أحـزمـة البـؤس (وربمـا العنـف) في دمشـق وحـولهـا [2]

جـــــولــــــة فـــي "حـــــي تــــشــــــريـــــن"

خالد سميسم - دمشق

 

بينما كنت افتش عن معلومة تتيح لي التعرف على حي تشرين من الداخل، جاءت امرأة جميلة بكل مقاييس الجمال الى صاحب محل تنظيف الثياب الذي كنت اتجاذب معه اطراف الحديث، لتسأله عن عامل يساعدها، اخبرتها بأني عاطل عن العمل، وسرعان ما اتفقنا واخذتني الى شقتها وبدأت باستجوابي: هل تجيد الطبخ؟ هل تجيد التنظيف وصنع القهوة؟ اضافة الى بعض التعليمات المتعلقة بالسلوك، "لا اريدك ان تتدخل مع ضيوفي" "لا تسأل احدا عن اي شيء" وغيرها من التعليمات...

قدم زوجها النحيل القهوة لنا وغادر للجلوس في المطبخ، ثم ارسلت بطلب صاحب مكتب عقاري ليعيد التحقيق معي: من اين انت؟ وماذا كنت تعمل؟ وغير ذلك...

نجحت في الامتحان واتفقنا على الاجرة اليومية ومقدارها مئة ليرة سورية عدا "البراني"، اشعلت سيجارتها وتأملتني ثم قالت: هل تنزعج اذا قال لك احدهم بأنك "شغيل" عند سمر، اجبتها بـ لا، شعرت بفرح وقلت لنفسي سأحصل على كل المعلومات من داخل الشقق.

فجأة رن جرس هاتفي الجوال، استغربت بدورها وسألتني: ماذا كنت تعمل قبل ان اراك؟ اجبتها: في بيع الفواكه (شككت في اجابتي واعتبرت الجوال ميزة) تغيرت معالم وجهها وقالت: "قلت لي انك عاطل عن العمل، كيف تدفع فاتورة الجوال"، بعد ذلك اخذت رقمي قائلة سأتصل بك... ولم تتصل حتى الآن.

منذ حوالى عقد ونصف من الزمن بدأ الحي المعروف بـ"تشرين" بالتشكل من خلال قدوم مئات العائلات من الريف السوري الى دمشق بقصد العمل، او من هؤلاء الذين فرضت عليهم مهنتهم الحكومية التنقل (العسكر) ليكون الامر بعد سنوات حيا مكتظا بالسكان وخاصة من الفقراء الذين لم تساعدهم ظروفهم الاقتصادية على العيش في العاصمة الامر الذي اعطى هذا الحي شرعية انتمائه لما بات يعرف بأحزمة الفقر التي احاطت بدمشق من كل جهاتها.

الذي يميز حي تشرين عن غيره من احياء الفقر ظهور فرز يحمل ثنائيات متناقضة لها علاقة بطبيعة العائلات التي تسكن فيه، فترى المرأة المحافظة المغطاة بالسواد وكذلك المرأة التي ترتدي آخر ما انتجته الموضة. ونرى شبانا يبحثون رغم الاحباط عن مستقبل لهم من خلال متابعتهم دروس الدين في الجوامع ملتحين، يكحلون عيونهم ويرسلون من خلالها نظرات عدم رضا لكل من حولهم، وفي المقابل يمكن ان نرى شبانا يباهون بالوشم على ايديهم واكتفاهم يعبرون عن ذاتهم من خلال الوقوف على اطراف ازقة الحي الضيقة. اذا ما كان في هذا الحي جامع للمسلمين السنّة في بدايته، اوجد المسلمون الشيعة جامعهم في نهايته (حوله تجمع خاص من الشيعة القادمين من ريف ادلب وحلب)، مما يؤكد وجود خليط طائفي تشكل من كل اطياف المجتمع السوري يتعايشون مع بعضهم نتيجة تشابه ظرفهم الاجتماعي والاقتصادي مع وجود توجس وخوف من المستقبل. وهو ما عبر عنه الشاب اياد الذي جاء الى الحي من ريف الساحل السوري، وكان محمد، جاره في الغرفة التي يقيم فيها، من حلب، وقبل ان يسمع محمد اشرطة دينية ويطلق لحيته كان صديقا لإياد، ولكن بعد تمسكه بواجبه الديني، اصبح يعامله بجلافة ضمن مقاييس دينية تلغي الآخر وتدعي امتلاك الحقيقة كاملة، مما دفع اياد لترك غرفته خوفا من صديقه المتدين.

