أحــزمـة البـؤس (وربمـا العـنـف) حــول دمشـق وفـيـهـا :

50 حــيــاً مــخــالــفــاً لــلــقــانــون تــضــم 40 فــي المــئــة مــن الــســكــان

شعبان عبود - دمشق

 

ترتبط دمشق منذ غابر الازمان، وفي ذاكرة الكثير ممن عرفوها، بنهر بردى وجبل قاسيون والغوطة الخضراء التي تزنرها من كل الجهات. لكن هذه المدينة تبدو بائسة اليوم، فالنهر تحول الى مجرد ساقية ضيقة تحمل الماء مرة كل عام في موسم ذوبان الثلوج على الجبال البعيدة، وجبل قاسيون صعدته الأحياء الاسمنتية والمنازل المتراصة  التي بنيت على عجل وبشكل غير قانوني حتى كادت تصل قمته، اما الغوطة - رئة المدينة وسلتها من الخضار والفواكه، تلك التي بهرت الفاتحين الاوائل القادمين من الجزيرة العربية وسلبتهم البابهم منذ مئات السنين معتقدين انها الجنة، تلك الغوطة تلاشت لمجرد بساتين واشجار وحقول متناثرة هنا وهناك على وقع الحاجة الماسة للسكن لمئات الآلاف من السوريين الزاحفين الى العاصمة. فعلى حساب الغوطة فقط زادت مساحة مدينة دمشق بمقدار 24 في المئة، واتت هذه الزيادة من اتصال بعض القرى بالمدينة كحرستا، بيت سحن، عين ترما، جرمانا، المليحة، ببيلا، عربين، زملكا وغيرها.

وشهدت دمشق في العقود الثلاثة الماضية اكبر موجات من النزوح اليها، كان اولها نزوح اهالي منطقة الجولان اثر الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 والذين يتجاوز عديدهم اليوم نصف مليون نسمة، ويتوزعون مخيمات واحياء وضواحي مختلفة اهمها، مخيم الوافدين من شمال شرق المدينة ومنطقة السيدة زينب في الجنوب والمعضمية وجديدة عرطوز في الغرب، ومساكن برزة في شمال شرق المدينة، اضافة لتوزع بعضهم في مخيم اليرموك ومنطقة الحجر الاسود جنوب دمشق حيث يسكنون مع غالبية فلسطينية.

اما موجة الهجرة الاكبر الى المدينة فقد كانت من عموم المحافظات السورية، هذه الموجة التي ترافقت مع نمو جهاز الدولة البيروقراطي و"المركزية" التي طبعت شكل النظام السياسي والاقتصادي منذ الستينات والسبعينات، فدمشق هي العاصمة السياسية والاقتصادية والثقافية وفيها تتمركز الوزارات والجامعات والنشاطات التجارية والمعامل الكبرى ايضا.

اضافة الى ذلك، هي على تماس مباشر من الناحية العسكرية والجغرافية مع اسرائيل وفي اطار الصراع مع اسرائيل، لعبت الحاجة لبناء جيش قوي وكبير، اضافة الى الصراع على السلطة والاستيلاء على الحكم في العاصمة، دورا في هجرة الكثير من العائلات السورية، ومن مختلف المحافظات الى دمشق واطرافها، حيث يقيم العسكريون وتتمركز غالبية المواقع والوحدات المقاتلة من مختلف صنوف الاسلحة. كذلك كان لقلة الاهتمام بقيام مشاريع اقتصادية وخدمية في بقية المحافظات والارياف السورية، وخاصة الزراعية منها، اضافة الى مواسم الجفاف المتوالية نصيب في اسباب الهجرة والنزوح، طلبا للعمل ولتحقيق مستوى معيشي افضل.

