تحديات توسيع الاتحاد الاوروبي .. عادل الفقيه ..السفير

 

الحدث التاريخي الكبير الذي يشغل اوروبا اليوم، هو توحيد وتوسيع اوروبا من 15 دولة الى 25 دولة. خمس سنوات بعد مداولة وانتشار اليورو كعملة اوروبية، ونجاحها دوليا، فان مرحلة جديدة من التحديات والآمال تبدأ من الاول من ايار، وهي اندماج عشر دول جديدة الى الاتحاد الاوروبي.
ان الجاذبية الشديدة التي مارسها الاتحاد على الدول الاوروبية المجاورة، ادت خلال خمس مراحل تاريخية الى توسيعها الى دول اوروبية اخرى. بدأت اول مرحلة مع انضمام بريطانيا وايرلندا والدنمارك سنة 1973، وجاء دور اليونان سنة 1981، فيما لحقت اسبانيا والبرتغال الوحدة سنة 1986، وسنة 1990، اجتازت باب الوحدة الاوروبية، كل من فنلندا، السويد، والنمسا. أما اليوم فإن تاريخ الاول من ايار 2004، يتميز عن غيره من الاحداث بانه سيستقبل عشر دول اوروبية جديدة دفعة واحدة، وهذه الدول هي بولونيا، هنغاريا، الجمهورية التشيكية، سلوفاكيا وسلوفينيا واستونيا وليتوانيا ولاتفيا وقبرص ومالطا.
اذا كانت التحديات الناتجة عن هذا التوسيع كبيرة، فان الفوائد المنتظرة سوف تكون أكبر. ولكن التحدي الاستراتيجي سيكون فريدا من نوعه. ينطبق هذا على جيران اوروبا والعالم. ويتساءل المحللون عن تأثير هذا التوسيع على روسيا، ودول البحر المتوسط، وبالتالي على علاقاتها الدولية، وخاصة مع الولايات المتحدة.
وبالفعل، ينقسم المحللون الاوروبيون الى قسمين. القسم الاول، له وجهة نظر متشائمة، بان خطر هذا التوسيع يكمن في تحويل اوروبا الى منطقة تجارة حرة، ويعني ذلك تراجعا للوحدة الاوروبية. بينما يرى المتفائلون، أن هذا التوسيع فرصة تاريخية لتوحيد اوروبا، وسوف يحمل في المستقبل الاستقرار والنمو الاقتصادي لدول اوروبا والعالم.
أنجزت الدول العشر المنضمة الى الاتحاد جهودا ضخمة كي تنفذ الشروط اللازمة للدخول الى الاتحاد. ولكن هذه الجهود الضرورية أدت الى زيادة رقعة الاخطار والتحديات الاجتماعية. بالفعل، كان على هذه الدول ان تقوم باصلاحات في الهيكليات الاقتصادية والزراعية، وخفض كبير في ميزانية الشؤون الاجتماعية. يتبين هذا الوضع الاجتماعي، من خلال نسبة العمالة. وتشكو الدول المنضمة من نسبة بطالة أعلى من متوسط دول الاتحاد الاوروبي الذي يبلغ 8,8%. هذه النسبة تتراوح بين 13% وبين 19,2%. ولكن البطالة تضرب الشباب بنسبة هائلة، فتصل هذه السبة الى 41,5% في بولونيا، والى 38,9% في سلوفاكيا. لكن تجدر الاشارة الى ان نسبة النمو في هذه الدول المنضمة هي اعلى من باقي دول الاتحاد الاوروبي. ويرى بعض المحللين الاقتصاديين، انه من الطبيعي ان تزداد نسبة البطالة، في فترة يعاد فيها النظر في الهيكليات الاقتصادية. ولكن نسبة النمو المرتفعة، والقدرة التدريبية في الدول المنضمة الى الاتحاد الاوروبي، ستؤديان الى تخفيض نسبة البطالة.
استطاعت الدول المنضمة ان تنقل الى تشريعاتها حوالى 97% من النظم التشريعية التابعة للاتحاد الاوروبي. وتجدر الاشارة الى انه في معظم هذه الدول المنضمة، الحوار الاجتماعي غير موجود، وبالتالي فان الاتفاقات بين الهيئات العامة نادرة. هذا الوضع يدل على الصعوبات الاجتماعية الطويلة الامد، التي يجب ان تجتازها ايضا هذه الدول، وخاصة في نظام الحماية الاجتماعية، واحترام الأسس المتصلة بالصحة العامة في اماكن العمل.
