طريق "المحافظين الجدد" لكريستول وكابلان..

بغداد من محطة أولى الى محطة... أخيرة

غسان العزي

 

عندما يكتب وليم كريستول ولورانس كابلان فانهما يعبران عن وجهة نظر صانعي القرار في ادارة بوش الحالية والذين يطلق عليهم اسم "المحافظون الجدد" رغم أن أفكارهم ورؤيتهم للعالم تعطيهم بجدارة صفة "الثوريين الجدد" لأنهم يؤيدون استخدام كل الوسائل الممكنة ومنها القوة العسكرية المعراة تحت غطاء الشرعية والقانون الدوليين أو من دونهما وسواء بمشاركة  الحلفاء أو تأييدهم أو من دونهما. من أجل احداث ثورة حقيقية تقلب العالم رأسا على عقب ولمرة واحدة نهائية لمصلحة الولايات المتحدة. القوة الأعظم أو الخارقة  hyperكما يصفها أوبير فيدرين.

في كتابهما الأخير "طريقنا تبدأ في بغداد"(*) يقول كريستول وكابلان: "كان من الأساسي تحرير العراق وأنفسنا من التهديد الذي كان يمثله صدام حسين. ونعتقد بأن المبادىء التي دفعت ادارة بوش في هذا الطريق يجب أن تقود بشكل أوسع كل سياساتنا الخارجية". اذن هناك إصرار على أن صدام حسين كان يمثل تهديدا للولايات المتحدة رغم انكشاف زور هذا "التهديد" (لا أسلحة دمار شامل ولا علاقة بالقاعدة) وتأكيد على أن الحرب على العراق هي "الباراديغم" الجديد للسياسة الخارجية الأميركية التي "تهدف في الحقيقة الى إعادة صوغ النظام العالمي تحت زعامة واحدة وحيدة لا جدال حولها منها تنبع القيم وتنبعث التوجهات ليس لخير القوة الأحظم وحدها ولكن لخير هذا العالم الذي تتزعمه" على ما يقول الكاتبان.

لقد انتهت الحرب الباردة في وقت كانت تحكم الادارة الأميركية ايديولوجيا "الواقعية السياسية" التي ترى الى السياسة الخارجية من منظار المصلحة الوطنية الحيوية فحسب وليس المبادىء والمثاليات. وبتأثير من المرشد الأكاديمي للواقعية السياسية هانس مورغانثو الذي كان يعتبر أن"من غير الأخلاقي فرض قيمنا على الآخرين" سعت ادارة بوش الأب الى تأمين الاستقرار العالمي ولو على حساب القيم والمبادىء. وبذلك تمكنت من التأقلم جيدا مع ديكتاتوريات مثل ياروزلسكي في بولندا وصدام حسين في العراق - والذي لم تعمد الى اطاحته بعد تحرير الكويت - ومع أحداث "تيان آن مين" في الصين ومع الصربي ميلوسيفيتش. وماذا كانت النتيجة؟ مجازر في كل مكان من الصين الى يوغوسلافيا والبلقان والعراق وغيرها باسم "الأخلاقية" السياسية والاستقرار العالمي.

أما ادارة كلينتون دائما في نظر كريستول وكابلان فقد اتسمت بـ"ليبرالية وهمية" ترى في المجموعة الدولية ومؤسساتها المصدر الأساسي للشرعية الدولية، ولا تشعر بالارتياح ازاء سياسة القوة الأحادية، وتنزع الى تشجيع سياسة قائمة على الاغراء بالجزرة أكثر منها على التهديد بالعصا. هذا مغزى الاتفاقات الدولية المتعددة الطرف التي وقعتها في مجالات عديدة مثل نزع السلاح والصحة والبيئة والتجارة وغيرها. لقد تسلم أعضاء فريق الأمن القومي لادارة كلينتون مهماتهم وهم على اقتناع تام بحسنات "التعددية الدينامية" وهي عقيدة قائمة على استخدام القوة الأميركية باسم المجموعة الدولية أو بالتوافق معها على أقل تقدير. لكن الفشل الذريع الذي قاد الى مقتل العديد من الجنود الأميركيين في الصومال حيث وضع كلينتون قواته بتصرف الأمم المتحدة أفقد هذه العقيدة بريقها.

حتى الجمهوري الجنرال كولن باول الذي ساهم في الانتصار الأميركي في حرب الخليج الثانية لايسلم من انتقادات كريستول وكابلان اللاذعة.فقد أكد باول في "النيويورك تايمز" في 8/10/1992 أنه ينبغي عدم التدخل في البوسنة لأن للصراع هناك جذورا اثنية ودينية عمرها ألف عام، كذلك على أميركا ألا تساعد المتمردين العراقيين على نظام صدام حسين كي لاتجد نفسها منهمكة في اعادة ترتيب أوضاع في بلاد ما بين النهرين تعود الى ألفي عام من التاريخ.

واختار باول عندما صار وزيرا للخارجية مستشارا له لشؤون الشرق الأوسط ومديرا للتخطيط السياسي هو ريتشارد هاس الأكاديمي والكاتب السياسي المعروف عالميا والذي يعيب عليه كريستول وكابلان قوله"ان النظام أكثر أهمية من العدالة (...) وبالتالي حتى لو افترضنا بأن العالم سيكون أفضل من دون صدام حسين فان جعل خلعه من الحكم هدفا أميركيا معلنا هو خطأ جسيم أيضا".وقد حاول باول وفريقه في الخارجية ليس فقط منع الادارة من اقرار الهجوم على العراق عملا بخطة بول وولفوفيتز الموضوعة منذ زمن طويل ولكنه راح يسعى لتخفيف العقوبات عن العراق تمهيدا لرفعها تماما في وقت لاحق بذريعة" التخفيف من آلام الشعب العراقي ومن الانتقادات الموجهة للولايات المتحدة".