وامام موجات النزوح والهجرة الضاغطة على دمشق والتي بدأت في اواسط السبعينات من القرن الماضي وتعاظمت منذ بداية الثمانينات وما زالت مستمرة،  ونظرا الى غياب التخطيط الاستراتيجي وعدم قيام السلطات المختصة بتنظيم اراض للسكن او حتى القوانين اللازمة، وبسبب جشع تجار العقارات وقوة نفوذهم وسطوتهم وهم الذين وجدوا مع شركاء لهم في الجهاز البيروقراطي للدولة، فرصة للاغتناء السريع من خلال استغلال الحاجات المتعاظمة لأبناء الارياف في البحث عن مأوى، كانت النتيجة نمو العشرات من الاحياء حول دمشق بشكل سرطاني وسريع دون مراعاة لأي شروط بيئية وجمالية وصحية، واليوم يسكن في هذه الاحياء حوالى 40% من سكان دمشق، وجلهم من الفقراء وابناء الريف، في تجمعات سكنية بائسة تبلغ حوالي 50 حياً كلها تعتبر مخالفة من الناحية القانونية، ويطلق عليها رسميا "مناطق المخالفات والسكن العشوائي" ابرزها: عش الورور، تشرين، القابون حفيرية، البعلة، المزة ،86 الحجر الاسود، التقدم، التضامن، الزين، الزاهرة الجديدة، الزهور، دف الشوك، الدويلعة، الطبالة، كشكول، الكباس، الدحاديل، القدم، مخيم جرمانا، فلسطين، اليرموك، وادي المشاريع، جبل الرز، الاحياء العليا من ركن الدين وغيرها. هذا عدا القرى والضواحي القريبة والملتصقة لكن محسوبة من الناحية الادارية على محافظة ريف دمشق.

واذا كان الفلسطينيون قد تجمعوا في مخيمات اليرموك وفلسطين وجرمانا، فان السوريين من بقية المحافظات والطوائف الدينية والاقليات الاثنية اوجدوا احياءهم "الخاصة" وإن سكنها مواطنون من محافظات واديان مختلفة، ففي  حي الدويلعة والطبالة يلاحظ وجود غالبية مسيحية قدمت من درعا والسويداء وبقية المحافظات. كذلك وجد اهالي السويداء من ابناء الطائفة الدرزية في احياء جرمانا والتضامن ضالتهم. وتوزع المسلمون من ابناء الطائفة العلوية على احياء عديدة ابرزها المزة 86 وحي تشرين واهالي محافظة دير الزور في عش الورور حيث توجد حارة تسمى حارة الديرية. واهالي درعا رغبوا في السكن في احياء الدحاديل والقدم، واختار الاكراد حي وادي المشاريع وجبل الرز والمزة 86 وبستان الدور قرب المنطقة الصناعية، وركن الدين الذي يحوي تاريخيا على عائلات دمشقية من اصول كردية مثل ديركي، شيخو، شيخاني، وانلي، بوطي، زركي، آل رشي، بارافي، شمدين، ايوبي، خاني، بوظو، مللي، ملا، ديلر بكرلي... وفي ركن الدين تسمى الكثير من الاحياء والساحات بأسماء كردية مثل وانلي - كيكية - ساحة شمدين. اما ابناء محافظتي حلب وادلب فقد توزعت غالبيتهم على احياء مثل القابون حفيرية - الزاهرة الجديدة - حي تشرين وغيرها.

في هذا السياق لا بد من الاشارة الى ان السوريين يتوزعون على كل هذه الاحياء بغض النظر عن الاعتبارات الجهوية والدينية، لكن تمت ملاحظة وجود غالبيات وفرز على هذا الاساس. كذلك لوحظ "نزوح" عائلات دمشقية من منازلها التي اقامت فيها ردحا طويلا، الى احزمة البؤس بعد تضخم اعداد الاسرة في البيت الواحد ونظرا الى الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها، هذه الظروف التي تزامنت مع صعود طبقة جديدة من الاغنياء الريفيين الذين عرفوا بهوسهم للسكن في قلب دمشق واحيائها الراقية.