يتبين مما تقدم، ان على الدول المنضمة ان تقطع شوطا طويلا في النمو وفي تطوير النظم الاجتماعية. هذا الوضع، بالاضافة الى ضغط الرأي العام، دفعا الى زيادة القلق، لدى دول الاتحاد الاوروبي الغنية، من تدفق العمال من الدول المنضمة. وبالفعل، اعلنت دولة بعد اخرى من دول الاتحاد الاوروبي، انها ستلجأ الى فترة انتقالية، لمدة سنتين، قبل ان تفتح سوق العمالة امام المواطنين الذين ينتمون الى الدول الجديدة المنضمة الى الاتحاد الاوروبي. وتعتبر هذه الاجراءات مطابقة لاتفاقيات الانضمام المبرمة. وهذه المخالفات للنص على مبدأ حرية الحركة والتنقل للافراد داخل الاتحاد مسموح بها لفترة سبع سنوات فقط، وذلك ضمن شروط وآليات صارمة. ولكن بعد العام 2011 فان حرية الحركة للعمال ستصبح كاملة داخل الاتحاد الاوروبي.
ويرى الخبراء ان الخوف الناتج عن احتمال تدفق المهاجرين، من الدول العشر المنضمة لا اساس له من الصحة. وتعتبر دراسة اجريت من قبل المفوضية الاوروبية، ان فقط 1% من نسبة العمال التابعين للدول المنضمة، يحتمل ان يهاجروا الى دول الاتحاد.
يعادل هذا العدد حوالى 220 الف شخص سنويا. ويعني ذلك ان توسيع الاتحاد الاوروبي لن ينتج عنه نزوح اهم واكبر مما حدث عندما انضمت الى الاتحاد البرتغال واسبانيا. واثبتت التجارب السابقة ان الهجرة تقل بعد كل توسيع للاتحاد. لكن المشكلة التي يمكن ان تنتج عن التوسيع هي هجرة الادمغة الى دول شمال اوروبا الغنية. ويرى رئيس البرلمان الاوروبي بات كوكس ان المهم هو <<ان توسيع الاتحاد سيؤدي الى الثبات والاستقرار في اوروبا>> وانه يأسف انه في مرحلة تاريخية مهمة، ان المناقشات تدور <<حول احتمالات الهجرة بدلا من ان تدور حول ما سوف يجلبه توسيع الاتحاد من ايجابيات>>.
من هذه التحديات ايضا، فانه في الواحد من ايار 2004، ستصبح الاحدى عشرة لغة رسمية الحالية للاتحاد الاوروبي بعد توسيعه، عشرين لغة رسمية.
فهل سوف يستطيع الاتحاد تخطي هذا التحدي اللغوي؟
يتطلب نظام عمل المؤسسات الاوروبية تغييرات عميقة في وسائل الترجمة. الادارة العامة للنقل اللساني في الترجمة (
INTERPRETES) مرتبطة بالعضوية الاوروبية، وهي تغطي مجمل الاجتماعات لمجلس الوزراء الاوروبي، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية، لجنة الاقاليم، والبنك الاوروبي للاستثمار. هذه الادارة لها القدرة ان توفر 700 مترجم لساني يوميا، وهذا يشكل اكبر قدرة تقنية وكمية للترجمة في العالم.
تعطينا بعض الارقام فكرة عن اهمية اللغات المستعملة خلال الاجتماعات للنصف الثاني من عام 2003. 93% من الاجتماعات تملك ترجمة الى الانكليزية، 86% الى الفرنسية، 70% الى الالمانية، 53% الى الاسبانية، 40% الى الهولندية، بينما بقية اللغات تغطى بنبة 25%.
يتميز البرلمان الاوروبي عن بقية المؤسسات الدولية بالاجبارية في تأمين الترجمة متعددة اللغات. وهذه الاجبارية تنطبق على كامل الاجتماعات واللجان البرلمانية، والمجموعات السياسية.
من ناحية الكلفة، فان الترجمة والنقل اللساني من لغة الى لغة يصل الى 2 يورو بالسنة وللفرد الاوروبي. ولكن هذه الكلفة سوف ترتفع الى 2,5 يورو بعد توسيع الاتحاد. فهل يُعتبر ثمن التقارب بين الشعوب باهظا؟
ويتساءل بعض المحللين: الى اين يذهب الاتحاد الاوروبي بعد هذا التوسيع الكبير؟
فاذا كان مبدأ انضمام تركيا الى الوحدة اصبح واردا، فان تنفيذه، يلزمه الوقت. اما بشأن البلقان وروسيا والدول المجاورة لها، فانه من الضروري الاخذ بعين الاعتبار، الوضع الروسي الشديد الحساسية في هذه المرحلة، وخاصة في 1 ايار بعد انضمام معظم الدول الشيوعية السابقة، والتي كانت تابعة لمنطقة نفوذ الاتحاد السوفياتي السابق، الى الاتحاد.
والسؤال الآخر: ما هو تأثير هذا التوسيع الكبير للاتحاد على مستقبل المشاركة الاوروبية المتوسطية؟
ولكن السؤال الأهم، الذي يطرحه المحللون، الى اين تتوقف حدود الاتحاد الاوروبي. هذا السؤال سوف يدخل حتما مرحلة المناقشات، وسوف يشغل المحافل الاوروبية، في السنوات المقبلة، والجواب عنه سوف يحدد مصير ومستقبل المشروع الاوروبي، وذلك ضمن توازناتها الداخلية والخارجية.
(
) كاتب في الشؤون الاوروبية