في بداية التسعينات حصل الانقلاب الرئيسي في حياة سكان هذا الحي حين امر احد المسؤولين عائلات "النور" التي كانت تسكن في حي التجارة الراقي في دمشق، بمغادرته لما تسببه من ازعاج للعائلات المحافظة هناك، ففي هذه الفترة اختارت تلك العائلات حي تشرين لسكنها، مما ادى الى ارتفاع اسعار العقار، وتوضح بعد ذلك فرز حاد ما بين فقير معدم ومقيم في الحي، وغني قادم يفتش عن سهرة في احد بيوت النور، دفع هذا التقسيم الاجتماعي، العديد الى تشغيل الفتيات القادمات من الريف السوري او من محافظات اخرى في البغاء الامر الذي ساهم في وجود فروقات لناحية المداخيل التي تحققها هذه المهنة مقارنة مع مهن اخرى (تفاوت كبير في الدخل ما بين بيت وآخر). هذا المشهد اوجد مناخا من الاحباط عند الاكثرية من الفقراء الذين لم يجدوا الا التدين وسيلة للدفاع عن ذاتهم المهزومة.

رغم كل هذه المتناقضات، لا يجد المصلون، نتيجة للازدحام في هذا الحي مكانا داخل المسجد للصلاة مما يدفعهم الى اقامة صلاتهم خارج جدران المسجد. ورجوع التدين ربما له خصوصية ايضا في هذا الحي، فيبدو كأنه محاولة من جانب العائلات المحافظة لتحصين اولادهم من المشهد الآخر المختلف الذي يستيقظ عندما ينامون وينتهون من عيادتهم النهارية. هذه المتغيرات التي صار يلامسها الريفيون والتي لم يكن يخطر ببالهم انه سيأتي يوم ويعايشونها، اضافة الى ظروفهم الاقتصادية القاسية، لعبت دورا في تحميل الدولة المسؤولية عن كل شيء يجري لهم ويعايشونه. لكن الامر لم ينته هنا بقدر ما اسس لبدايات فكر متطرف عند ابناء هذا الحي، تطرف ليس بالدين فقط بل في السلوك العام للفرد. ومع ذلك حوّل هذا التطرف مجتمع حي تشرين الى اناس يميلون الى التكيف الموقت مع الاوضاع ينتظرون الفرج، من خلال فتاوى تجعلهم اكثر هدوءا وتأقلما. وعلى سبيل المثال يمكن رجلا متدينا ونتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة ان يفسح المجال لزوجته المتدينة ايضا لفتح محل "كوافيرة" في احياء النور لتقوم بتجهيز الراقصات او بعض الفتيات اللواتي ينتظرن زائرا مقابل تأمين دخل معين، وكذلك شاهدنا رجلا متدينا ملتحيا يعلق في محله المختص بغسيل الثياب آيات قرآنية ويضع اشرطة دينية، ويقوم بغسل ملابس بعض زوار الحي من العرب او ثياب الراقصات حتى الداخلية منها ويطلب اجرة عالية بتبرير "رزقته".

"لا تذهب الى حي تشرين"، عبارة اعتاد افراد الاسر وخاصة تلك التي تحيط بهذا الحي سماعها من الامهات والآباء، والسبب يعود الى السمعة السيئة التي عرف بها هذا الحي. حركة واجواء جديدة، من شقق "خاصة" لمن يرغب بالتسلية، ووجوه غريبة تقصد المكان وخاصة في مواسم "العمل"، الامر الذي اعطى الحي صفة تجارية بامتياز. فقد انتشرت فيه مطاعم الوجبات السريعة ومحلات التصوير والحلويات والمشروبات الروحية التي تعمل ليل نهار دون توقف. كذلك محلات الالبسة حيث نشاهد فرقا شاسعا بين عامة الناس هناك وما يرتدونه، وايضا ما تعرضه المحلات فعلى سبيل المثال يوجد فساتين سهرة يتجاوز ثمن الواحد منها سبعة آلاف ليرة سورية مع وجود محال قريبة من الاولى تبيع الفستان بـ100 ليرة سورية فقط. وهو فرق فرضته طبيعة عمل كل اسرة في هذا الحي. ولم تقتصر البيوت الخاصة على النور بل اصبح المكان بشكل او بآخر مرتبطاً، لجهة العمل بالدعارة، مع بعض المناطق القريبة منه في دمشق مثل مساكن برزة ومسبقة الصنع.

