فرصة سانحة لاختراق الجمود في الشرق الأوسط

هنري كيسنجر*

لم يستنزف السعي لأجل السلام في الشرق الاوسط تناقضاته بعد. ففي نفس الاسبوع الذي صوتت فيه الاغلبية العظمى من اعضاء حزب الليكود بقيادة ارييل شارون، رئيس الوزراء الاسرائيلي، ضد خطته بالانسحاب من جميع المستوطنات الاسرائيلية في غزة وأربع مستوطنات من الضفة الغربية، وصف ياسر عرفات، في نداء للاتحاد الاوروبي، الانسحاب بأنه «موت عملية السلام». كما ان اقرار الرئيس بوش الضمني بأن بعض المستوطنات الاسرائيلية يمكن ان تبقى في الضفة الغربية في إطار حل نهائي، واستقرار اللاجئين الفلسطينيين الذين يسعون للعودة في دولة فلسطينية مستقبلية وليس في اسرائيل، يصب في الاتجاه نفسه. لقد ادين ذلك على نطاق واسع باعتباره استباقا للمفاوضات، لدرجة انه دفع بـ52 دبلوماسيا بريطانيا متقاعدا، الى الاحتجاج في خطاب مفتوح لرئيس الوزراء توني بلير يتهمونه «بالتخلي عن المبادئ».
لا توجد مفارقة هنا، لأن تهمة استباق المفاوضات تأتي بصفة اساسية من جماعات كانت تدين دائما الدبلوماسية الاميركية سلبا، وأصرت على ان تلزم اميركا اسرائيل بتبني برنامج تفصيلي يشمل العودة الى حدود 1967، وتقسيم القدس، وصيغة غير محددة تتعلق باللاجئين، كل ذلك مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل، وضمانات نوعية من المجتمع الدولي. وحقيقة ان هذا البرنامج ساهم في العرقلة الدبلوماسية لعملية السلام لعقدين، لا تبدو انها تضعف من حماس المدافعين عنه.
والسبب الاخر لرد الفعل المعادي، هو انعدام الثقة العام بشارون، انطلاقا من دفاعه الطويل عن مد المستوطنات اليهودية، وتفسيره الحاد لمتطلبات الامن الاسرائيلي. وفي هذا الضوء، فإن انسحاب اسرائيل من غزة يفسر على انه جزء من حملة شارون، طيلة حياته، لدعم التوسع الاسرائيلي في الضفة الغربية والتحكم في المفاوضات، بحيث تصبح أي دولة فلسطينية في المستقبل محددة بسلسلة من الجيوب غير المترابطة.
وفي مواجهة مثل هذه الاتجاهات المنتشرة بدرجة يمكن ان تقترب فيها من الحكمة التقليدية، فإن الاقتراح بأن يسعى الوضع الاميركي لتحرير العمل من اجل السلام من قيود المفاهيم المسبقة، يمكن ان يبدو متناقضا. وبالرغم من ذلك، فإن الكشف عما كان نظرية ضمنية للسياسة الاميركية لعدة عقود من الزمن، فقد تم خلق فرصة تقدم مهمة.
وحتى الان، فقد تعرقلت عملية السلام بسبب رفض مواجهة الحقيقة الاساسية، وهي ان أي تسوية لن تعود الى خطوط 1967، التي لم تكن حدودا دولية ابدا، ولكنها خط الهدنة في نهاية حرب 1948/ 1949. كما ان قرار الامم المتحدة رقم 242 لعام 1967، تحدث عن عودة «اراض محتلة» وليس «الاراضي المحتلة». وبالرغم من ان العرب لم يقبلوا هذا التفسير، فإن السياسة الاميركية منذ مبادرة روجرز في عام 1969، اكدت الحاجة الى تعديل خطوط الهدنة. وفي الاسبوع الاخير من وجوده في السلطة، قدم الرئيس الاميركي السابق، بيل كلينتون تفسيره لهذه التعديلات، ورغم انه رضخ للشكليات بوصفها «شخصية» وليست «رسمية»، فإن هذه الفروق لا معنى لها بالنسبة لرئيس.
