نقابات غير مهنية .. وبطالة تحت الإشراف .. محمود عنبر

هل تمكنت النقابات المهنية من القيام بمهامها الأساسية؟ أم أنها تصرفت وفق أهواء إداراتها؟ وما هو واقع المهن الفكرية المختلفة محلياً؟ وعلى ماذا تشرف هذه النقابات بعد تفشى ظاهرة البطالة في كوادرنا عالية التأهيل؟ وكيف سنتمكن من ردم الفجوة الرقمية والانتقال إلى مجتمع المعرفة دون إنهاء تهميش رأسمالنا الفكري؟

عذراً من القارئ عن عدم استنادي لأي أرقام مالية، وذلك كون نقاباتنا لا تنشر أرقاماً لقياس أدائها، فميزانياتها الختامية سرية، واستراتيجياتها غير موجودة، وخططها السنوية لا يوجد من يتابعها، ومنتسبي هذه النقابات آخر من يعلم عن ما يحصل بها، وهكذا تضيع المسؤولية بين جهات مختلفة.

 

المسؤولية التاريخية للقطاع العام:

أعتقد أن أزمة النقابات قد بدأت مع توسّع القطاع العام في السنوات السابقة، فقد سيطر القطاع العام على سوق العمل وأصبح هو المعني بكافة القضايا المتعلقة بالمهن الفكرية والإبداعية، وهذا الأمر ينطبق على المهندسين والأطباء والصحفيين والفنانين، وهذا النموذج قد أدى لضعف في تأثير النقابات على كل ما يتعلق بهذه المهن، واقتصر دور النقابات على الخدمات الجانبية.

 

ما هي الخدمات الجانبية؟

أعني بالخدمات الجانبية، كل مالا يتعلق بمهنة محددة، فتقديم الدعم الصحي لعضو نقابة المهندسين لا يوجد ما يميزه عن تقديم الدعم الصحي لعضو نقابة المحامين أو للمواطن العادي، والأمر نفسه ينطبق على المشاريع السكنية وعلى النوادي الترفيهية وعلى الأعمال الاستثمارية (تأجير مبان، استثمار مبان..). وبالرغم من اعتقادي بأنه كان يفترض بالنقابات أن تبتعد عن تقديم هذا النوع من الخدمات، وذلك بسبب وجود جهات معنية بذلك (وزارة الصحة للخدمات الصحية المجانية، مشاريع الإسكان الحكومية، وزارة السياحة للمشاريع السياحية، أو ربما القطاع الخاص)، فقد يكون من المفهوم تخصيص جزء من موارد النقابات لتقديم بعض الخدمات المأجورة بكلف معقولة، ولكن أن تصبح هذه الخدمات هي كل ما تقوم به النقابات، فهذا أمر بحاجة للتوقف عنده.

 

التكليف النقابي:

حسب اعتقادي، فالدور المهني للنقابات يكاد يكون معدوماً، ولا أعني بالدور المهني تحميل الممارسين لأي مهنة رسوماً وضرائب باهظة تزداد سنوياً، وإنما قدرة النقابات على تطوير واقع أي مهنة، وعلى تقديم الدعم إلى منتسبيها بما يسمح لهم بالمساهمة في التنمية المفترضة في المجتمع.

للأسف فإن معظم أعضاء النقابات (عدا فئة محدودة جداً)، هم غير مستفيدين من نقاباتهم، وينحصر دورهم في ما يمكن تسميته بـ(التكليف النقابي)، وهو مجموعة من المبالغ المالية التي يضطر من يعمل بمهنة محددة لأن يدفعها إلى نقابته بصيغة أشبه بالتكليف الضريبي، وتصل هذه القيمة إلى دخل شهر أو شهر ونصف من أي (مكلف)، والغريب في الأمر أن بعض هذه التكليفات تتناسب طرداً مع زيادة الدخل، مما يجعلها أقرب لضريبة الدخل منها للرسوم النقابية!

 

مسؤولية إدارة الهجرة الجوازات:

أعتقد أن إدارة الهجرة والجوازات مسؤولة بشكل كبير عن تردي واقع النقابات المهنية، وذلك ليس بسبب التبعية الإدارية لهذه النقابات للإدارة، وإنما بسبب الحماية التي تقدمها الإدارة لتردي الخدمات النقابية، وذلك عبر تكليف كل من يحتاج لتجديد جواز سفره (أو استصدار جواز سفر) بالحصول على وثيقة تثبت مزاولته للمهنة من نقابته (ألا تكفيه الشهادة الجامعية؟)، وهذه الورقة الذهبية هي ما يعتمد عليه المسؤولون عن النقابات في التعامل مع المنتسبين كما يتعامل الموظف مع المراجعين، وفي عدم الاكتراث بواقع المنتسبين وبمتطلباتهم، طالما أن المنتسب مجبر على دفع اشتراكه السنوي ورسوم الممارسة (نسبة من الدخل) ورسوم التقاعد (نسبة من الدخل)، وذلك لإضافة حقل المهنة إلى جواز سفره (لا أدري لماذا تذكرني بوثيقة براءة الذمة المالية)، والمؤسف في الأمر أن المشكلة نفسها تنطبق على المغتربين الذين يتعرضون لما يشبه الابتزاز ليتمكنوا من إضافة عبارة المهنة إلى جواز سفرهم، وبالتالي يضطرون لدفع الاشتراكات المالية عن كافة سنوات الاغتراب رغم أنهم مقيمون خارج القطر ولا يحصلون على أية خدمات من نقابتهم، ولا تعتبر نقابتهم فترة ممارستهم، إلا إن دفعوا مبالغ إضافية كرسوم ممارسة (خارج القطر)!!