في حي تشرين يمكن الزائر ان يلاحظ تلك الحركة الغريبة لاطفال يتلقفون الزبون وخاصة "الخليجي" الذي يأتي من اجل "السياحة" وايضا السوري الذي يقصد هذا الحي للترفيه والتسلية. ومن المعروف ان بنات "النور" يعملن في الملاهي الليلية واي سائح عربي يلتقي احداهن على الارجح يمكنه متابعة سهرته في المنزل (حي تشرين)، فالمشهد يكتمل في ساعات الصباح الاولى لعشرات السيارات الخليجية الفخمة، وسيارات الاجرة السورية التي تنتظر تعليمات "الدليل السياحي" الذي يرشد "السياح" الى اماكن يمكن ان تشعرهم بالراحة بعيدا عن قلعة الحصن او تدمر او تل مرديخ، لأن كل تلك المواقع ربما لا تعني لهؤلاء اي شيء. وعادة ما تجلب فتيات نور هذا الحي الزبائن - "السياح" من ملاه و"كازينوات" تقع ايضاً على أطراف دمشق يسميها السائح الخليجي المراقص العربية.

مهمة الدليل السياحي

الدليل السياحي له نسبة مالية من صاحب الكازينو (المرقص العربي) كونه صاحب الفضل الاول في احضار "السائحين" الخاصين، ويعامله بكل احترام، والدليل يتقاضى من السائح نسبة او مكافأة مالية لكونه يرشده الى تلك المراقص العربية ويؤمن له زيارة موفقة مع الشرح والمساعدة...

واذا كان أحدهم صاحب تجربة بتلك الاماكن السياحية لا يسترشد بدليل. فالمهمة بسيطة، يكفي ان ينظر الى بعض الاطفال في الشارع الرئيس للحي، ليسألوه عن طلبه، وبلهجته: ماذا تبغي من انواع الملاهي الراقصة؟ او حتى نوع النساء، عمرهن، او البيوت، ويتبارز هؤلاء في جلب الزبون - "السائح"، الى ان يقتنع بكلام أحد منهم، وعادة ما يكون هذا الطفل من العائلات النورية، ومهمته جلب الزبائن لاخواته البنات وخاصة في الصيف الذي يعرف انه موسمهن، وهذا النوع من الاولاد له مكافأة مالية تبلغ حوالى 200 ليرة سورية. ومن ناحية اخرى عندما يضع الزبون سيارته قرب المنزل الذي حظي بالغنيمة اي امام احد المحلات التجارية يطلب منه صاحب المحل ان يبعد سيارته او ان يعطيه إكرامية (مبلغاً من المال)، ومن هنا تنشأ مهن ربما لا تخطر على بال.

بيوت خاصة لتلبية طلبات الزبائن

نتيجة هذا الوضع انتشرت في الحي عشرات البيوت، اصحابها نساء او رجال يلبون طلبات الزبائن من النساء الموجودات عندهم، ومن كل المواصفات. وعادة ما يوفر هؤلاء خدمات الدعارة للزبون العربي والمحلي ولديهم خبرتهم ايضاً بـ"البضاعة" الجيدة والمرغوبة.

وتلك البيوت من الصعب جداً أن تقع في شرك الشرطة لسبب بسيط، فمثلاً "أم - م" امرأة خمسينية عندها ثلاثة اولاد وقد زوجتهم من فتيات صغيرات، وجميعهن يعملن بالدعارة، فاذا ما جاءت دورية الشرطة ووجدت زبوناً عندهم غالباً ما يبررون وجوده بقول أحدهم: هذا ضيفنا وتلك زوجتي فماذا تريد؟ والمفارقة في الامر ان تلك الزوجات يرتدين اثناء تجوالهن في الحي لباساً اسود (جلباباً) ومن المعروف ان هذا الزي له طابع ديني، مما دفع العائلات المحافظة لعدم ارتدائه لأنه لم يعد يعبر عن الحشمة والسترة المنشودة عندهم.