لقد ازال الرئيس بوش كل الغموض بخصوص ما يعرفه الجميع، ولكنه كان مترددا في التعبير عنه، ولم يقبل فقط تغيير خطوط التقسيم، بل حد من مدى التغيير. ان المستوطنات التي قبلتها السياسة الاميركية هي تلك التي ناقشتها الاطراف في كامب ديفيد في عام 2000، وخلال مفاوضات متعلقة بها في طابا، وتضم خمسة في المائة من اراضي الضفة الغربية مقابل تقديم اسرائيل للدولة الفلسطينية مساحة مماثلة من اراضيها الحالية. وستأتي التسوية النهائية اذا ما اعترف كل طرف بالاحتياجات الاساسية للطرف الاخر: الامن لإسرائيل والكرامة للجانب العربي.
يمكن القول إن الموقف العام الذي يلتزم به الاتحاد الأوروبي والكثير من الخبراء الأميركيين في شؤون الشرق الأوسط، لا يتوافق مع هذه المتطلبات. ان العودة إلى حدود سنة 1967، والتخلي عن كل المستوطنات، سيبعثان رفضا قويا جدا للقناعات الأولية، يمكن معه ان تهتز القاعدة السيكولوجية التي تشكل اساس الدولة العبرية. ولم يقم أي رئيس وزراء أو قائد جيش إسرائيلي منذ حرب سنة 1967، بالتراجع عن وجهة النظر القائلة إن الأمن على المدى البعيد لإسرائيل لا يتماشى مع العودة إلى حدود عام 1967، فالتخلي حتى عن المستوطنات التي تقف حاجزا أمام الحدود المهزوزة، سيجعل من إسرائيل اقرب الى دولة محمية تعتمد في دفاعاتها على ضمانات من دول لا يتفهم زعماؤها امن إسرائيل، وعلى رأي عام متقاعس عن دعم أي تضحيات كبيرة لحساب أمن إسرائيل. وفرض حل من هذا النوع سيُنظَر له من قبل الناشطين (الفلسطينيين) على انه خطوة اولى في طريق ازالة الدولة اليهودية ككل.
في المساعي الهادفة لتحرير عملية المفاوضات من كوابحها، تسعى السياسة الأميركية أيضا، إلى كسر المأزق الناجم عن مبدأ حق العودة للاجئين الفلسطينيين. لم ولن يكون (على الأرجح) هناك زعيم فلسطيني قادر على التخلي عن حق عودة الفلسطينيين إلى الأرض التي يعتبرونها بلدهم. ولن يكون هناك أي زعيم إسرائيلي قادر على أن يطلب أقل من هذا التخلي، لأن العودة الواسعة للفلسطينيين ستكون مماثلة لتدمير الدولة اليهودية. لذلك فإن الاقتراح الأميركي، يسعى إلى سد الفجوة; تخلي شارون عن طلب إسرائيل الرسمي بإسقاط حق عودة الفلسطينيين، مقابل وعد أميركي باستخدام نفوذها لقصر حق العودة على الأراضي التي ستكون ضمن الدولة الفلسطينية.
وعن طريق الإعلان عن انتهاء حق العودة، تكون أميركا قد خلقت أيضا إمكانية لأن يلعب رئيس الوزراء الإسرائيلي دورا في العملية السلمية.
