لا تــتــركــوا أكــثــم نــعــيــســة وحــيــداً

محمد علي الاتاسي

 

"الثامن من آذار ،2004 الساعة 12 ظهراً امام مجلس الشعب... طوبى لمن كان هناك" بهذه العبارات التي تدعو السوريين الى الاعتصام امام البرلمان السوري في ذكرى إعلان حالة الطوارئ، "ذيلت لجان الدفاع عن الحريات الديموقراطية وحقوق الانسان في سوريا" موقع صفحتها على الانترنت. وقد تصدر الموقع ايضاً بيان اللجان الذي دعت السوريين الى توقيعه وطالبت فيه برفع حالة الطوارئ في سوريا والغاء المحاكم الاستثنائية ووقف الاعتقال التعسفي واطلاق الحريات الديموقراطية والافراج عن المعتقلين السياسيين واعادة المنفيين وفتح ملف المفقودين والتعويض على المتضررين والسماح بتأسيس الاحزاب والجمعيات المدنية.

الحدث كان استثنائياً بكل معنى الكلمة، ليس لضخامة عدد المشاركين في الاعتصام (لم يتجاوزوا المئة)، ولكن لبعده الرمزي المهم وجرأته الاستثنائية من حيث كونه يمثل حدثاً تأسيسياً يتم للمرة الاولى منذ 41 عاماً بشكل علني وسلمي وفي قلب العاصمة السورية. واذا كان الاعتقال العشوائي لعدد كبير من المشاركين ومن التف حولهم من اعلاميين ودبلوماسيين، لم يدم الا ساعات عدة، فإنه اذا دلّ على شيء فعلى ان هناك ثغرة قد فتحت في جدار القمع والخوف الجاثم على صدور السوريين منذ عشرات السنين.

بل يمكن القول أن الطريقة التي دارت فيها الامور والمآل السلمي الموقت الذي انتهت اليه، كان من الممكن لهما ان يفتحا آفاقاً جديدة للعمل السياسي في سوريا وللعلاقة بين السلطة وقوى المعارضة. فمن جهة المعارضة، خصوصاً تلك التي ترددت في المشاركة، دل هذا التحرك على ان هناك فسحة جديدة يمكن من خلالها تطوير الفعل المعارض وزيادة احتكاكه بالناس ودفع السلطة لتقبله. ومن جهة السلطة، هذا اذا وجد في ظهرانيها من يحاول ان يفهم بعيداً عن منطق القوة، كان من الممكن لهذا الحدث ان يحررها من خوفها من المجتمع وان يبين لها ان مثل هذه التحركات ذات الطابع العلني والسلمي، يمكنها ان تخفف الاحتقان المجتمعي من طريق فتح المجال للتعبير السياسي الحر والمباشر، اكثر بكثير مما تسيء الى هيبة السلطة او تهدد استقرار البلد.

لم تمضِ اسابيع قليلة حتى جاءت احداث القامشلي لتدل بما لا يدع مجالاً للشك ان خلف مظاهر الاستقرار واستتباب الامن هناك براكين من الغضب والعنف والمظالم يمكنها ان تنفجر في اي لحظة. لكن بدلاً من أن تنبه هذه الاحداث اصحاب القرار في سوريا الى ضرورة المعالجة السريعة للملفات النائمة والمبادرة الى رد المظالم الى أهلها ومحاسبة المسؤولين عن اطلاق النار على المدنيين العزل، تم تفضيل الحل الامني وأدخل المئات الى السجون وفصل بعض الطلاب الاكراد من الجامعة وتم تحميل مسؤولية الاحداث بالكامل الى الجهات المرتبطة بالخارج. وبدلاً من إقالة ولو مسؤول واحد، سياسي او أمني، وتحميله جزءاً من مسؤولية ما حدث، تم اطلاق يد الاجهزة الامنية لتعيد فرض الاستقرار الشكلي، مبقية جذور المشكلة على حالها من دون أي خطوات ايجابية تجاه بعض المطالب الكردية العادلة من مثل اعادة الجنسية للمحرومين منها وإعطاء الاكراد حقوقهم الثقافية واللغوية المهضومة. فالسلطة التي لا تهتم الا بفرض الطاعة الكاذبة على مواطنيها والحفاظ على هيبتها الخارجية، لا يعنيها حقيقة ما يعتمل في صدور مواطنيها، ما دام هؤلاء يقدمون فروض الطاعة والولاء ويتصرفون في سلوكهم الخارجي وفق ما يريده النظام منهم*.

فمثلاً في الحي الكردي المسمى "وادي المشاريع" في ضاحية دمر بالقرب من دمشق، والذي شهد اعمال شغب وتدمير للممتلكات العامة أعتقل على أثرها المئات من الشباب الكرد، خرج (او أخرج) سكان الحي في مسيرات تأييد للسلطة السورية حاملين اللافتات والصور البعثية كثمن للافراج عن أبنائهم المعتقلين. لكن ما فات الاجهزة السورية أن تطلبه من هؤلاء المواطنين هو رفع عبارة فريدريك الكبير التي سبق ان قال فيها انه "لا يعبأ بما يظنه رعاياه، ما داموا يقومون بما يأمرهم به". عندها فقط كان يمكن هذه المسرحية، التي تحاول الاجهزة تمريرها على الشعب والرئاسة، أن تكتمل!

