مشكلة الأكراد: ...الخاسر الوحيد سوريا

عبد الرزاق عيد

 

إن ما حدث في "الجزيرة السورية" يؤشر إلى بداية التشقق في بنية العمارة السلطوية الشمولية التي بنت جمهورية "الخوف والصمت" في سوريا، أي بداية تشقق خطاب "قوموي" بلاغي شعاري، يقوم على التوحيد اللفظي للوطن، إنطلاقا من وعي سحري يرى الحقيقة قائمة في الاسم وليس في الجسم، في الكلمات وليس في الوقائع، فحسبنا أن نتغنى بالوحدة الوطنية لكي تُستدعى هذه الوحدة كواقع متحقق، بغض النظر عن كل الاحتقانات الاتنية والخراجات الطائفية التي تتعاور جسد الوطن.

المهم ان لا نذكرها، أن لا نتلفظ باسمها، فالذكر، الاسم هو الذي يستدعيها، تماما كما نتعوذ بالله من ذكر الشيطان أو الجن أو الحديث عن "ذلك المرض" أي "السرطان" الذي ينخر العظام، والخلايا ...

فسرطان الفئوية الطائفية والاتنية الذي يعشش في الدماغ الثقافي والوعي الاجتماعي السوري، علينا أن لا نذكره  لكي لا يحضر، ففي ذكره يكمن حضوره، فالخطورة - إذن - لا تكمن في واقعه، بتموضعه، بتمفصله في كل الجسم الوطني، بل بالتفوه بـ"ملفوظه". عندها ستنطلق التهم والإدانات والتنديد بالطائفية، وتنبثق كل الأرواح الشريرة الساكنة تحت السطح.

الفئوي يحقق على الارض منجزاته ومكاسبه وامتيازاته، واستحواذه "النضالي" النهم الذي لا يشبع والذي ليس له قرار على كل ما تطاوله يداه باسم الوطن والعروبة والحرية والاشتراكية، لكنك ستكون أنت العلماني التنويري العقلاني الديموقراطي طائفيا ولو كان لك عشرات المؤلفات الداعية إلى كل المعاني السالفة، لأنك تفوهت بذكر شيطان المحظور!

يموت مريض السرطان في بلادنا، بلاد التعوذ بسحر الكلمات، دون أن يجرؤ -يوما- هو ومن حوله على التلفظ بذكر السرطان، حتى بعد موت المريض، يقولون: مات بـ"ذاك المرض" ...

كان يكفي الأكراد في سوريا أن نشبع حاجتهم لتحقيق الذات الثقافية والوطنية والقومية، أن نقدم لهم من كرمنا العربي كميات فخمة من المفردات البيانية والصفات البلاغية، فنمنحهم وسام شرف الانتماء للعروبة ليثملوا منتشين معنا بالرسالة الخالدة، دون ان ننظر بجدية لفتح ملف أرضي يعالج سرطان الوزمات ماقبل الوطنية -اتنية وطائفية- التي تخترق كيان الوطن  والمجتمع، لننظر في شأن "100 أو 200 أو 300 ألف" كردي بلا جنسية، لافرق من حيث الرقم لأن الله وحده هو الأعلم بالأعداد لأنه في بلادنا لا يعرف حقيقة العدد والرقم إلا خالق الأعداد والأرقام.

يكفيهم ان نمنحهم شرف العروبة انتماء للبهاء اللغوي، ونحرمهم على الارض من الحقوق الأولى للمواطنة، وهي امتلاك الجنسية.

هم يريدون المواطنة، ولهم عشرات السنين، وهم لا يتركون بابا إلا ويطرقونه من أجل مشكلة "البدون"، يرفعون العرائض، ويجرون الاتصالات مع الاحزاب والمثقفين، وصولا إلى القيادة القطرية، ورئاسة الجمهورية، وهم لا يحصلون في المآل إلا على شرف  منحهم وساما فخما من أوسمة الاستحقاق السحري اللغوي البلاغي، وهو وسام الانتماء إلى العروبة، في حين أن مطالبهم أكثر تطامنا من هذا البذخ البلاغي إذ لا يبتغون أكثر من وثيقة الجنسية السورية موفرين علينا "عروبتنا" راضين بكرديتهم، فالمطلوب ليس أكثر من مجرد وثيقة ورقية مثلهم مثل مواطنيهم العرب - الغلابة - الذين لا يملكون من جنسيتهم ومواطنيتهم سوى الأوراق!

وأن يكون لهم مدارس خاصة يتعلمون بها لغتهم ويتعرفن على ثقافتهم أسوة بمواطنيهم السريان والأرمن، ... الخ.

نحن لا نسمع من أطياف الحركة الكردية في سوريا أكثر من هذه المطالب، هذا إذا ضربنا صفحا عن الأصوات الموتورة التي تأتينا من الخارج عبر مواقع الانترنيت أو عبر بعض الفضائيات، فكل الأحزاب الكردية في سوريا تجمع على هذه المطالب التي لا تتجاوز حقوق المواطنة السورية.

