دروس من حدث... لم يحدث.. سمير قصير..النهار

 

ليس من عادة العرب ان يستخلصوا بسرعة الدروس الملائمة من الاحداث. فكم بالحري من "حدث... لم يحدث" كالذي حدث (ام انه لم يحدث؟) في حي المزة على ابواب دمشق؟

لنتفق: لا ريب في ان شيئاً ما حدث في المزة، فأوقع ضحايا وادى الى حرق طبقات من مبنى مهجور يعرف كل دمشقي انه مهجور. ولعل الايام الآتية سوف تقول لنا طبيعة هذا الشيء او لا تقول. لكن الدروس التي يجب استخلاصها هي من الحدث الذي لم يحدث، وان قيل انه حدث. عنينا "الاعتداء الارهابي المرتبط بشبكة "القاعدة" والذي اثبت ان سوريا هي ايضاً دولة مستهدفة من الارهابيين"، بحسب المنطق الذي ردده ناطقون غير رسميين باسم السلطة السورية، ونقلته التلفزيونات الفضائية العربية، وعلّق عليه من دون ان يرف لهم جفن شتى المحللين.

الدرس الاول يبعث على الاطمئنان، وهو ان اي أذية قد تتعرض لها سوريا، لا سمح الله، لن تمضي خلسة. ففي عصر الفضائيات والهاتف الخليوي، بات مستحيلاً ان تُسمع زخّة رصاص في زقاق دمشقي الا وتكون اصداؤها قد وصلت الى التلفزيونات الفضائية.

الدرس الثاني، ان انباء زخّة الرصاص سوف تصل بالضرورة مضخّمة مشوّهة، كما تبين في تلك السهرة التلفزيونية. اذ اختلطت الغيرة العربية على الاستقرار السوري بالحاجة المهنية الى "تعبئة الهواء"، على ما يقال في لغة التلفزيون، لتنتج ساعتين من الهلوسة الصحافية. واذا كانت "الجزيرة"، على غير عادتها، اكتفت بدايةً بالحد الادنى من "النبأ العاجل" وبمقابلة مع ناطق غير رسمي لكنه مأذون (وكأنها اشتمّت ان لا علاقة لبن لادن بالامر، ولا حاجة تالياً لتحريك احمد منصور)، فان "العربية" تكفلت بتلوين عاجلها (التي سبقت به "الجزيرة") بصبغة الحرب الارهابية، فسارعت الى ربط ما كان يُروى عن المزة بالاعتداءات الحاصلة اخيراً في السعودية.

وزاد من الطابع الدراماتيكي لـ"تغطية" قناة "العربية" ان المذيعة المناوبة ذلك المساء هي نفسها سورية، مما انعكس لا شعورياً على نبرة صوتها. غير ان القضية لا تكمن في هوية المذيعة، ولا سيما ان الزميلة زينة يازجي من افضل مقدمي الاخبار في التلفزيونات العربية. القضية هي في "التغطية" المباشرة، وقد رأينا مفاعيلها سابقاً على شاشات اجنبية، وفي الطريقة التي تعمل بها غرف الاخبار في التلفزيونات عندما تتقرر "تعبئة الهواء" لمتابعة تطورات ساخنة. اذ تروح الغرفة الاخبارية تتدخل في النشرة بوتيرة متسارعة متسرّعة، فتنقل الى المذيع او المذيعة الاخبار او ما يشبهها مباشرة من دون اي تمحيص وتزوده او تزودها الاسئلة المبنية على شذرات معلومات. وهكذا مضت السهرة حتى وصلنا الى حالة سوريالية بلغت اوجها حين سئل محلل سياسي موجود على بعد خمسين كيلومتراً من مكان الحدث المفترض (وفي دولة اخرى، وان شقيقة ومتلازمة) اذا كان يؤكد حصول شيء لا يعرف عنه الا ما نقله له منه التلفزيون!

كفى "ثقل دم" على الزملاء، فلضرورة العجلة احكام، ثم ان عذرهم معهم بوجود اعلام سوري رسمي بهذا المستوى من الصدقية والشفافية. وهنا الدرس الثالث. فما حصل مساء الثلثاء يمكن اعتباره افتضاحاً لهذا "الاعلام السوري"، الذي فقد البوصلة منذ اللحظة الاولى، وتحديداً منذ ظهور الدكتور عماد فوزي الشعيبي، ناصر قنديل دمشق، على شاشة "الجزيرة". فقد نجح الناطق المأذون، وان غير الرسمي، بلسان السلطة السورية في ان يضفي على الانباء، وفي الآن نفسه، طابعاً دراماتيكياً جاء من ربطه المزة بالحملة الارهابية التي تستهدف دولاً عربية اخرى، ومسحة من اللاصدقية انتجها خطابه المعلّب الذي بدا كأنه جاهز منذ ما قبل الحدث. وازداد الطابع الدراماتيكي ومعه اللاصدقية مع كلام السفير السوري في واشنطن الى الـ"سي.ان.ان"، المستعجل في تقديم دولته بصفتها ضحية الارهاب كغيرها، ثم مع اداء وكالة "سانا" الفريد.

