(أبيض وأسود) تلتقي المعارض السوري فاتح جاموس وتسأله عن حيثيات محاكمة مجموعة (الأظنّاء)..علي حسون

 

من أُطْلِقَ عليهم اسم الأظناء في مدينة حلب التي شهدت ممثلين عن الاتحاد الأوروبي لحضور جلسات محاكمتهم، وتجمعات من الأهالي لمتابعة مجرياتها، وتطوع عدد من المحامين للدفاع عنهم، إضافة إلى بيانات صدرت من منظمة حقوق الإنسان وبعض الأحزاب المعارضة.

(أبيض وأسود) التقت المعارض الأستاذ فاتح جاموس عضو حزب العمل الشيوعي والذي خصصته المحكمة بحكمها لمدة سنة، خلافاً للأحكام الصادرة بحق البقية وهي ثلاثة أشهر، سألناه عن سبب المحاكمة، خاصة وأن المعلن عنه هو حضور محاضرة سبق وأن طُرح موضوعها في أماكن أخرى وحضرها كثيرون، فقال:

من جهتنا كنشطاء في المعارضة بكل تلاوينها وتياراتها.. نجد ضرورة موضوعية، بل حتمية في ممارسة السياسة، هذه قاعدة في كل مكان وفي كل زمان في العالم.. وبسبب غياب قانون ينظِّم العمل السياسي أو الحزبي أو الثقافي في سوريا، فإننا نلجأ إلى طرق مقاربة نعتمد فيها جو الانفتاح في السنوات الأخيرة على الرغم من غياب الضمانات القانونية والسياسية فيه، نعتمد أيضاً دلالات في بعض تصريحات وخطب السيد الرئيس، ونعتمد بعض جوانب الدستور التي تكفل ذلك الحق مع معرفتنا بأن القوانين الاستثنائية تمنعها.

هناك من رأى في كل ذلك عملاً خارج القانون، محظوراً غير مرخّص له.. فالمطلوب منعه، معاقبته لضبطه عندما يتراكم، هذه المرة تراكم علنياً وسلمياً ديمقراطياً جاداً وأصيلاً في مدينة حلب، وبحكم أهمية هذه المدينة تاريخياً وخصوصيتها وإمكانية لعبها دوراً خاصاً، كان لابد من قطع الحراك فيها بدون أهمية للتناقض في أن تُلقى المحاضرة نفسها في مدينتي دمشق والسويداء دون أي ردّ فعل سياسي، وبين أن تُمنع في حلب، ونُعاقَب على حضورها مع أنها كانت ملغاة وقسم كبير منا تم توقيفه.

 

وعن مبررات التوقيف أضاف السيد فاتح:

جاء ذلك باسم قانون الطوارئ (الاستثنائي) الذي يعطي الحق بتوقيف أي ثلاثة مع بعضهم بدون إذن رسمي، من ثم التحقيق معهم وإمكانية تقديمهم للقضاء وتوجيه الاتهامات لهم.

وعن المحكمة التي أحيلت إليها القضية قال:

المحكمة تابعة للقضاء العسكري، وهو قضاء نظامي من الزاوية القانونية والقضائية، يختصّ بحسب التقاليد بكل أنواع القضايا، ونادراً بقضايا استثنائية (على عكس القضاء المدني) واختياره في هذه الحالة لقضية استثنائية مثل قضيتنا بحكم توقيفنا والتحقيق معنا على أساس الطوارئ، يعني التشدد، هكذا إذن نحن بصدد قضاء نظامي بقضية استثنائية.

ومن الجلسة الأولى اتخذت المحكمة طابعاً قانونياً نظامياً شاملاً، سارت أصولياً في كل التفاصيل حتى أصغرها شكلانية، كما حضر جميع الجلسات وفد من المفوضية الأوروبية (كمراقب إن صح التعبير) بتطور المحاكمة تطوع حوالي مئتين وخمسين محامياً للدفاع في القضية، على إثر ذلك يعتقد أنه جرى تدخل لدى هيئة المحاكمة لقطع كل ذلك ووضع حد سريع له، فخرجت بدورها بصورة لافتة للنظر عن السياق السابق، وضغطت ثلاث جلسات خلال ستة أيام، مع الإصرار على رفض حقنا باستدعاء الشهود كإحدى حلقات الدفاع الأصولية، وتقرير وقت قصير جداً للدفاع المكتوب، لكن إصرارنا والمحامين على استغراق حقنا النظامي دفعنا للاحتجاج والمقاطعة... تفاعل الأمر ووصل داخل الجهات المعنية للاعتقاد أن المحاكمة بكليتها كانت شيئاً خاطئاً لا معنى له، كل ذلك أعاد المحاكمة إلى مجرياتها النظامية، واستغرقنا حقنا كاملاً في الدفاع بكل حلقاته وجوانبه، من استدعاء الشهود إلى المذكرات القانونية والسياسية في دفاع المحامين، إلى المرافعات الشخصية لمن أراد منا إضافتها إلى دفاع المحامين، كما فعلت أنا مثلاً.

