مناقشة لتهمة ظالمة للمعارضة السورية: وجهة نظر انطلت على جهاد الزين... محمد نجاتي طيارة

 

لطالما حازت صحيفة "النهار" بنهجها الليبرالي ومستواها المهني الرفيع ثقة المثقفين والديموقراطيين السوريين، فتوجهوا اليها ووجدوا على صفحاتها متنفساً خلال فترات طويلة من الحصار الاعلامي والتعتيم على الصوت الآخر في سوريا النظام الشمولي الفائت، الى درجة ان صفحة "قضايا النهار" كثيراً ما اعتبرت، وبحق، صفحة المعارضة السورية، فتعرضت بسبب ذلك الى ضغوط ودرجات متحركة من السقوف، اشار الى بعضها الاستاذ جهاد الزين في اعتذار كريم من المرحوم جمال الاتاسي بعيد رحيله.

ورغم التغيرات الحاصلة في سوريا، التي شبّت فيها حركة المعارضة السورية بأطيافها العديدة عن الطوق المفروض عليها، بدءاً من خطاب البيانات والعرائض والرسائل المفتوحة، الى حركة المنتديات وربيع دمشق، وابتداع هيئات المجتمع المدني الجديدة ومؤسساته (لجان تنسيق الفاعليات الشعبية الخ...)، وحر كة الاعتصامات من اجل قضايا حقوق الانسان (مثل اعتصام 10 كانون الاول 2003 امام مجلس الوزراء الذي شاركت فيه للمرة الاولى 15 هيئة سورية) والتي ساهمت في مناخها موضوعياً ثورة الاتصالات المشهودة، ومضاعفات التغيرات الدولية الكبرى، اقول رغم هذا التطور، ما زالت هناك بطبيعة الحال امتدادات للتعتيم الاعلامي، ينعكس بعضها حتى في تعبيرات بعض اصدقاء هذه المعارضة، او من تفترض مهنيتهم مستوى رفيعاً من الموضوعية. وسأناقش فيما يأتي نموذجاً من هذه التعبيرات نشر في صفحة "قضايا النهار" يوم 12/4/2004 هو مقالة الاستاذ جهاد الزين (غرفة ديموقراطية في دمشق) المتعلقة بمشاركته في الندوة الاعلامية الدمشقية التي نظمتها هيئة الاذاعة والتلفزيون البريطانية. "بي. بي. سي" في فندق الشام في العاصمة السورية لمناقشة اوضاع الاعلام السوري، والمنعقدة كحلقة نقاشية مغلقة، والتي عبّر الكاتب فيها عن مفاجأته بالاجواء النقدية المعلنة في مدينة دمشق نفسها، الامر الذي مكّنه كمراقب من تفهم "ما بلغته تجربة المنتديات الشهيرة" ونقاشاتها الصريحة.

كما مكّنه لمسه، وإن "لم يلحظ ذلك تماماً"! درجة تلقائية من التعبير الامتعاضي لدى الصحافيين المعارضين حين يتكلم مسؤول اعلامي ما، مكّنه ذلك من أن يفهم، او على الاقل ان يتلمس، ما كان بعض البعثيين الذين شاركوا في الموجة الاولى من المنتديات يعبّرون عنه، حين يتهمون "المعارضة" في تلك "المنتديات" بأنها لم تكن تتيح لهم التعبير عن آرائهم (آراء البعثيين) بحرية.

الملاحظة الاخيرة، او اللمسة غير الملحوظة تماماً حسب تعبير الكاتب، هي بالضبط ما أود نقاشه واعتبره أثراً آخرَ  من آثار التعتيم الاعلامي، الذي اصبح وجهاً آخر للاقصاء في سوريا، ويعمل تحديداً على تشويه مواقف المعارضة السورية وافكارها.

ففكرة ان المعارضة السورية لم تكن تتيح في منتدياتها للبعثيين (وبالتالي للآخر) التعبير عن آرائهم بحرية، تعكس فكرة او تهمة أعمق خلفها، وتعني ان المعارضة السورية بطيفها (الديموقراطي) الحالي ليست الا وجهاً آخر للاستبداد القائم، وأنها مجرد امتداد جديد للبنيات الشمولية التقليدية، وبذلك يبرر البعث نفسه، باعتبار "ما في حدا أحسن من حدا".

