير مستقل حول الصراع بين الرئيس حافظ الاسد وشقيقه رفعت عام ...1984 يخبرنا "العماد اول" مصطفى طلاس الذي يغادر منصبه كوزير للدفاع وضابط في الجيش. يخبرنا مرتين فقط بالنهاية الصريحة الحميمة لعلاقاته الجنسية كعازب مرة مع بدويتين في قريته "الرستن" القريبة من حمص والمحاذية لنهر العاصي في الاربعينات ومرة اخرى مع حسناء في فندق السان جورج في بيروت، كضابط شاب في الخمسينات. فيما يحرص في عشرات الحالات الغرامية الاخرى التي تمتلىء بها مجلداته الثلاثة على الاعتراف بانجذابه تارة الرومنطيقي وطورا الجسدي الى احدى الحسناوات، لكنه يبقي النهاية غامضة.

في هذه المجلدات المدهشة في تنوع رواياتها الشخصية والسياسية والعسكرية والادبية (واحيانا من سوء الحظ والضرورة مطولات البرامج الحزبية او البيانات المشتركة الرسمية)... يطل علينا مصطفى طلاس بصورة تفاجىء صورة وزير الدفاع في نظام حزبي عسكري صارم كنظام حزب البعث سواء قبل تسلم حافظ الاسد الرسمي لقمة السلطة بعد 1970 او بعد هذا التسلم، فنحن هنا، امام ضابط "مرتاح" الى مكانته الشخصية في نظام حافظ الاسد، بما يتيح له، ان يروي "ما يشاء" ... "على هواه"... الى حد بعيد. خصوصا هواه الشخصي.

صحيح ان المذكرات في النهاية لا تخرج ابدا - بل لا تلعب ابدا - مع الرئيس حافظ الاسد، الا ان مكانته الشخصية سمحت له مثلا بأن يروي انه استأذن الرئيس حافظ الاسد في رواية عن قوة الشاب حافظ الاسد في المناطحة بالرأس وهو اسلوب شائع ايام كان معه طالباً في الكلية الجوية في حلب. وكيف ان عصبة الاسد من زملائه كانت تمسك بالتلميذ الخصم خلال مناكفات الطلبة - الضباط، ويتولى الاسد ضربه برأسه على الرأس... وقال طلاس في مذكراته ان حافظ الاسد اجابه عندما استأذن بكتابة هذه المعلومات: "اكتبها انت، افضل من ان يأتي يوم وسيكتبها غيرك".

لا شك ان هذه المذكرات هي اطول واهم مصدر مكتوب (على اي حال طبعتها نافدة حاليا) عن فترة حكم الرئيس حافظ الاسد... داخل سوريا (بانتظار مذكرات عبد الحليم خدام عن لبنان... التي يقال انها "جاهزة" وربما "المذكرات" التي لن تصدر على الارجح عن غازي كنعان... بل حتى لن تُكتب!).

فهذا البعثي... قبل دخول الكلية الحربية اي منذ ايام الدراسة الثانوية في حمص... الذي دخل كلية الطيران ثم فصل منها لأسباب تتعلق بنقص مؤهلاته كمشروع طيار - باعترافه - ليحال الى كلية المدرعات التي يروي كيف برع في سلاحها... الى ان شارك في التخطيط لحرب تشرين (اكتوبر) في سوريا ومصر... ثم في التنفيذ... هذا البعثي سيقول اشياء كثيرة في السياسة السورية والعربية، غير معروفة، واذا كانت شائعة او شبه معروفة في حالات اخرى، فان صدورها عنه بالذات يعطيها اهميتها باعتبارها في العديد من الحالات - وليس كلها حتما - "رواية" حافظ الاسد ايضا.