يبلغ شارون حاليا الخامسة والسبعين من عمره، وهو لا يستطيع أن يكون غافلا عن روح العداء الموجودة ضد إسرائيل، ليس فقط في البلدان المسلمة ولكن في البلدان الأوروبية ايضا، وأغلب الرأي العام في الكثير من بلدان العالم. وإذا بقيت إسرائيل محتلة للضفة الغربية حتى لو سمحت بتشكل مناطق عربية منها، فإنها في الأخير ستهزَم من ناحية عدد السكان. وسيصبح الفلسطينيون خلال فترة زمنية غير طويلة، أغلبية. وهذا ما سيحول الدولة الإسرائيلية من خلال النظام الانتخابي لصالح الأغلبية الفلسطينية. ولعل شارون يرى أن ما يقوم به الآن هو آخر خدمة يستطيع تقديمها لبلده، الذي شارك في تحديد شكله، وقام بالدفاع عنه بهذا القدر من الدأب والحدة. وحل كهذا قد يكون مؤلما جدا، لكنه سيحفظ جوهر أمن إسرائيل ويحول دون تحقق عزلة مطلقة. فعن طريق تطبيق روحية الفهم التي أبداها الرئيس بوش لشارون، سيكون من اللازم الحفاظ على العلاقة ذات الأمد البعيد مع الولايات المتحدة وهو يعرف ذلك. إنه أفضل شرح لجرأة شارون للمخاطرة بوقوع انقسام داخل حزبه الحاكم.
من الواضح ان سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط لا يمكن ان تكون قائمة على اساس التكهنات المتعلقة بدوافع زعيم حليف لها، اذ يجب على الدبلوماسية الاميركية ان تتبع المبادئ التي اعلن شارون في واشنطن التزامه بها، حتى اذا ثبت خطأ هذا التفسير لدوافعه، او اذا حالت السياسية الداخلية في اسرائيل دون تطبيقها. ففي سياق موقفنا العام في الشرق الاوسط، لا بد من مبادرة دبلوماسية اميركية فاعلة لإنجاز كل المضامين ذات الصلة بفهم واشنطن. كما يجب ان تتجنب هذه المبادرة التأخير الإجرائي الذي تسبب في تأخير القرارات الصعبة في السابق. وفي نفس الوقت، لا بد للعالم الاسلامي، وعلى وجه الخصوص الدول العربية، الاضطلاع بالمسؤوليات اللازمة. ابرز هذه المسؤوليات وأكثرها اهمية، هو التغلب على العناصر المتطرفة التي ترى في أي انسحاب اسرائيلي استسلاما للعنف ومرحلة في القضاء التدريجي على الدولة اليهودية.
وكما هو معروف، فإن الرأي العام، خصوصا خارج الولايات المتحدة، يحكم بقسوة على الاجراءات التي تسعى اسرائيل من خلالها الى حماية نفسها من الانتحاريين، لكنه لا ينظر بتفهم كامل الى التطلع والتوق الى السلام من جانب الاسرائيليين الذين يعيشون في ظل عدم اعتراف بهم من جانب جيرانهم العرب، الذين يقرأون يوميا في المطبوعات ويشاهدون في التلفزيون العربي ما يحض على تدمير اسرائيل، لذا فإن تغيير الدعاية الرسمية سيكون مساهمة كبيرة من جانب العرب في عملية السلام.
أخيرا، لا يمكن ان يصر الفلسطينيون على الحصول على نتائج مساهمتهم الوحيدة فيها، هي الاعتراف بإسرائيل من دون تقديم تضحية اخرى. ففي العلاقات العادية بين الدول، لا يعتبر الاعتراف المتبادل مكافأة بل نقطة بداية للسياسة الخارجية وليس نهاية لها.