ومن ناحية أخرى، فهناك العديد من منتسبي هذه النقابات لا يجدون عملاً، ورغم ذلك يضطرون لدفع هذه الاشتراكات للسبب نفسه، وقد أصبح الأمر يصل إلى حد الطرافة، حين يتم تكليف منتسبي أي نقابة بدفع مبالغ باهظة رغم أنهم (عاطلون عن العمل)، وذنبهم الوحيد أنهم بحاجة لجواز سفر، ولا يرغبون بأن تكون مهنتهم المثبتة على الجواز هي (عاطل عن العمل)، أو أي مهنة مشابهة متعارف عليها، وربما كان من الأفضل حذف هذا الحقل من نموذج جواز السفر كمعظم دول العالم التي أدركت عدم جدوى هذه المعلومة، كون المهن تتغير بشكل سريع، ولا يمكن متابعتها، وأن هذه المعلومة عن المسافرين غير مفيدة.

 

تلاقي الخبرات مع رأس المال:

لكي لانتا بع في تعداد السلبيات، لننتقل إلى ما نتوقعه من أي نقابة، وبرأيي أن النقابة الجيدة هي التي تضغط لتحقيق المصالح المهنية لمنتسبيها، وهذا يتلخص في إيجاد بيئة عمل لهم تمكنهم من المشاركة في التنمية، وبالرغم من أن هذا الدور كان مسؤولية الحكومات، إلا أن الدور المتزايد للقطاع الخاص يفرض على النقابات التصدي لهذه المهمة، إلا إن رغبنا باستمرار الوضع الحالي حيث يعمل رأس المال المحلي في مجالات معظمها غير فكري، وربما غير مجد، ولا ينعكس إيجاباً على الاقتصاد، وعلى القدرة التنافسية للصناعات، وعلى الانتقال إلى اقتصاد المعرفة، بينما تبقى كوادرنا المعرفية عاطلة عن العمل (بانتظار فرصة العمل خارج القطر).

لهذا أرى أن النقابات يجب أن تخرج من الإطار التقليدي الذي وضعت نفسها به منذ عشرات السنين (مفهوم المكاتب الفردية والعيادات)، كونه لا يغطي سوى جزء من الطيف المطلوب لتنظيم المهن الفكرية المختلفة حالياً، والانطلاق إلى وضع الآليات والتحفيز على وضع التشريعات التي تسمح بتلاقي رأس المال المادي مع رأس المال الفكري على أرضية تنظيمية محددة، وهذا يحصل عبر الشركات التخصصية، كالشركات الهندسية والشركات الاستشارية والمشافي والمستوصفات والشركات القانونية وشركات التدقيق المحاسبي وشركات الإعلام وشركات الإعلانات وشركات المنشآت التعليمية وشركات التصميم الهندسي، وشركات صناعة البرمجيات، وشركات الإنتاج الفني (هذا هو الاستثناء الوحيد الذي حصل وكانت نتائجه مذهلة إقليميا).

 

المهندسون أيضا:

لقد كانت المشكلات السابقة لا تؤثر بشكل كبير على المهندسين، وذلك بسبب مسؤولية الحكومة عن تشغيلهم، إلا أن القرار الأخير الذي ألغى هذا الالتزام جعلهم في مركب واحد مع زملائهم خرجي الكليات التي يفترض بأفرادها أن يعملوا في مهن فكرية وإبداعية كالمحامين والأطباء والمحاسبين والفنانين والصحفيين، وبالتالي لابد للنقابات من إجراء مراجعة سريعة لطرق عملها، إذ لا يفترض أن تبنى نقاباتنا استراتيجياتها على أساس الإشراف على مجموعة من العاطلين عن العمل أو المغتربين، أو المنتسبين المجبرين على دفع اشتراكاتهم السنوية لأسباب إدارية (مثل جواز السفر)، ودوماً لفائدة عدد محدود جداً من منتسبي هذه النقابات، وإنما يجب عليها البحث في طرق دمج رأسمالنا الفكري في عملية التنمية، وفي المبادرة لاقتراح الأطر التشريعية الكفيلة بتحقيق ذلك.