 بين سردياته المفاجئة اتهامه لعبد الحميد السراج رئيس المكتب الثاني السوري الشهير منذ سقوط الشيشكلي حتى نهاية حكم عبد الناصر، بترتيب اغتيال الضابط عدنان المالكي في منتصف الخمسينات. وهو الاغتيال الذي باسمه ضُرب الحزب السوري القومي في سوريا واعتقل عناصره وطوردوا وحوكموا في تلك المحاكمات الشهيرة التي تحولت الى احد عناصر صعود حزب البعث - والتيار الناصري - في السياسة السورية حتى حصول الوحدة. اذن يقول مصطفى طلاس الذي كان ضابطا بعثيا صغيرا ان السراج (لا الحزب السوري القومي) هو الذي دبر اغتيال المالكي. وهذه رواية غير قليلة ابدا في اعادة قراءة ملف تلك المرحلة. الا انه بين "اطرف" وابلغ روايات المذكرات في الدلالة على التركيبة النفسية - السياسية لمرحلة الخمسينات ولنمط العمل الحزبي - العسكري، صراحة مصطفى طلاس في انه اقترح على مجموعة من الضباط الصغار حضروا في دمشق اجتماعا عسكريا واسعا بعد اغتيال المالكي، وكان بين هؤلاء الضباط حافظ الاسد، ان يذهبوا الى سجن المزة ويسيطروا عليه ويقوموا باعدام جميع قادة الحزب السوري القومي المعتقلين هناك. ويروي طلاس ان الاسد نصحه بأن يأخذ الموافقة من القيادات الاعلى حتى لا تتحمل المجموعة وحدها المسؤولية! ويقول ان الخبر وصل الى رئيس الاركان شوكت شقير بواسطة شقيق احد ضباط المجموعة... وان شقير تكلم معه يومها بطريقة تأنيبية.

لا تتسع هذه العجالة... حتى كفهرس لأبرز روايات المذكرات.

فماذا لم يرو مصطفى طلاس؟!... عن العلاقات الداخلية في الثكنات عن كيفية المشاركة في الانقلابات الفاشلة قبل 1963 والناجحة دائما بعد .1963 عندما تحولت صداقته مع حافظ الاسد الى ثنائية مهمة عبر "اللجنة العسكرية" التي كانت تشكلت في القاهرة... حتى تسلّم الاسد الحكم عام 1970 مع تحول طلاس الى وزير دفاع دائم عام 1972 الى تقاعده في الساعات الاخيرة من ايامنا هذه. (كانت اللجنة العسكرية مؤلفة من محمد عمران، صلاح جديد، حافظ الاسد، مصطفى طلاس، عبد الكريم الجندي، منير جيرودي، احمد المير).

الا انه بحسب المذكرات، من الواضح ان حافظ الاسد اصبح الرجل الاول في سوريا من حيث القوة العسكرية، منذ العام 1966 اي تقريبا مباشرة بعد تصفية الرئيس امين الحافظ وقيادة عفلق - البيطار... فيما كان الاسد - وطلاس - شريكين صاعدين بعد 1963 في التصفيات المتتابعة لزياد الحريري وجاسم علوان ثم محمد عمران فالحافظ فبيطار - الى ان بدأ الصراع داخل "القيادة القطرية" فأبعد سليم حاطوم (ثم استدرج لاحقاً من الاردن الى دمشق واعدم بعد هزيمة 1967) ثم احمد سويداني ثم عبد الكريم الجندي (الذي يتبنى طلاس واقعة انتحاره)... حتى ابعاد صلاح جديد ونور الدين الاتاسي و"المجموعة الديرية" (دير الزور) كما يسميها طلاس برئاسة يوسف زعين.

اخبرني مرة (الراحل) عبدالله الاحمد كيف طلب منه الرئيس حافظ الاسد خلال مهمة كلفه فيها للاجتماع بالقيادة البعثية العراقية عام 1978 ابان التجربة القصيرة لـ"ميثاق العمل القومي" بين سوريا  والعراق، ان يكون حذرا في الكلام مع المسؤولين العراقيين، وخصوصا الا ينجرّ الى اي نوع من المزاح معهم "لأنهم اجلاف وعليك ان لا تتورط في الكلام"...

تذكرت هذا النوع من الاهتمام السلوكي الذي كان يبديه الرئيس حافظ الاسد بالشخصيات التي يتعامل معها. واعطاءه الاهمية لتركيبتها النفسية والمزاجية... عبر التوصيات التي يحمّلها الى موفديه خلال مهمات سياسية دقيقة... تذكرت ذلك وانا اقرأ في مذكرات العماد طلاس عن مهمة اكثر خطورة كلفه بها حافظ الاسد عندما طلب منه، في الوفد الذي ضمه مع رئيس الاركان حكمت الشهابي لمقابلة العاهل الاردني (الراحل) حسين، ان يتولى الشهابي مراقبة رد فعل الملك من عينيه عندما سيخبره طلاس بقرار القيام بحرب تشرين فاذا شعر الشهابي بزوغان معين في نظرات الملك، عليه ان يشير لطلاس بتغيير الموضوع لأن الملك - حسب الاسد -  تتيه نظراته حين يكون غير مرتاح لسماع كلام معين.

ويروي طلاس في مكان آخر كيف طلب منه الاسد بعد محاولة الشيوعيين السودانيين الانقلاب على جعفر نميري ان يذهب - مع وفد - الى الخرطوم ليقدم له نصائح في كيفية حماية النظام السياسي باعتبار طلاس في نظر الاسد صاحب خبرة في التعامل مع الانقلابات العسكرية!

