للوصاية وجوه كثيرة وللحرية وجه واحد

أكرم البني      الحياة     2004/05/9

من لوازم السيطرة في مجتمعاتنا أو من أسرار مهنة السيادة, تغذية الإحساس لدى الطرف المسود بأنه قاصر أو دون سن الرشد, عاجز عن اتخاذ القرارات السليمة ويحتاج إلى راع لمصالحه أو وصي ينوب عنه في إدارة شؤونه العامة.

تنحو السلطة الوصائية أو الأبوية الى تعميم وعي زائف يخلق لدى الانسان شعوراً ملازماً بالدونية, وبأنه ضعيف وعاجز أمام نخب مسؤولة عنه وشخصيات كاريزمية هي موضع رعب وتهيّب كبيرين, وتتنكر هذه السلطة بدهياً لمفاهيم الاختلاف والتباين والنقد والمواجهة, لا مكان في دنياها لطرح الأسئلة أو إبداء الشك والريبة لأن ذلك يعني أن العقل يعمل والوصي لا يريد للعقل أن يعمل, كما لا مجال لإظهار أي امتعاض أو استنكار أو رفض, لأنه يكشف عن بقايا دور وإرادة يفترض أن يزولا, ما يقود في النهاية الى تسطيح الأدمغة وإشاعة اللاعقلانية في التفكير, والى قتل روح التجديد والمبادرة عند الناس ومباركة الخنوع والتسليم والرضا, والسخرية من جدوى أي فعل ايجابي لتحويل المجتمع الى كائن سلبي لا مبالٍ مفعم بالغرائز وأسير روح الاستهلاك والاستمتاع الرخيص أشبه ما يكون بقطيع صاغر من الماشية لاحول له ولا دور.

اتخذت الوصاية صوراً وأشكالاً شتى, تبعاً لتعدد محتوى الفكرة أو الهدف المجتمعي العام كالوطن أو القومية أو الدين أو الديموقراطية, الذي تدعي أنظمة أو قوى خارجية أو جماعات محلية حقها في ملكيته, فتعلن احتكارها له والوصاية عليه وتعيد صياغته, مفهومياً ومعرفياً, على قياس مصالحها وأغراض سلطانها.

يمكن أن ندرج هنا الدعوات التي يتواتر إعلانها من واشنطن لنشر الديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط تحت ادعاء تخليص الشعوب من اضطهاد حكامها. وثمة شكل ثانٍ لوصاية خطيرة يتجلى في احتكار بعض الجماعات المحلية لقيم الإيمان والهوية والمعتقدات الدينية.

وهناك احتكار الدين. فقرن الموقف من الانسان بهوية أحادية تخيّره بين حدين, مسلم أو كافر, وبضوابط صارمة في حدود المحرّم والمحلل, أودى بالمجتمعات العربية والإسلامية الى بؤرة التشرذم والتصادم. أما السلطات والأنظمة العربية فخير من أتقن فن الوصاية وأبدع فيه, فتوسلت القضية الفلسطينية أولاً وذريعة الحفاظ على السيادة والاستقلال ودرء الأخطار الخارجية ثانياً, لتنصّب من نفسها مسؤولاً وحيداً عن إدارة شؤون الوطن واحتكار الحق في التصرف باسمه معتبرة أي مبادرة بخلاف ذلك هي خروج عن الطاعة أو طعن بالمقدس الوطني تستحق أشد عقاب.

ولا تستقيم الوصاية على الوطن إلا بوصاية من نوع آخر, غرضها الاستيلاء على الاقتصاد والناس والتصرف بثروات المجتمع. لكن اللافت اليوم ما يعانيه السلوك الأبوي والوصائي من حالة انكشاف واضطراب ربما من جراء احتدام تنافس الأوصياء على السيادة والسيطرة, أو لعل السبب يعود الى ارتقاء وعي البشر.

لكن المقاومة الجدية للروح الوصائية وآليات الخضوع أياً كانت أشكالها, تستدعي تعميم ثقافة تحررية يكون الانسان مركزها وغايتها, تبدأ بكشف أوجاعه وهمومه وتعرية ما يعيقه أو يكبله من قيود, وتمتد في منظورها المجتمعي نحو نصرة الحريات وحقوق الانسان واحترام الكفاءات وتطوير المؤسسات المدنية على أمل فتح كوة في الجدار المصطنع بين المجتمع والسياسة تؤدي في نهاية المطاف الى إرساء مناخ صحي يثق بالناس ويمنحهم فرصتهم الطبيعية من الأمان والحرية.