بداية النهاية.. الياس خوري.. القدس العربي

 

 

 

يعيش اليمين الامريكي الحاكم حالة من الالتباس الهذياني. السياسة تتحول الي لغة محمومة لا قوام لها، وخطاب الغزو، الذي صنعه امراء الظلام في البنتاغون، يتداعي مع تداعي الحصار علي الفلوجة.
بعد عام واحد علي احتلال العراق، تنكشف الخدعة كلها. الامبراطورية لا تملك مشروعا جديا لحكم العالم العربي واحتلاله. فالمبررات الايديولوجية للغزو، مأخوذة كلها من فتات الخطاب الاستشراقي، وبقايا فكر عنصري اعتقد انه يستطيع تجديد نفسه عبر تبني الايديولوجية الليكودية. والنتيجة فاقعة ومدوية: الفشل والجريمة.
سوف نسامحهم بأسلحة الدمار الشامل التي لا وجود لها، ونذهب الي منطقهم نفسه. جاءوا من اجل احلال الديمقراطية واسقاط الديكتاتورية في المشرق العربي.
هذا ما بشرنا به السيد فؤاد عجمي، ورقص له طربا السيد كنعان مكية وهو يستمع الي اصوات القنابل في وصفها موسيقي الحرية. قلنا اهلا وسهلا بالديمقراطية ولكن كيف؟
قالوا الجلبي، قلنا مبروك. نصحهم الجلبي بحل الجيش العراقي وتحطيم ما تبقي من الدولة. فنفذوا النصيحة ودفعوا ثمنها، فالجلبي ومؤتمره الوطني هو اول مرشح للرئاسة يعلن انه يقبض من البنتاغون لقاء خدماته الاستخباراتية.
قالوا الدستور، قلنا عظيم. فاعطونا دستورا هو بداية التقسيم. وتباهوا بحقوق النساء، وحقوق الاقليات. قلنا يا مرحبا، ولكن هذا المجلس الحاكم الذي نصّبته الدبابات لا يحكم. انه صورة. وغدا عندما ستنشأ اكبر سفارة في العالم، سوف نتذكر شعر خليل حاوي حين كتب: مارداً / عانيته يطلع/ من جيب السفير . هل يستقيم الدستور مع سفارة تحكم فوق الدستور؟
قالوا الزعران. يجب القضاء علي الزعران، قبل تسليم السلطة للعراقيين في اخر حزيران (يونيو)، اصدروا مذكرة توقيف بحق مقتدي الصدر، حاصروا النجف، ثم تقدموا لاحتلال الفلوجة. مجلس الحكم صامت كالموتي، والامريكيون يقصفون ويحاصرون مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثمئة الف نسمة. مئات القتلي والجرحي، ملعب كرة القدم يتحول الي مقبرة. وصار العراق كله من كركوك والموصل الي البصرة بلادا للزعران. فجأة اكتشف المحتلون ان الشعب العراقي ليس أهبل، وانه يعرف انهم قوة احتلال. من يحب الاحتلال؟ يطلقون علي انفسهم صفة الاحتلال ويريدون من العراقيين ان يحبوهم. ويرتفع السؤال، لماذا يكرهوننا؟ وعندما نقول لهم حلّوا عنا، يصابون بالدهشة. فلقد جلبوا لنا الحرية والرفاهية، وعلينا ان نموت ونحن نبتسم للحرية الفلوجية الامريكية؟
قالوا دولة القانون، وظهرت حقيقة دولة القانون في سجن ابو غريب. السادية وقلة الحياء، واحتقار الانسان. ثم يعلن السيد جورج دبليو بوش انه ممتعض. القائد الاعلي للجيش الامريكي يعلن امتعاضه من تصرفات جنوده وجندياته، بدل ان يعتذر ويشعر بالخجل، وينحني امام العار الذي يكلل رأسه.
الاحتلال يتداعي.
اليوم اكتشفوا الامم المتحدة، ولجأوا الي الاخضر الابراهيمي. وعندما استمعوا الي تصريحه الذي ينتقد السياسة الاسرائيلية التي تسمم المنطقة، اصيبوا بالوجوم.
اي تعبير عن الحقيقة يصيبهم بالهلع، الحقيقة يجب ان تبقي مغطاة بكذبتهم عن انفسهم، وباقتناعاتهم بأفكار سفيهة، وجدوا في بعض تلامذة برنار لويس من العرب المتأمركين من يسوّغها لهم، ويتاجر بها.
العصر الجلبي ـ الوولفيتزي ـ الرامسفيلدي، يتداعي في شكل مضحك. لقد عجزوا عن احتلال الفلوجة، واكتشفوا انهم يستطيعون تدمير المدينة الصغيرة لكنهم لا يستطيعون البقاء فيها، هي هي استراتيجية الصدمة والرعب. انها قائمة علي تخويف الاخر وجعله عاجزا عن الحركة. اما اذا لم يخف، او اذا قام الاحتلال باستهلاك الخوف بالخوف، عندها تفرط المسألة، وينهار الوهم.
المخيف ان صناع السياسة الامريكية في هذا الزمن، ليسوا حمقي فقط، بل يستحمقون الاخرين وهذا يعني ان فشل سياسة التخويف قد يقود الي تدمير كل شيء. اي ان المشروع الامريكي في العراق، قد لا يقود الا الي تفتيت العراق، واغراق المنطقة في نار الحروب الاهلية.
قد يكون هذا هو الهدف المستتر من الحرب. فالليكوديون لا يريدون سوي تدمير العالم العربي. وهم يعتقدون ان احراق المنطقة واغراقها في الدم، سوف ينقذ اسرائيل من مآزق الاحتلال، ويجعل العالم العربي عاجزا عن مواجهة الشراهة الاسرائيلية التي لا حدود لها.
وهنا يكمن الخطر.
الخطر لا يتجسد في كون الحروب الاهلية تخلّص اسرائيل. هذا ليس صحيحا. فلقد اثبتت التجربة اللبنانية ان مقاومة الاحتلال تستمر حتي في اسوأ لحظات الحرب الاهلية. المسألة ان هذه الحرب باهظة التكاليف وعبثية وحمقاء. فالتجربة اللبنانية يجب ان تكون قد علمت جميع العرب، ان الحرب الاهلية خط احمر، لا يحق لأحد، ومهما كانت الاسباب، تجاوزه.
السياسة البوشية الخرقاء في العراق، يجب ان تنهزم وتتراجع. اذ ان منطق امراء الظلام في البنتاغون قائم علي استسهال الحروب، وافتراض انها بلا ثمن و/او ان الثمن لا يدفعه الامريكيون.
العراق، بعد سنة واحدة من الاحتلال، اثبت ان هذه النظرية لا اساس لها من الصحة. الذي يريد ان يحتل عليه ان يدفع ثمنا باهظا، وانتصاره ليس مضمونا.
امريكا تستطيع تدمير اي جيش في العالم، فكيف بالجيش العراقي الخارج من كارثة عاصفة الصحراء ، ومن الحصار الطويل، والذي كبّل بنظام قمعي ديكتاتوري لا يرحم. لكن امريكا لا تستطيع ان تحتل، او ان تتستر بعملاء صغار، وبأشباه مثقفين عماهم الحقد والغباء.
الاحتلال بدأ يترنح، وهذا لا يعني ان المعركة انتهت. انها لا تزال في بداياتها، وعلي الذيل الاسرائيلي ان ينظر ويري مصير الاحتلال، قبل فوات الأوان.