تستند هذه الفكرة/ التهمة الى دليلين:

الدليل الاول: شهادة او تعبير بعض البعثيين عن المنتديات المذكورة، ومنها ما ذكره رئيس تحرير جريدة البعث الدكتور مهدي دخل الله في ندوة تلفزيونية مع الاستاذ الزين عرضتها احدى الفضائيات اللبنانية منذ فترة، ولم يكن بوسع الاخير أن يدقق المسألة نظراً الى ضعف اطلاعه على تجربة المنتديات تلك، "فمرّت" عليه هذه الشهادة واصبحت مع غيرها قاعدة لوجهة نظر شاملة.

المشكلة هنا أن شهادة دخل الله لا يمكن الركون اليها، فهو لم يشارك شخصياً في أي من تلك المنتديات، لا الموجة الاولى ولا الموجة المحدودة والمستمرة منها كمنتدى الاتاسي الذي يعتقد الكثيرون ان السكوت عنه والسماح له مقصود لاغراض الدعاية (كما يحدث في مقابلات كبار المسؤولين) او التصيد الأمني فقط. فضلاً عن كون شهادة دخل الله مجروحة موضوعياً كونه يترأس صحيفة الرأي الاول من جهة، ومن جهة اخرى كون صحيفته ما زالت تعتمد نهج التعتيم الاعلامي التقليدي على الرأي الآخر، طوال فترة اشرافه وحتى تاريخه، على الرغم من دعوى الحوار التي يدعيها ملحق صدر حديثاً بهذا الاسم عن صحيفته، اين منه ما كان يجري على صفحات جريدة "الثورة" ايام المرحوم (محمود سلامة).

اما واقع تجربة المنتديات، فيشير الى أخذ البعثيين مساحة مرموقة في مناقشاتها، حيث كانت المقاعد وما زالت تحجز خصيصاً لممثليهم على الرغم من ازدحام المكان غالباً، وكثيراً ما استهلكوا وقتاً زائداً عن الوقت المتاح. يمكن الاستشهاد هنا بممثلي البعث الحاضرين دوماً: وأبرزهم الاستاذان الجامعيان الدكتور سليم بركات والدكتور ناصر عبيد الناصر عضو مجلس الشعب ايضاً، كما تمكن الاشارة الى احتلال (وأقصد هذه الكلمة تحديداً) ممثلي البعث قسطاً كبيراً من ادوار المناقشين بل المشوشين في بعض الاحيان، وهذا ما شهدته المحاضرة الاخيرة في "منتدى الحوار الوطني" (الموجة الاولى)، التي قدمها المفكر المعروف برهان غليون، في منزل النائب رياض سيف عشية اعتقال الاخير خريف .2001 كما شهدته جلسات منتدى الاتاسي (الموجة الثانية)، مما دفع احدى المشاركات ذات مرة الى التساؤل عن اسباب هذه الهجمة البعثية على المنتدى، وهل ضاقت أعين البعثيين بهذه المساحة (المنزلية الضيقة) المعطاة للرأي الآخر؟

الطريف ان رواد هذا المنتدى، الذي اصبح شبه واحة وحيدة للتنفس في سوريا، اغتبطوا منذ اكثر من شهر عندما شارك شيخ معمم وأخذ دوره في النقاش، فتأملوا بمشاركة تيار قلما يظهر في هذا المجال، واذا بالشيخ الجليل يخاطب المحاضر والمنتدين الذين كانوا يتداولون في مسائل الاصلاح، ويطالبهم بإصلاح وحيد، الا وهو التوجه غداً (وكان الغد يوم 8 آذار) للمباركة بثورة البعث والالتفاف حول القيادة الحكيمة الخ. نشيد "الوحدة الوطنية" المستمر لأكثر من اربعين عاماً من حالة الطوارئ.

بالنتيجة، فإن هذه القصة، قصة عدم السماح للبعثيين بالتعبير عن آرائهم بحرية، لا أصل لها واقعياً، كما أنها لا تنسجم مع حقيقة أن البعث حزب قائد وحاكم، وممثلوه يتصرفون غالباً على هذا الاساس وأينما حلّوا. علماً ان الاعلام السوري مكرس بأكمله لممثلي الرأي الاول والواحد، اما اخبار انشطة منتدى الاتاسي الذي استضاف بعضاً من أهم المثقفين والناشطين السوريين والعرب، على مدى سنتين ونصف، فهي مغيبة كلياً، مثلها في ذلك مثل جميع انشطة المعارضة الديموقراطية من اعتصامات وبيانات وحتى محاكمات.

