خروج العرب من التاريخ

الراية القطرية

يوسف القعيد - كاتب وروائي مصري :-   هذا العنوان ليس من عندي. . إنه عنوان الكتاب الجميل للدكتور فوزي منصور، وعندما عدت للبحث عنه مؤخراً اكتشفت أن النسخة الموجودة عندي نسخة مهداه من المؤلف الي أحد أصدقائه، وعليها تعليقات بالقلم الرصاص في أكثر من مكان، لست متأكداً إن كان من قرأ الكتاب هو نفسه الذي دوّنها،هذه قصة لا علاقة لها بما أريد كتابته سوي في استعارة العنوان فقط وقد عرضت القصة كنوع من التلكؤ قبل أن أجد نفسي وجهاً لوجه أمام حالنا العربي الراهن. لأن هول ما يجري يفوق حتي الخيال الإنساني نفسه، أقصد الخيال في شكله السلبي وليس الإيجابي، أي عندما يكون هداماً وليس بناءً.


مشهدان لابد من البدء بهما

بوش وشارون في مؤتمرهما الصحفي والوثائق الصادرة عن هذا اللقاء. ثم مشهد الجيش الأمريكي الذي يحاصر الكتيبة 36 في معسكر قرب الفلوجة لمجرد أن جنودها وضباطها رفضوا اقتحام مدينة الفلوجة المحاصرة منذ 5 إبريل الجاري مع إغلاق 77 مسجداً من مساجدها وترك ثلاثة فقط لأداء الشعائر وكان هؤلاء الجنود إما أن يبيدوا الفلوجة أو يبادون هم أنفسهم. مذابح التاريخ الكبري التي قامت و تقوم وستقوم بها أمريكا. فالفارق بين مذابح الفلوجة ومذابح الهنود الحُمر؟. آخر الاكتشافات المذهلة أن الجيش الأمريكي المحتل للعراق، جيش من المرتزقة ألف دولار في اليوم لكل مرتزق، عبودية من نوع جديد لا تخجل أمريكا من القيام بها رغم كل ما تقوله عن حقوق الإنسان، مع المرتزقة من الأمريكيين الذين لابد أن يكونوا من السود، ولهذا فمهما ارتفع عدد القتلي لا يؤثر في بنية المجتمع الأمريكي، لن يتمزق الواقع الأمريكي مثلما تمزق بعد وصول قتلاه من فيتنام. هل لاحظت القائد الأمريكي في العراق وهو يحدد أعداد قتلي الأمريكيين والعراقيين في الأسبوع الأول من معارك الفلوجة : سبعون أمريكياً في مقابل سبعمائة عراقي، عشرة عرب في مقابل أمريكي واحد، هل لاحظت سعادة القائد وهو يتكلم عن قتل مقتدي الصدر وكأنه يتكلم عن ذبح دجاجة؟ ثم هل عرفت أن المحتلين منعوا سكان الفلوجة حتي من دفن موتاهم لأن المدافن خارج المدينة، كل ما كان يهم الأمريكيين هو إحصاء، عدد الشهداء حتي تتم مقارنة الرقم بعدد قتلي الأمريكيين. ولا زال بوش يتكلم من بيته الأبيض عن الحرية والديمقراطية التي يحملها لأهل العراق، وكأنه لا يعرف ماذا حملت الحرية والديمقراطية الي العراق.

أبدأ من المشهد الذروة شارون يقابل بوش، وهناك الكثير من أوجه التشابه بينهما، لكل منهما مزرعته الضخمة، وكلاهما جاء الي الحكم في بلده بطريقة مريبة وغريبة، اختار شارون أن يسافر من أكبر مستوطنة في الضفة الغربية، قال لمُلاّكها إنه لن يقترب منهم أحد، وان هذه المستوطنة ستظل الي الأبد.

نسي الإرهابي شارون أن إسرائيل نفسها لن تبقي الي الأبد. كل غزاة التاريخ جاءوا ورحلوا وبقيت الشعوب كما هي. وعندما قيل لشارون أن هناك توقعاً ألا يوافق بوش علي مطالبه هدد بعدم السفر، الي أن وصلته تأكيدات جديدة.