 

ويفسر مسألة محاكمتهم وهم طلقاء بقوله:

كان ذلك وجهاً إيجابياً في المسألة، الأمر في جوهره هو نهج جديد في المراقبة والضبط وذلك باللجوء إلى قضاء يبدو طبيعياً، إضافة إلى إعطاء الأمر شكلاً نظامياً، مما يسمح بفرض عقوبات.

 

وحول طبيعة الأحكام ومستواها وإمكانية الطعن فيها.. والتوقعات بشأن تنفيذها أم لا، إضافة إلى صدور الحكم عليه لمدة عام خلافاً للبقية الذين حكموا ثلاثة أشهر أضاف:

تمييزي بعقوبة السجن بسنة بدلاً من ثلاثة أشهر هو تقصّد بادٍ للجميع، إن السبب الذي ساقته هيئة المحكمة في ذلك لا يستطيع الصمود مطلقاً، إذ يستحيل أولاً إثبات انتسابنا (الأربعة عشر) إلى جمعية سرية، كما يستحيل تصديق سبب (التشدد لتكرار الفعل) لأن العديد من المتهمين ذوي سوابق مثلي.. وهذا أمر معروف، إذن هو تقصد وأنا حقيقة لا أعرف الأسباب الفعلية للجهة المعنية بالعقوبة، لكن رشحت بعض أشياء ربما تسمح لي بالمقارنة.. فقد يتعلق السبب الأول بعدم رضى تلك الجهة عن جملة نشاطاتي الشخصية السياسية والثقافية.. وربما الحزبية، عدم رضاها عن محتواها، شكلها، ميادينها والمنطق الذي يحكمها (كما تنظر إليه) ذلك يشكل تناقضاً، وعلى ضوء قراءة وتقدير تلك الجهة المعنية لمستوى ذلك التناقض، تأتي العقوبة، وربما تعلق السبب الثاني بالمرافعة الشخصية التي تقدمت بها، إذ كانت في جوهرها بل كليتها سياسية قامت على مقارنة بين محاكمتي الأولى مع عدد كبير من الرفاق المنتمين إلى حزب العمل الشيوعي وبقائي في السجن سابقاً، ومحاكمتي الجديدة، باستمرار نفس الاتهامات، ثم مقارنة بين الشروط القديمة والجديدة في الوطن وموقع كل ذلك من التطورات القيمية والإنسانية والسياسية التي وصل إليها العالم، لأجد نفسي مضطراً لاستخدام نفس العنوان القديم (نداء لطي صفحة اللاعقلانية في الوطن).

أما حول التوقعات لمآل العقوبة، فهناك أولاً فرصة قانونية نظامية للطعن في الحكم، وأنا شخصياً أتوقع الاحتمال الرئيسي بإلغاء العقوبة، ذلك لقناعة جهات واسعة من المعنيين بأن الأمر خاطئ بكليته، إن كان الموقف من التهديدات الخارجية الأمريكية، والحكم بالسجن على أربعة عشر ناشطاً لهم موقف مبدئي يقوم على أساس سياسي وأخلاقي صائب في ذلك، أو كان طبيعة النشاط الديمقراطي ذي الطابع العلني، السلمي.. والتدريجي.. كذلك لاعتقادي بوجود رئيس للقضاء العسكري مشهود له بالوجدان المهني الأخلاقي الراقي، الاحتمال الرئيسي إذن هو إلغاء العقوبة إما بصورة قانونية نظامية أو بتدخل رئاسي.

وحول الهامش السياسي المتاح حالياً في سورية قال:

أنا أنظر بارتياح وتفاؤل إلى كل ذلك بشكل خاص إلى التراجع في التشديد على الناس وتغيير أسلوب التعامل مقارنة بالماضي، أفعل هذا على الرغم من العنعنات الكثيرة على الرغم من غياب الضمانات في ذلك الانفتاح، وقيام المسألة على أوامر وتوجيهات إدارية يسهل سحبها، بل على الرغم من المحاكمة وعقوبتي الشخصية فيها، أكاد أقول هناك استحالة في العودة إلى القديم والماضي، وكل ما يجري هو بروفات في مرحلة انتقالية من أجل المستقبل، بروفات للتعايش والانتقال السلمي العلني التدريجي إلى الديمقراطية المعممة، وبسبب غياب الضمانات لابد هناك درجة من المخاطر والمغامرة الجزئية، لكن الأمر بجملته واتجاهه يسمح بل يدفع لضرورة متابعة المغامرة المسؤولة أو ما أسميه بصيغة العمل بالأمر الواقع، فسوريا لن تعود للخلف، هي جزء حي من عالم يتطور يقفز علينا أن نكون في مقدمة جبهته الأكثر تطوراً، أخلاقية، إنسانية وديمقراطية.