***

قصة حبه - واحترامه - لزوجته بنت العائلة الاريستوقراطية الحلبية لمياء الجابري التي يضع صورته معها على الغلاف الاخير من المجلدين الثاني والثالث... هي قصة شغف ثابت في المذكرات منذ تعرف عليها في منزل والدها في احد ارياف حلب... واضطر مبكرا للدفاع عن اراضي والدها التي حاول احد الفلاحين السيطرة عليها في موجة مصادرات الاصلاح الزراعي التي بدأت في العهد الناصري وواصلها حزب البعث الى درجة متطرفة في عهد صلاح جديد... كان يدافع عن ارض يحاول نظام سياسي هو جزء منه ان يصادرها!

اما حياته كمبعد الى مصر فتتواصل مع حافظ الاسد وصلاح جديد ومحمد عمران وغيرهم من الضباط السوريين الذين سيشكل بعضهم ما سيعرف لاحقا باسم "اللجنة العسكرية" كتنظيم سري في عهد الوحدة الى استقباله الماريشال غريشكو وزير الدفاع السوفياتي في منزله بدعوة عشاء عام ،1969 وكان اصبح رئيساً للاركان، وهو العشاء الذي طلب منه وزير الدفاع حافظ الاسد ان يدعو اليه رئيس الدولة نور الدين الاتاسي مع الاسد فقط دون اي شخص آخر من كبار مسؤولي الدولة، مما يعطي فكرة عن كون الاسد اصبح الاقوى منذ ما قبل .1970 في العشاء دخل غريشكو الى مطبخ البيت ليصف اقراص الكبة "المتطاولة" التي حضرتها السيدة طلاس بأنها "صواريخ عابرة للقارات". كما يروي ان غريشكو عندما قدم له ضابط سوري كبير كتابا ترجمه الى العربية عن كتاب لضباط سوفيات حول "الاستراتيجية العسكرية" قال للضابط بفجاجة:

"كنت اتمنى ان تهديني كتابا عسكريا الّفه ضابط عربي حول "الاستراتيجية" ونحن نترجمه الى الروسية! هذا هو الذي يفيدني!".

حس النكتة... عالٍ جدا عند مصطفى طلاس، احيانا النكتة الاجتماعية الشفافة و"الصافية" واحيانا -وهذا امر طبيعي - النكتة التي تختلط بالفجاجة "المهنية" للضباط!

الا ان السمة الاخرى التي يحرص طلاس على ابرازها على مدى المجلدات الثلاثة هي المزاج الادبي... فتحفل مذكراته باستشهادات لا حصر لها من الشعر العربي... بعضها - بعضها - استمتعت به شخصيا كثيرا وبعضها من المألوف الشائع، قديما ومعاصرا.

رغم روايته السياسية "المنحازة" (لنفسه! حتى لا ننسى وهذا طبيعي) فهذا كتاب "تفلت" فيه اشياء كثيرة، في الشخصي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري والطائفي، ناهيك عن العربي والدولي.

وبين الانجذابات النسائية لطلاس التي يتركنا قصدا دون ان نفهم نهايتها... قصة له، بدأت بحضور الجنرال جياب (الاسطوري السمعة في حرب فيتنام) مع فتاتين فيتناميتين....

...ما هذا الغموض المضني سيادة العماد الوسيم؟!

انها مذكرات للقراءة الكاملة... مادة خام لا غنى عنها لمؤرخي سوريا.. على الاقل الاربعين عاما المنصرمة حتى لو غطت المذكرات اكثر من خمسين عاما.

...ربما الآن بعد التقاعد... سيكمل مصطفى طلاس ما لم يَروِه... بالمطلق: الدخول الى لبنان تجربة الحكم فيه... سوريا التسعينات وربما سوريا بشار الاسد، مع مزيد من الكلام السياسي الادبي، الشخصي الغزير.

اكتب ايضا يا حضرة العماد... عن "ذكرياتك" فأنجح فصول هذه الذكريات حين تبدو مستمتعاً... بحريتك في الكلام ولو عن الماضي.

الحرية ليست جميلة فقط. انها غنية ومفيدة وبناءة... ولو بدت خطرة. فكيف اذا مارسها مجتمع بكامله لا ضابط كبير لامع الصيت وحده، عزف مع وعلى ماضيه... ومع نفسه في 2532 صفحة... فرقص وقاتل واعدم (احيانا) وصادق وسُجن وسجن وعشق وتزوج وغامر وخسر. وربح....

جهاد الزين