ونتيجة لانتشار مهنة الدعارة في هذا الحي الفقير تطور العمل ودخل رأسمال جديد، لان البعض لم يكتف بشقة واحدة بل استأجر شققاً عدة في اماكن قريبة من حي تشرين مثل مساكن برزة ومسبقة الصنع، وانتشرت ايضاً مكاتب ترعى هذا الامر ظاهرها يبدو كمكاتب عقارية، وتقصد تلك المكاتب والشقق نساء يفتشن عن عمل له عــلاـقة بخـدمــة الشـقـق يعـرفـن بالـشـغــالات.

والشغالة لها مهمتان الاولى خدمة المنزل والثانية ممارسة الدعارة مع الزبون. فتُسأل حين طلبها للعمل من قبل صاحب الشقة هل تعملين "سيكار بيكار"؟ وتلك العبارة تعني شغالة في المنزل وايضاً تلبية رغبة الزبون الجنسية، فاذا وافقت تسجل رسمياً عند قسم الشرطة القريب، واذا لم تعجب الزبون تقوم بالاتصال بزميلات لها عسى أن يلقين إعجابه.

كيف تتورط الفتيات؟

لكل فتاة ظرف معين كي توافق على العمل وعادة ما يكون قاسياً، فعلى سبيل المثال الاخوات "م - و م" جئن من مدينة صغيرة تقع في الشمال السوري الى دمشق هرباً من ظلم عمتهن بعد أن توفى أبوهن، وفي دمشق حي تشرين وجدن أنفسهن لا يعرفن أحداً، وبالصدفة تعرفن على شبان يعملون بالدعارة، وعند البداية أغدقوا عليهن النقود وبعد فترة قطعوها. وتكرر الامر حتى وافقن على العمل بالدعارة. واذا ما تابعنا قصص الفتيات اللواتي ينحرفن نرى أن الظروف الاجتماعية القاسية تلعب دوراً مهماً. وعملهن تجارة تأتي بربح سريع وبمداخيل خيالية. واذا ما حاولنا سؤالهن عن مدى رضاهن عن هذا العمل غالباً ما تكون الاجابة بأنهن غير راضيات واذا تمكّن من جمع النقود سيتركن مهنتهن ويغادرن الحي الى وسط العاصمة.

ترويج الحبوب المخدرة

"ج" شاب لا يتجاوز الثلاثين من العمر يقف بشكل مستمر في شارع حي تشرين الرئيسي وعمله بيع الحبوب المخدرة والممنوعة التي لا تعطى الا بوصفة طبية، وكلمة السر لمن يسأله هي عبارة "معك كوفريه" (نوع من البسكويت السوري) فيفهم أن الشاب الذي يسأل يطلب الحبوب وان الجو امان وثقة، ويبيع "ج" انواعاً مختلفة من الحبوب مثل الفالتان والروش وكبسولة جديدة يسمونها (الشبح) نظراً الى سرعة مفعولها، ويبيعها لشبان في مقتبل العمر. والبداية حسب ما أخبرنا الشاب "ك" ان "ج" يرى شاباً صغيراً وجديداً في الحي فيقول له: "خذ هذه الحبة وترتاح من المشاكل والهموم فيأخذها الشاب، وكل فترة يعطيه حبة ودون اي مقابل وعندما يدمن عليها الصغير يطلبها يتقاضى ثمنها منه، وبعدئذ يبيعه الظرف الكامل بحوالى 300 ل.س.". ويوجد غير "ج" في الحي شبان كثر يعملون في بيع الحبوب لكن هذا هو "المعلم" كما عرفنا. ومن هذه القاعدة تتوافر تربة خصبة للسرقة والسلب والانحراف وذلك للحصول على النقود بأي طريقة، وهذا الامر يفسر اهتمام الحكومة باقامتها اقساماً عملاقة للشرطة على اطراف احياء الفقر.