كان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير على حق، حين اشار الى ان مبادرة بوش ـ شارون يمكن ان تتحول الى فرصة مهمة للعالم العربي وللفلسطينيين على وجه الخصوص. الانسحاب الاسرائيلي من غزة، سيفرض القضية الاساسية، وهي ما اذا كان ممكنا ان يتأسس كيان فلسطيني سلمي تقدمي لا تهيمن عليه قوة خارجية، بل يملأ الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الاسرائيلي. من شأن هذه الخطوة ان تساعد على تعزيز فرص التعايش السلمي في المنطقة، اكثر من اي صيغة تفاوضية اخرى. ويبقى أمام الدول العربية المعتدلة دور مهم في المساهمة بتوفير الموارد وتقنين التضحيات اللازمة لتحقيق السلام. ولا تقل اهمية مساهمة الاتحاد الاوروبي في هذا الشأن، فقد ظل حلفاء الولايات المتحدة في اوروبا يركزون، على مدى عقود من الزمن، على الاعلانات الحماسية دعما للبرنامج الفلسطيني بكامله، وهو نهج لا يؤدي في نهاية الامر الى انجاز أي شيء، فضلا عن انه اذا طبق سيؤدي الى إضعاف أمن اسرائيل على المدى البعيد.
الهدف الاساسي لسياسة هؤلاء الحلفاء يرمي الى حث الولايات المتحدة على فرض حلها المفضل، واستخدام دبلوماسيتها واللجوء الى الشارع العربي. واذا اتجهت اوروبا الى دعم وتأييد الحاجة الى برنامج مرن وسط الدول العربية، فإن ذلك سيؤدي الى تحسن فرص إحراز تقدم في عملية السلام.
لذا فإن هناك ثلاث مهام أمام الدبلوماسية الاميركية، اولها تطبيق المسائل المتعلقة بالموقف التفاوضي كما حددها الرئيس. وتتخلص المهمة الثانية في ضرورة السعي الى تكليف حلفاء الولايات المتحدة في اوروبا بالترويج لهذه النتيجة الايجابية وسط دول العالم العربي. ثالثا واخيرا، تشجيع مجموعة من الدول العربية المعتدلة للاضطلاع بمسؤولية التفاوض والتطبيق المتعلق بالجانب العربي.
توضيح المزيد من الشرح والتفاصيل بشأن العملية التفاوضية، يتطلب إلقاء نظرة اخرى الى تعويض اسرائيل بأراض مقابل المستوطنات التي ستبقى. لذا، فإن الافتراض الشائع حتى الآن، هو أن اسرائيل ستتنازل عن بعض الاراضي في صحراء النقب في الجنوب، اذ انه سيكون من الايجابي ان يتنازل الجانب الفلسطيني عن بعض الاراضي التي يقطنها فلسطينيون بالقرب من خط عام 1967 الفاصل على نحو يتفق عليه الطرفان.
هذا الاتجاه سيساعد على التغلب على أي معارضة مبكرة من أي من الجانبين. اسرائيل ربما تكون محجمة من جانبها ازاء تثبيت مبدأ ان بعض عرب اسرائيل يجب ان يعيشوا من الآن فصاعدا في الدولة الفلسطينية. عرب اسرائيل سيعرضون من جانبهم عن قبول مستويات المعيشة المتدنية، في البداية على الاقل، في الدولة الفلسطينية المنفصلة عن اسرائيل الاكثر ازدهارا. ثمة مشاكل من المحتمل ان تتفجر مستقبلا اذا لم يجر التعامل معها وحلها الآن. مسألة المحافظة على مستوى المعيشة في المناطق التي ستتحول الى السيطرة الفلسطينية سيتم التعامل معها بواسطة المجتمع الدولي، خصوصا اوروبا والولايات المتحدة.
حان الوقت لبذل جهد رئيسي ازاء عملية السلام في الشرق الاوسط، اذ ان العمل الاساسي الذي من المقرر ان يرتكز عليه هذا الجهد، يجب ان يبدأ الآن، إلا ان العقبة الاساسية هي جوهر القضية وليس العملية في حد ذاتها، فالأحداث الأخيرة وفرت فرصة نادرة لإحراز تقدم بارز تحت قيادة الولايات المتحدة.
*خدمة «تريبيون ميديا سيرفيسيز»
خاص بـ«الشرق الأوسط»