ودائماً في سياق هذه الردة الامنية وتصفية الحسابات المتأخرة، تم في منتصف شهر نيسان الجاري اعتقال 12 طالباً من جامعتي دمشق وحلب، كانوا مجتمعين في مقهى بالقرب من المدينة الجامعية بدمشق، وذلك عقاباً لهم على التحركات المطلبية التي قاموا بها في جامعة حلب خلال شهر شباط. واخيراً جاء اعتقال أكثم نعيسة رئيس "لجان الدفاع عن الحريات الديموقراطية وحقوق الانسان في سوريا"، عقاباً له ليس فقط على الدور الذي لعبته اللجان في تنظيم اعتصام البرلمان ولكن ايضاً لقيامها بواجبها في كشف الممارسات القمعية التي أقدمت عليها السلطة السورية تجاه طلاب الجامعة وتجاه المواطنين السوريين من الاكراد، ولنشرها تقريرها السنوي للعام 2003 الذي بينت فيه العديد من انتهاكات حقوق الانسان في سوريا.

أوقف أكثم نعيشة في مدينة اللاذقية بتاريخ 13 نيسان 2004 ونقل بعدها الى دمشق وأحيل الى محكمة أمن الدولة بتهم عدة منها مناهضة اهداف الثورة ونشر انباء كاذبة وتشويه سمعة الدولة في الخارج وتأسيس جمعية سرية لها طابع دولي، وهذه التهم تصل عقوبتها في أحيان كثيرة الى 15 سنة سجناً، وهي غير قابلة للاستئناف او الطعن. وسبق لأكثم ان أعتقل بتاريخ 18 كانون الاول 1991 لمشاركته في تأسيس "لجان الدفاع عن حقوق الانسان" وحكم عليه بالسجن تسع سنوات من قبل محكمة أمن الدولة ذاتها، أمضى منها في الاعتقال ما يقارب السبع سنوات قبل أن يخرج بعفو رئاسي بتاريخ 30 أيار .1998 ومنذ خروجه من السجن عاد أكثم للنشاط داخل اللجان (لم يتعلم الدرس! وفقاً للمنطق الامني) وعادت معها متاعبه الامنية واستدعائه المتكرر للحضور الى مقرات الاجهزة الامنية في دمشق واللاذقية. كما تم الاعتداء على والدته ذات الـ75 عاماً بالضرب من جانب ثلاثة اشخاص في حادث غامض في مدينة اللاذقية بتاريخ 21/7/2003 ونفت السلطات السورية يومها مسؤوليتها عنه، في حين ظل الفاعل طليقاً.

واذا كان أكثم نعيسة لم يشكل يوماً تهديداً فعلياً لأمن الدولة واستقرار النظام، فإن ذنبه الرئيس يبقى في كونه ظل عصياً على التطويع والتدجين في بلد باتت صدور القائمين عليه تضيق يوماً فيوماً بالمنشقين الذين سئموا ممارسة طقوس الطاعة والولاء الرتيبة. والسؤال الذي يحضر هنا هو: ما الفائدة التي تجنيها السلطة من الاعتقال المتجدد لناشط مثل أكثم نعيسة؟ انها معركة خاسرة منذ البداية، فالتجارب السابقة أثبتت ان السجن لا يزيد المعارضين الا معارضة، وان "تربية" الناس بهم لم تعد تُؤتي أُكُلَها. بل ان المضحك - المبكي في تهمة "الاساءة لسمعة الدولة في الخارج" التي وجهت الى نعيسة، هو أنه كان من الاجدر توجيهها الى القائمين على اعتقاله بسبب الصدى السلبي الذي ستتركه قضية بهذا الحجم على سمعة سوريا في الخارج وعلى علاقاتها الدولية، كون الناشط في حقوق الانسان لم يفعل شيئاً آخر سوى ممارسة واجبه في كشف انتهاكات حقوق الانسان والتعبير الحر والعلني عن رأيه.

واذا كانت بعض القوى والاحزاب المعارضة في سوريا قد أخذت على أكثم نعيسة في الماضي ما اعتبرته نزوعه الى العمل الفردي، فإن الضريبة التي بات يدفعها اليوم عن نفسه وعن الآخرين من اجل الديموقراطية في سوريا، تفرض على الجميع التضامن معه في محنته ليس فقط من طريق تسطير البيانات، بل في ابتداع اساليب جديدة في النضال، كان أكثم من اول من دل عليها ومارسها.

اما السلطة فمن الاجدر بها، بدلاً من ملاحقة الناشطين الديموقراطيين المسالمين، ان تسأل نفسها الى متى ستظل تؤجل الاستحقاقات المصيرية في وضع محلي واقليمي ودولي لم يعد يحتمل لا الانتظار ولا الاكتفاء بسياسة دفن الرؤوس في الرمال؟ لقد قمع "ربيع دمشق" وأدخل رياض سيف وعارف دليلة ومأمون الحمصي وحبيب صالح ورفاقهم غياهب السجون، وتم اخيراً إخماد تحرك الاكراد، فما الذي حصلت عليه سوريا؟ سوى ذهاب نخبها الحاكمة بعيداً في وهم الاستقرار الكاذب. بل ذهابها بعيداً في توسيع مصالحها الاقتصادية والسلطوية المتشعبة؟ إن هذه المعادلة الخطرة يمكن ان تؤدي بالبلاد والعباد الى مهاوٍ لا تحمد عقباها، فهل من مستجيب؟ أكثم نعيسة طوبى لك حيث أنت؟

* See: Lisa WEDDEN, Ambiguities of Domination,

Chicago: The University of Chicago Press, 1999.