الدليل الثاني: مشتق من الاصول الفكرية والتنظيمية لطيف المعارضة السورية الداخلية او اطيافها، فمعظمها، إن لم يكن جميعها، منحدر من تيارات واحزاب يسارية تقليدية، قومية كانت أم شيوعية أم اسلامية، كما انها كانت تعتنق (وما زال معظمها) ايديولوجيات شمولية الى هذا الحد او ذاك، وعلى هذا الاساس فهي ذات بنية استبدادية واقصائية، لا فرق بينها وبين خصمها.

تشكل هذه الفكرة/ الدليل الاساس النظري، في رأيي، للخطأ او الظلم الفادح الذي تتعرض له المعارضة السورية، على الاقل الداخلية منها، وبهذه الصورة جرى التعتيم ويجري حول تاريخ هذه المعارضة وتطورها نحو اعتماد الفكر الديموقراطي واساليب العمل المشتقة منه. فمنذ أواخر عام 1979 تبلور "التجمع الوطني الديموقراطي" كمؤسسة سياسية جمعت خمسة احزاب سورية الى جانب عدد من المستقلين وممثلي بعض التيارات الوطنية الاخرى، وكان لمساهمة ياسين الحافظ وجمال الاتاسي ورياض الترك دور واضح في ظهور ذلك "التجمع" كما كان لجمال الاتاسي ورفاقه فضل الحفاظ عليه وتعزيز نهجه الديموقراطي، بعد رحيل الحافظ وغياب الترك في سجنه المديد، خصوصاً في مرحلة ساد فيها العنف والعنف المضاد بين الجماعات الاسلامية المنشقة والسلطة، والذي انطلقت منه ظاهرة الدولة الامنية، فطاول عنفها المجتمع والدولة الوطنية معاً، وأسس لفساد ونهب وشخصنة ما زالت سوريا تعاني من آثارها.

هكذا، يكون الفكر الديموقراطي ذا تاريخ طويل نسبياً لدى المعارضة السورية، اذا لم ننسَ مساهمات برهان غليون المبكرة في كتابيه، "بيان من أجل الديموقراطية"، و"المسألة الطائفية ومشكلة الاقليات"، ثم انتشار افكار المجتمع المدني وحقوق الانسان والمواطن وتبنيها من قبل عدد كبير من المثقفين والناشطين السوريين، الامر الذي أدى الى ظهور تيارات وحراكات ديموقراطية جديدة، ساهمت بشجاعة في توسيع الفرص التي ظهرت في سوريا حديثاً. توضيح تاريخ هذا الفكر الديموقراطي يؤكد اصالة مثقفي المعارضة وناشطيها وخيارهم في ممارسة اساليب العمل الديموقراطي والدعوة اليها، غير ناسين ردود الفعل الفردية (المفهومة على حد قول الاستاذ الزين) والعثرات والاخطاء الحاصلة هنا وهناك، الامر الذي يتطلب للخروج منه تجربة مديدة وتدرباً طويلاً على العمل العلني والسلمي والتدرجي، المستند الى قاعدة اساسية من الحوار والعقلانية والتسامح والصبر والتضحيات، التي لن يكون آخرها الانضمام الى قوافل المعتقلين الديموقراطيين، عندما يستحق الامر ذلك، وبصور غير مجانية او استعراضية. ولعل في توجهات الموضوعات المقدمة الى المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، التي تستهدف تحويله حزباً ديموقراطياً اجتماعياً، وكذلك توجهات اطياف المعارضة السورية الموجودة في الخارج، بما فيها ميثاق "المؤتمر الوطني" المنعقد في لندن 2001 والذي يضم جماعة الاخوان المسلمين، وحوارات الطاولة المستديرة التي قامت بها "لجان احياء المجتمع المدني" ثم "منتدى الاتاسي" مع الاحزاب الكردية، والسابقة لاحداث القامشلي، لعل فيها جميعاً ما يؤكد ان خيار الديموقراطية لدى المعارضة السورية هو خيار اصيل ونهائي. في هذا المجال، ربما يكون مفيداً الاستشهاد اخيراً ببيان، صدر في دمشق قبيل حادث المزة بيومين، طالب السلطات السورية بالكف عن الممارسات الامنية (اعتقالات الطلاب وأكثم نعيسة والمواطنين الاكراد)، ووقعت عليه اثنتا عشرة هيئة من هيئات الطيف الديموقراطي المعارض، كان بينها هيئات كردية عديدة. فقد جاء في الفقرة الاخيرة منه: "سنظل متمسكين باسلوب الحوار والاحتجاج السلمي... ولن تفلح جميع المحاولات الرامية لدفعنا الى التطرف وردود الفعل، لاعتقادنا الراسخ أن المدخل الديموقراطي هو الكفيل بحل جميع مشكلاتنا وازماتنا".

(حمص)