المزة ...86

في بداية الثمانينات من القرن الماضي، شغلت الكتيبة 586 التابعة لسرايا الدفاع والتي كان يقودها رفعت الاسد شقيق الرئيس الراحل حافظ الاسد تلة من تلال حي المزة غرب دمشق. وبما ان غالبية افرادها من الذين لا يملكون بيوتا للسكن في دمشق، قام بعض ضباطها وجنودها بـ"وضع اليد" على بعض الامكنة المحيطة بالكتيبة، وبنوا بيوتا متواضعة، ومع الوقت ونظرا الى التغاضي وعدم قدرة محافظة دمشق على منعهم، قام الكثير من هؤلاء بالاستيلاء على اراضٍ جديدة قاموا بتعميرها، ومنهم من صار يقتطع ويبيعها لغيره من المحتاجين، رغم انها تعتبر "وقفاً للدولة"، الى ان تضاعفت البيوت وصارت حيا. لكنه حي يفتقد مقومات السكن كلها نظرا الى غياب الخدمات من ماء وكهرباء، آنذاك، وعدم توافر الشروط الصحية المناسبة للسكن. لكن نظرا للأعداد الكبيرة التي قطنت هذا "الحي" وبسبب الحاجة الماسة لوجود شبكات الماء والصرف الصحي والكهرباء التي كان يؤمنها الاهالي بطرق غير شرعية، قامت محافظة مدينة دمشق بتقديم بعض الخدمات.

وقد وجد بعض من العمال الاكراد الذين يعملون  في البناء فرصة للعمل وفي ما بعد للسكن في هذا الحي، نظرا الى كون غالبية افراد الكتيبة 586 في الجيش لا يتقنون القيام بأعمال حرفية، فانتهز بعض الاكراد العاملين في البناء الفرصة وثبتوا موطئ قدم لهم في هذا الحي حتى باتوا يشكلون اليوم حوالى 15% من سكانه اضافة الى ابناء المناطق الساحلية الذين يبلغون حوالى 80% وما تبقى من المحافظات الاخرى.

وقد وجد الكثير من سكان هذا الحي فرصة ذهبية لتحسين اوضاعهم ومستوى دخلهم، فدخل بعضهم في تجارة العقارات، وبنوا محلات تجارية استفادت كثيرا من الازدحام الكبير الذي يعيشه حي المزة ،86 المحتفظ بهذا الاسم الى اليوم رغم تلاشي الكتيبة العسكرية او ربما اتخاذها موقعا جديدا. وقد يستغرب البعض كيف تتم عمليات البيع والشراء طالما ان اصل هذه الاراضي وملكيتها للدولة، وطالما لم تعترف محافظة مدينة دمشق بشرعية وقانونية هذا البناء. ففي مثل هذه الحالات ينظم عمليات البيع والشراء مجرد "عقد بيع وشراء" بين البائع والمشتري يحدد سعر ما تم بيعه ومواصفاته بوجود الشهود. اما اذا كانت ملكية الارض تعود في الاصل الى الافراد، فيتم البيع والشراء بموجب "طابو  زراعي" يعترف بالارض الزراعية وليس بالبيت المبني عليها باعتبار انه من غير المسموح البناء في المناطق التي لم يشملها التنظيم العمراني.

ويبدو ان وعيا حكوميا مبكرا قد لامس الازمة حين صدر عام 1960 القانون الرقم 44 الذي يقضي بازالة مخالفات السكن العشوائي وغير المنظم بالهدم، لكن الحكومة لم تستطع آنذاك ايقاف المخالفات ولم تنفذ الهدم، وتلى ذلك اصدار مجلس مدينة دمشق قرار عام 1974 لمعالجة المخالفات القابلة للتسوية بالغرامة، اي القبول بالامر الواقع، مما افسح المجال واسعا لنمو الفساد في البلديات. ويرى مراقبون اقتصاديون ان مجموعة القوانين التي صدرت كانت في شكل او آخر تخضع لمزاجية في التطبيق الى حد كبير ما ساهم في زيادة التعقيدات البيروقراطية، خصوصا القانون 60 الذي صدر عام 1979 وقضى بمنع البناء خارج المخططات التنظيمية. واكدوا ان هذا القانون شهد تجاوزات كبيرة من بعض المحسوبين على صناعة القرار، مما ادى الى مراكمة ثروات هائلة بطريقة غير مشروعة. وعلى مدى عقدين استطاع هؤلاء ضمان استمرار العمل بهذا القانون. وبغية معالجة تلك الحالات المرضية قامت الحكومة باصدار القانون 26 للعام 2000 الذي يرمي الى انهاء حال الجمود العمراني ويؤكد على البناء السكني المنظم، لكن ذلك لم يغير من واقع الامر شيئا، وتبعه القانون الرقم واحد عام 2003 والذي لم يغير بدوره ما يجري على الارض خصوصا في دمشق.