لا يتوقع احد، ان في سوريا او خارجها، ان تنطق "سانا" الحقيقة. لكن احداً لم يتوقع منها ايضاً ان تتخبط بهذه الطريقة، فيصل بها الامر الى حد بث اخبار لا تلبث ان تسحبها. ولعل اقصى التخبط كان في استخدام "سانا" كلمة "سحب" وكأنه يمكن سحب خبر. بالكاد يمكن تكذيبه. وكأن الخبر تعميم عسكري، ولعله كذلك عند "سانا" و"الاعلام السوري" عموماً. او هكذا كان حتى مساء الثلثاء الماضي. فما قيل وما حدث ذلك المساء، ناهيك بما لم يحدث، يدفع الى التساؤل عما اذا كانت السلطة السورية تستطيع الاستمرار بهذا النوع من الاعلام فيما هي لا تستطيع ان تمنع الخبر، اي خبر، من الانتشار، والناس من التحقق من صحته.

ذاك هو الدرس الرابع: ثمة من يسعى الى التحقق مما تقوله سوريا الرسمية عما يجري في اراضيها. ليس المقصود بذلك "ثقلاء الدم" من الصحافيين السوريين واللبنانيين المستقلين الذين شككوا بالروايات الرسمية (يجوز استعمال الجمع بسبب ما سبق)، فـ"الاعلام السوري" لا يزال يستطيع ان يقف في وجه هؤلاء حاجزاً منيعاً. المقصود هو الادارة الاميركية، وهي ابرز المعنيين بالرسائل التي اطلقها "الاعلام السوري" مساء الثلثاء (الى جانب الدول العربية الاخرى المستهدفة بالارهاب). فها هي واشنطن ترد بانها لم تقتنع بالرواية السورية، وفي ذلك رسالتان: الاولى انها لا تقتنع بسهولة باخبار "سانا" ومصادرها المسؤولة، وهذا متوقع، والثانية انها تملك معلوماتها الخاصة عن سوريا.  

اميركا تملك معلوماتها، اما المواطن العادي، فماذا عساه يفعل ليطمئن؟ ليس امامه سوى البحث عن جواب شافٍ في التصريحات المقبلة للمسؤولين السوريين. قد ينتظر مثلاً ظهور الرئيس بشار الاسد غداً على شاشة "الجزيرة"، ولكن عبثاً، فالمقابلة اجريت قبل الحدث. وهنا الدرس الخامس: لا يمكن ان يستمر الرئيس بشار الاسد في اعطاء مقابلات معلّبة ومسجلة قبل البث بأيام. فاذا كانت سوريا قد دخلت دائرة الاستهداف، سواء أكان الاستهداف الارهابي أم الاستهداف الاميركي، واذا كان لا يمكن التعويل على "الاعلام السوري"، فقد صار لزاماً على الرئيس نفسه ان يواكب الاحداث واللا-احداث على حد سواء، فلا يبدو خطابه عتيقاً، كما يحصل مع الناطقين الرسميين وغير الرسميين. فلو كانت مقابلة الرئيس مباشرة، لكان الصحافي الذي يجريها سيسأله بالضرورة عن الاخطار التي تتهدد سوريا في ضوء ما حدث في سهرة الثلثاء وما لم يحدث، وعن التهديد للامن القومي الذي يمكن ان يتأتى من مثل هذه الاحداث، وايضاً من تضخيمها.

الدرس السادس هو تحديداً ما يتعلق بهذا الامن القومي، والدرس يطول الاعلام بمقدار ما يطول القضاء، وكلاهما في سوريا ممسوك بالامن وهاجسه. اما الدرس، فهو يتصل بالاولويات العجيبة لاجهزة المخابرات التي تستنفد وقتها في مراقبة الناس، حتى اذا غفلت عن اختراق امني، مهما يكن صغيراً، لم تعد تعرف الا تضخيمه بعد حصوله. بمزيد من التدقيق، الدرس هو ان الامن يتهدد بالسلاح، لا بالكلام والعرائض والمنتديات والاعتصامات.

لا تكرهوا شيئاً... بعد ما حدث وما لم يحدث، كيف ستجرؤ السلطة السورية على محاكمة اكثم النعيسة بسبب نشاطه في سبيل حقوق الانسان؟ وكيف تستمر في اعتقالها عارف دليلة ورياض سيف ومأمون الحمصي ورفاقهم؟

ليست هذه الدروس هيّنة على السلطة السورية. ولكن هناك لحسن حظها درس سابع واخير قد تجد فيه بعض العزاء، هو ان محاسيبها في لبنان لا يشذون، حتى في عز الخطر، عن وفائهم الاعمى. متى استهلوا المعزوفة، لا شيء يوقفهم، وقد يستمرون هكذا في التنديد حتى يكون السوريون انفسهم نسوا ما حدث وان لم ينسوا ما لم يحدث.

بئس العزاء.

سمير قصير

النهار"

الجمعة 30 نيسان 2004