غيظُ كريستول وكابلان حيال هذه السياسات "المتساهلة جدا" لم يُشفِ غليله الا أحداث 11 أيلول 2001 التي قلبت الأمور راساً على عقب فأضعفت تأثير باول على البيت الأبيض ليحل محله وبقوة كبيرة نفوذ الكاتبين وغيرهم من"صقور" الادارة. لقد بات هؤلاء قادرين على وضع مخططاتهم القديمة المتجددة موضع التنفيذ خصوصا في الشرق الأوسط والعراق حال الانتهاء من غزو أفغانستان.

وبدأ تطبيق ما يسميه هؤلاء "العالمية على الطريقة الأميركية" وهي فلسفة نابعة من "الاستثناء الأميركي" والايمان بفرادة وفضيلة النظام السياسي الذي  من منظار السياسة الخارجية يجعل من الولايات المتحدة نموذجا للعالم. وهذا ما يعبر عنه المؤرخ الأميركي روبرت توكر الذي يستشهدبه كريستول وكابلان: "منذ بداية وجودنا كأمة كان لدينا الاقتناع بأن أمننا وحياتنا مرادفان لأمن العالم وحياته وحريته". هذه "العالمية الأميركية الطابع" تجاهد لكي تجمع ما بين العناصر الأكثر ايجابية في الواقعية وفي الليبرالية.وهذه الرؤية ليست من اختراع الادارة الحالية اذ بدأ عصرها الذهبي مع هاري ترومان الذي وعد في عام 1947 "بمساعدة الشعوب الحرة على صناعة مستقبلها بأيديها". [للتذكير فقط ترومان هو الذي ألقى القنبلتين النوويتين على اليابان  في عام 1945] وبعده لجأ كينيدي وريغان الى هذه "العالمية" عبر مزاوجة القوة والمثاليات الأميركية في السياسة الخارجية.وقد تعرضت هذه"العالمية" الى نكسة قوية في فيتنام وراحت تتراجع بفعل"عقدة فيتنام" التي استمرت في السيطرة على الأذهان. وكان لابد من الذهاب الى العراق للتخلص منها كما يرتئي الكاتبان.

والعراق هو أحد الأهداف الاستراتيجية لادارة بوش الابن، لماذا؟ لأن "المجتمعات المنفتحة لا تلجأ الى العنف والغزو ولا تهدد العالم بالقتل الجماعي". ويضيف الكاتبان بأن هذا التأكيد ليس مجرد موقف أخلاقي ولكنه الحقيقة بعينها ذلك انه بقدر ما يكون العالم ديموقراطيا بقدر ما يكون مؤيداً للولايات المتحدة ومتفقا معها. لذلك على هذه الأخيرة أن تسارع الى تحقيق هدفين في الوقت نفسه: بناء نظام دولي ملائم للمصالح والمبادىء الأميركية ومحاربة كل خطر يتهدد عملية البناء هذه وبكل الوسائل المتاحة.

العراق هو المحطة الأولى في هذا السبيل كما يقول عنوان الكتاب الذي لا يخبرنا الكثير عن المحطات المتبقية. لكن صفحاته المخصصة لاعادة تشكيل الشرق الأوسط(صفات مثل الجديد أو الكبير أو الأكبر التي وردت في المشاريع الأميركية المعلنة منذ حوالي العقد غائبة تماما عن الكتاب) تشي بالأهداف المقبلة والتي في الحقيقة لم تعد سرا على أحد. وهنا لا يأتي الكتاب بشيء جديد خارج ما بات مألوفا ومبتذلا لكثرة ما تناولته أقلام القريبين من الادارة على غرار: النموذج الديموقراطي العراقي الجديد المتحالف مع الديموقراطيتين التركية والاسرائيلية والضاغط على الأنظمة الاستبدادية في ايران وسوريا والسعودية ونظرية الدومينو والتبادل الحر الواسع والنهاية التلقائية للصراع العربي - الاسرائيلي بعد أن يعي العرب والمسلمون أنهم كانوا على ضلال...الخ.

اللافت في الكتاب أنه يساند الرأي القائل أن الاسلام لايتعارض مطلقا مع الديموقراطية الغربية وأن العرب مؤهلون لخوض غمارها. وهو هنا يتمايز قليلا مع كتابات محافظين آخرين(مثل ديفيد فروم وريتشارد بيرل مثلا في كتابهما الأخير) تنبعث منها روائح عنصرية كريهة حيال العرب والمسلمين وتذهب في تطرفها الى درجة يبدو معها ارييل شارون مثلا (الذي وصفه بوش برجل السلام) من الحمائم المغالين في حمائميتهـم.

أهمية الكتاب ليست في تعريف القارىء بأفكار النافذين في ادارة بوش الحالية فأفكارهم باتت معروفة للعامة والخاصة. أهميته أنه بعد عام على احتلال بغداد المحطة الأولى في طريق المحافظين الجدد يدفع القارىء للاقتناع أنها ستكون المحطة الأخيرة والتي ينبغي البحث عن سبيل للانسحاب منها. يستشهد الكتاب كثيرا بتصريحات وتحليلات للمعارضين لغزو العراق وذلك بأسلوب يغلب عليه الاستهزاء والتهكم الأمر الذي يدفع القارىء للتعاطف معها خصوصا أن مجريات الأحداث تثبت حسن بصيرتها. انه كتاب يشبه أصحابه وينتج عكس المتوخى تماما كما تفعل الادارة التي تعمل بتوجيهات الفريق الذي ينتمي اليه كاتباه.