نظام البعث.. واحد من سبعة خاسرين في العراق ..عبد الإله بلقزيز.. النهار

 

 

بعد عام على اعلان جورج بوش نهاية العمليات العسكرية في العراق، في مطلع أيار ،2003 لا يبدو أن طرفاً من الاطراف التي شاركت في الحرب: بالقتال او بالدعم المادي او بالمعارضة السياسية، كسبها. ليس هناك من منتصر بالمعنى الدقيق للكلمة; لكن الخسارة متفاوتة الاقساط بين الجميع. ولعلها من الحروب النادرة التي يخرج منها المشاركون مهزومين جميعاً على تفاوت في مقادير الهزيمة، وقد يبدو الاقل خسارة منتصراً او تحمل حاله على الانطباع بأنه منتصر:

اول الخاسرين نظام "حزب البعث" الذي فقد السلطة، وحزبه الذي خرج من الحياة السياسية بموجب سياسة الاستئصال التي نهجها الاحتلال والمتعاونون معه. لم يستطيع نظام الرئيس صدام حسين أن يدافع عن نفسه، وما كان له أن يفعل ذلك امام آلة حربية متطورة وبعد إنهاك شديد وطويل المدى لقدراته العسكرية والاقتصادية: بالعدوان المتكرر، والحصار القاتل، ثم بالتفتيش الدولي الذي دمّر مخزونات السلاح الاستراتيجي. اما الحزب، الذي دُفّع ثمن سياسات أجهزة نظامه، فقد كان عليه أن يُمحى من الخريطة السياسية حتى يستقر الاحتلال، وحتى يتنفّذ من جيء بهم واجهة سياسية عراقية له.

وثاني الخاسرين كيان العراق الوطني، الموروث عن حقبة الاستقلال، والوحدة الوطنية بين ابنائه على اختلاف منابتهم وتنوّع مشاربهم، والامن الاجتماعي والاستقرار السياسي فيه. لم تُسقط الغزوة الكولونيالية الاميركية - البريطانية نظاماً سياسياً فحسب، وإنما ذهبت الى إسقاط الدولة العراقية نفسها، وتدمير أسسها واركانها ومقومات وجودها. ولقد كان واضحاً تماماً أن إسقاط النظام أتى ممراً الى تفكيك الدولة والكيان، وتمزيق نسيج المجتمع والوحدة الوطنية، من خلال تفجير بنيته الاجتماعية واطلاق انقساماته الاهلية، وتظهير التكوينات الاجتماعية العصبوية، والعودة بالعراق من المجتمع الوطني الموحّد الى مجتمع الملل والنّحل والاعراق والقبائل والعشائر والبطون والافخاد... الخ! يرافق ذلك تدمير ممنهج لبُنى الحياة التحتية: الاقتصادية والخدمية، وللبيئة، وتشريد عام لمئات الآلاف من العائلات التي فُصل اربابها عن العمل، وقتل جماعيّ لعشرات الآلاف من العراقيين: أثناء الحرب وبعد الاحتلال. والنتيجة ان العراق أضحى بلداً دون دولة او نظام، وانهار الأمن الاجتماعي فيه، وتجمعت في أفقه نُذر صدامات أهلية واسعة: اتنية او طائفية او مذهبية، وانفتحت احتمالات التطويح بكيانه الوطني او هندسة ذلك الكيان هندسة سياسية، بل قل هندسة أنثروبو-سياسية، يفقد فيها الجوامع بين فئاته ومناطقه! وثالث الخاسرين الوطن العربي: دولاً ومجتمعات، نظماً وشعوباً. فالى أن العرب خسروا دولة كبيرة ورئيسة في نظامهم الجماعي، وخسروا قدرتها الدفاعية التي كانت في رصيد الامن القومي، أتى الاحتلال يتخذ من العراق موطئ قدم استراتيجياً يهدّد منه أمن سائر البلدان العربية خاصة سوريا ولبنان والسعودية ومصر، مثلما أتى يُخرج العراق من قضايا الصراع العربي - الصهيوني مكرّساً أكثر فأكثر الاختلال في التوازن العسكري بين الدول العربية واسرائيل. واذا كانت دول عربية معينة (خاصة من دول الخليج) - استضافت قوات الغزو ووضعت أراضيها وقواعدها ومياهها تحت تصرفه - قد استبشرت بإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، فإن أحداً لن يحميها من الاملاءات الاميركية الفادحة نتائجاً على سيادتها ومقدّراتها واستقرار نظمها، ولا من التهديد الايراني لها: الذي تعاظمت احتمالاته مع تمدّد النفوذ الايراني في العراق وعودة المحافظين الى السلطة في طهران وبداية تململ الكتلة الشعبية الشيعية في بعض الخليج في أعقاب تنامي المدّ الاسلامي الشيعي في العراق.