ما حصل عليه شارون أكبر من كل توقعاته. عدم الانسحاب من 5 % من غزة. الاحتفاظ ب 58 % من الضفة. إسقاط حق العودة. تجاهل القدس وقضيتها المُعقّدة الشائكة. ورغم ردود الفعل الكلامية في الوطن العربي إلا أن بوش بعد موعده مع شارون ب 48 ساعة كانت لديه فرصة إعادة النظر فيما ذهب اليه من العداء المُطلق لكل ما هو عربي. وإذا به يبدو مصمماً علي ما قاله بل ويهدد الفلسطينيين إن لم يقبلوا بهذه الفرصة نادرة الحدوث بالنسبة لهم فلن يجدوا بديلاً. لقد أعطي بوش لاسرائيل ما يساوي وعد بلفور وأكثر. أعطي شارون كل ما يمكن إعطاؤه، ثم كانت له مطالب من الفلسطينيين. بوش يطلب من الفلسطينيين استئصال الإرهاب وتفكيك البنية التحتية له والقيام بالإصلاحات المطلوبة منهم. وكانت هناك مطالب من العرب أيضاً : الإصلاحات ومساعدة الفلسطينيين. لقد قسم بوش هذه اللعبة حيث سيساعد هو الصهاينة أما مساعدة الفلسطينيين فعلي العرب القيام بها، مع أنه يحرم تقديم أية مساعدات للفلسطينيين لأنها مساعدات للإرهاب باعتبار أن أمريكا هي الوحيدة التي تحدد من هو الإرهابي ومن هو رجل السلام. مع أن بوش الذي نقول عنه ليلا ونهاراً أقوي رجل في العالم لا يعرف حقائق الأوضاع في الوطن العربي، بدليل أنه ظل أكثر من عشرة أيام يطلب من مقتدي الصدر حل جيش المهدي، ثم اتضح أن جيش المهدي لا علاقة له بمقتدي الصدر، بل هو تابع للحوزة الدينية، الدولة العظمي في الكون لا تعرف ابسط المعلومات. لا يعرف رئيسها أنه ليس من حقه إعطاء وعود لشارون علي حساب أهل فلسطين، هم الوحيدون الذين يمتلكون هذا الحق.

نصل الي ردود الأفعال في الوطن العربي، المظاهرة الوحيدة التي رفضت ما قاله بوش كانت في فلسطين المحتلة، والغليان العربي الذي أتي بعد ذلك كان بعد اختيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. أكثر المواقف حِدّة علي وعد بوش كانت موقف الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي بدا عربياً أكثر من العرب. قال: التغيير الأحادي بين الفلسطينيين والاسرائيليين سابقة خطيرة، ولا يمكن فرض المبادرة الأمريكية للإصلاح علي الوطن العربي.

صحف أمريكا : عارضت امريكا -ربما أكثر من الصحف الأخري - تكتب الصحف الأمريكية " هل جاءنا الأمان باحتلالنا للعراق ؟ " كلام كثير عن الإخفاقات، عن الخطر الذي يمثله بوش في الشرق الأوسط، كلام عن الجريمة الأمريكية يكتبون : " لم يعد من السهل علي بوش بيع أية أوهام جديدة علي الأمريكيين، لماذا يورطنا بوش في الشرق الأوسط مرتين، الأولي في العراق والثانية في فلسطين، لماذا يعطي وعودا لم يسبق لرئيس أمريكي أن قدمها من قبل ؟، حتي ترومان كل ما فعله هو الإسراع في الاعتراف بقيام الدولة الإسرائيلية، أما بوش فقد تجاهل كل ما هو عربي وجميع ما هو إسلامي ". لم يفكر بوش لحظة واحدة أن هناك 300 مليون عربي، وأن علي ظهر الكرة الأرضية أكثر من مليار مسلم.

المسافرون الي واشنطن والعائدون منها يقولون أن بوش يحتفظ بكتاب صادر حديثاً في أمريكا ينظر فيه لحظات قبل النوم، فالرجل لا ثقل له علي القراءة الطويلة، وإلا لكان إنساناً آخر، ومن ثم وجدنا أنفسنا في مواجهة أمريكا أخري، هذا الكتاب يشرح كيفية التعامل مع شعب مهزوم، إنهم ينظرون الينا باعتبارنا شعباً من المهزومين، وهذه أكبر هزيمة في حد ذاتها.