وادي المشاريع او "زورافا"

في بداية الثمانينات قام احد الاكراد من منطقة عفرين قرب حلب، وكان يعمل ناطورا في احد المباني الشاهقة في منطقة "مشروع دمر" شمال غرب دمشق، بالاستيلاء على بقعة ارض على احدى التلال المجاورة جنوب المبنى الذي "ينطره"، وقام بتخطيطها بالرمل الابيض، مقررا ان يبني بيتا لأسرته عليها طالما ان هذه الارض "للدولة". وما هي الا ايام حتى بنى البيت المؤلف من "غرفتين وصالة" وقد دعا الكثير من ابناء جلدته الذين لا يملكون بيوتا للسكن بجانبه، وقد وافق البعض ورفض البعض الآخر المغامرة، نظرا الى ان المنطقة جبلية جرداء لا تصلها الماء ولا الكهرباء ولا اي نوع من انواع الخدمة، وعدا ذلك هي منطقة "للدولة"، لكن الناطور الكردي كان يجيب ان من الممكن القيام بذلك من طريق الـ"زورافا" وهي كلمة كردية تعني الاستيلاء؟

واليوم يقطن حي وادي المشاريع الذي يسمى عند الاكراد حي "زورافا" عشرات الآلاف من اكراد الجزيرة وعفرين اضافة الى بعض الفقراء العلويين من ابناء المنطقة الساحلية.

وعند سؤالنا "ابو خالد" وهو رجل خمسيني قدم من قرية دير دجلة التي يسميها الاكراد "دير برافي" لماذا قدم الى هذا الحي الذي لا تتوافر فيه الشروط الملائمة للسكن، اوضح انه قدم منذ عام 1995 نظرا الى الفقر وعدم امكان الاعتماد على الزراعة بعد استيلاء "الدولة" على كميات كبيرة من الاراضي في اطار مشروع "الحزام العربي" الذي منح العرب والبدو الكثير من الاراضي على حساب الاكراد.

وقد عزا "ابو خالد" قيام الكثير من شباب وادي المشاريع بأعمال الشغب اثر احداث القامشلي في منتصف آذار الفائت، للفقر والظروف القاسية التي يعيشها ابناء الحي، والظلم الذي يتعرض له الاكراد، ومن بينهم ابنه الذي سجن منذ سنتين، وما زال سجينا، بسبب مشاركته في اعتصام امام احد المقرات الدولية في دمشق.

في "زورافا" او وادي المشاريع لا يوجد اليوم مدرسة ولا مستوصف طبي عام مثل باقي الاحياء الشعبية، ولا يتوافر الكثير من الخدمات الضرورية للسكن، كذلك فان غالبية البيوت مثلها مثل بقية الاحياء الشعبية ضيقة ولا تدخلها الشمس. لكن اللافت وبعكس احياء كثيرة حول دمشق، ان وادي المشاريع لا يوجد فيه سوى مسجد متواضع لا مئذنة له، وقلما يدخله مصلون.

في حي "الزين" الذي يقع جنوب حي التقدم (جنوب دمشق)، كان احمد وهو شاب يبلغ من العمر 15 عاما، يبحث في القمامة المنتشرة في كل شوارع الحي، عن "النايلون" ليبيعه لبعض المعامل. وفي هذا الحي لا توجد مياه صالحة للشرب ولا كهرباء، ولا شبكة هاتف، فقط القمامة المنتشرة في الشوارع تملأ المكان وتعطيه هوية.