ورابع الخاسرين ايران. ومن علائم خساراتها أن سياسة الحياد التي اتخذتها حيال حرب "الشيطان الاكبر" على العراق لم تُعط ايران شيئاً مهماً من قبيل دور سياسي ما في العراق او حصة ما في مستقبله السياسي. ورغم الخدمات التي أسدتها للادارة الاميركية من نوع إقناع حلفائها داخل العراق بالتعامل مع سلطة الاحتلال والمشاركة في المؤسسات التي أفرزها ذلك الاحتلال، والتبكير بالاعتراف في "مجلس الحكم الانتقالي"، الا أن ايران لم تحصل من اميركا سوى على رأس تنظيم "مجاهدين خلق". مقابل ذلك، صار عليها أن تقدم برنامجها النووي لحفظ عرشها، وأن تواجه وضعاً استراتيجياً جديداً وخطيراً هو وجود أكبر جيش في العالم على حدودها. والى ذلك كله، خسرت ايران صدقيتها في الوطن العربي، وحتى لدى قسم كبير من الحركة الاسلامية، بعد أن تبيّنت الحدود المتواضعة لمضمون الدولة الاسلامية - و"جهاديتها" - والحدود اللانهائية لنزعتها القومية الفارسية التي اعتقد كثيرون، عن جهالة، ان "الثورة الاسلامية" أطفأت جذوتها (التي ما زالت تشتعل حتى اليوم في عيد النيروز)!

وخامس الخاسرين تركيا التي أنتج الاحتلال الاميركي للعراق حقيقة اقليمية جديدة تهدّد كيانها في الصميم هي صعود الفكرة الاستقلالية الكردية على حدودها الجنوبية الشرقية. وتركيا التي لم تكن لتتحمّل اتفاق الحكم الذاتي - الموقّع بين نظام البعث والقيادات الكردية في السابق - وتدخلت أكثر من مرة في شمال العراق، كيف سيكون لها أن تتحمل نظام فيديرالية كردية تعرف أنها المدخل السياسي الى قيام دولة كردية في الشمال العراقي، والمدخل الى إثارة المطالب القومية في داخلها التركي: هي التي لا تكاد تعترف بوجود أكراد غير أتراك الجبل!

وسادس الخاسرين الأمم المتحدة والقانون الدولي. جرت الحرب بغير موافقة مجلس الامن وبرفض شبه جماعي من دول العالم الاعضاء في الأمم المتحدة، وعلى نحو جرى فيه انتهاك القانون الدولي انتهاكاً صارخاً وتحدي الارادة الدولية وحرمة مؤسساتها. واليوم اذ فقدت الأمم المتحدة صدقيتها الدولية في امتحان الحرب على العراق، وخاصة بعد أن اعترفت عملياً بالاحتلال في القرار 1483 وبالمؤسسات غير الشرعية التي أنتجها مثل "مجلس الحكم الانتقالي"، تتسوّل دوراً سياسياً ما في العراق يعيد اليها بعض السلطان الرمزي الذي مرّغته الادارة الاميركية في الوحل. ومن نافل القول أنه دور لن يعيد اليها هيبتها ولا صدقيتها كمنظمة لم تعد تستطيع الدفاع عن سلطتها وعن حرمة القانون الدولي، ولم تعد تتعامل مع الولايات المتحدة كدولة عضو فيها، بل بات كل ما تستطيع أن تتطلع اليه من ادوار هو ان تكون شريكاً من شركاء اميركا في حروبها (يوغوسلافيا، افغانستان) او في ادارتها السياسية للبلد الذي تحتله (العراق) او في الملفات السياسية التي تحتكر معالجتها (قضية فلسطين والصراع العربي - الاسرائيلي...)!

اما سابع الخاسرين، فالولايات المتحدة نفسها. كسبت جولة في الحرب ضد الجيش العراقي أدخلتها الى عاصمة العراق، لكنها لا تزال تنزف - اليوم - في حرب شوارع طاحنة يسقط لها فيها عشرات القتلى والجرحى كل يوم.

وما زال جيشها غير قادر على أن يستقر في الفلوجة او بعقوبة أوديالى، ولا أن يخرج ليلاً من مراكزه العسكرية المحصّنة في بغداد والموصل وسواهما. بل ها إن هذا الجيش الذي احتل البلد كله لا يقوى على اقتحام الفلوجة المحاصرة او استعمال مطار بغداد، وها هو يضطر الى استخدام الطائرات والدبابات في مواجهة المقاومة. ولو سلّم المرء بأرقامه التي يُعلن، فيكفيه أن يعرف ان معدل عمليات المقاومة اليومي لا يقل عن 26 عملية (وكان قد بلغ 45 عملية يومياً باعتراف الاحتلال).

وليست خسارة اميركا عسكرية فحسب، بل اخلاقية - سياسية في الوقت نفسه. لقد انفضحت أزعومتها بامتلاك العراق اسلحة دمار شامل وبعلاقة بين نظامه وتنظيم "القاعدة" (وهي الازعومة التي بررت بها اميركا حربها). وهي اليوم تعترف بخلوّّ من تلك الاسلحة وبغياب أي دليل لديها على علاقته بـ"القاعدة".

والأهم من ذلك كله أن اميركا خسرت أهدافها السياسية من الحرب وأولها وأهمها السيطرة على نفط العراق، وإحكام القبضة على العراق للانتقال منه نحو استكمال مغامرتها في المنطقة العربية. إنها لا تستطيع - بعد عام على الاحتلال - أن تستخرج نفطاً من البلد او تؤمّن خطوة تدفّقه، ولا تستطيع أن توفّر الحد الادنى من الاستقرار في العراق، ولا ان تجد صيغة لنظام سياسي جديد فيه ادّعت بأنه سيكون "نموذجاً ديموقراطياً" في المنطقة; بل ها هي تخسر حتى القوى الاجتماعية والسياسية التي هادنتها طويلاً لتدفع بها موضوعياً نحو صف المقاومة. ثم إن رئيسها يغامر - نتيجة كل ذلك - بفقدان عرشه.

كاتب مغربي - أستاذ في جامعة الدار البيضاء