كان الأكراد يلجأون إلى أشقائهم المثقفين العرب (كتابا ومفكرين وفنانين ) ليضموا صوتهم معهم في سبيل مطالبهم العادلة، لكن المثقف العربي المبهظ بإفلاس مشروعه القومي والمثخن الوجدان بجراحات الهزيمة، كان في طور مراجعة منظومته الفكرية القومية التي قادته إلى كل هذا الحطام، هذا المثقف العربي المطعون بشرفه القومي لم يكن في وضع ثقافي وعقلي- بعد أن يئس من طغاته قادة احلامه القومية- ليصغي ويتفاعل مع الهموم القومية للآخر حتى ولو كان الشقيق الكردي في الوطن الواحد، فالوعي المثقل بالهزيمة أصبح مهجوسا بهم نهضوي تنويري حداثي يتجاوز الخطاب القومي التقليدوي (عربيا كان أم كرديا)، ففي حين راح الوعي القومي العرب ينكفئ في اتجاه الكشف عن "رذائله القومية" على حد تعبير النهضوي المنسي عمر فاخوري وهو يتمثل مواقف استاذه أناتول فرانس داعية الكشف عن الرذائل القومية، كان الأكراد -على العكس- يستعيدون صبوات أشواقهم الحارة إلى امتلاك الأنا ايديولوجيا، ظانين أن العرب قد أنجزوا المرحلة التي يصبوالأكراد إليها، دون ان يتملوا عمق مأساة هذه الأمة "الفيل" المطاردة من قبل "الفأر" الاسرائيلي!

لكن مع ذلك فإن الأكراد شانهم شأن العرب في بروز ذلك الميل منذ عقدين إلى الانتقال من المطلق إلى النسبي، أي من الطوبى القومي إلى الممكن الوطني، دون التخلي بالضرورة عن القومية كحلم مشروع.

هذه الفيقوقة للوطنية السورية الجديدة هي التي تفسر اضمحلال الخطاب الشعبوي (القوموي العروبي) في مصفوفة خطابات الحركة الديموقراطية المعارضة في سوريا، التي -أي سوريا- كانت تحضر بالوجدان والوعي السوري بصفتها كيانا اقليميا موقتا عابرا في اتجاه دولة الوحدة العربية، دولة الوطن /الأمة العربية!

هذه الأدلوجة الطوباوية المشدودة النظر إلى مستقبل حلمي، كان يمارس تحت غلافها الطيفي أشد انواع الخراب الإداري والقانوني والحقوقي والتشريعي والتعليمي والفني والأخلاقي على المستوى الوطني، فتطامنت الأحلام القومية الكبرى، إلى مستوى إنقاذ الأوطان من التفتت الداخلي الذي يهيئه الطغيان الداخلي للاستعمار الخارجي .

كان الأكراد، وتحت ضغط ظروف مماثلة ومتشابهة سوريا على الأقل، يميلون في اتجاه التجذر الوطني السوري، عبر الاستقلال عن المرجعيات الكردية الخارجية، خاصة البرزانية.

والتأكيد على هوية المواطنة السورية بصفتها انتماء سوريا نهائيا، وعلى هذا وجدت أن مستقبل مواطنيتها هذه رهن بمستقبل الحركة الوطنية الديموقراطية السورية كمشروع استراتيجي، لا يقبل المساومات المؤسسة على استراتيجية فئوية وطائفية تستقوي بتحالفات أقلوية على مجتمعها ووطنها، بعد أن أظهرت الأحداث الأخيرة أن تحالفات كهذه -عبر وطنية- لايمكن إلا ان تكون هشة وفخارية وموقتة، لأن ما يتأسس على مابعد الوطن، لا يمكن إلا أن تأتي نتائجه على حساب الوطن بغض النظر عن النيات!

فالوعي الوطني المدني الديموقراطي الكردي راح يتلمس خياراته الوطنيةالاستراتيجية عبر الاندماج المواطنوي، لا التحالفات الأقلوية، التي أرادتها بعض النخب الفئوية المتسلطة  مع بعض النخب الكردية التقليدية، ليبدو الاكراد- ولفترة طويلة- وكأنهم حلفاء لبعض المتنفذين من طغم الفساد في عيون عرب "الجزيرة السورية" الذين كانت تلاحقهم لعنة التعاطف والإتهام بالولاء لصدام حسين ...

هذا النزوع للاندماج المواطنوي عبر الانخراط في الحركة الديموقراطية، كان يعبر عنه بالصوت الكردي القائل: إن مصير اعتقال عارف دليلة ومجموع ناشطي ربيع دمشق أهم بالنسبة لنا كمواطنين سوريين أكراد من مصير اعتقال أوج ألان ذاته.

لذلك فقد وجدت نخب التسلط الفئوي والفساد في هذا التوجه الاندماجي تعزيزاً لقوة الحركة الوطنية والديموقراطية السورية، وقد تمثلت في فاعليات ونشاطات مشتركة أكثر ما عبرعنها حالة التضامن مع الناشطين الـ14، حيث كان الحضور الكردي لافتا أمام المحكمة العسكرية في حلب.

ومن هنا فإن الرد الأحمق والطائش من جانب محافظ الحسكة بإطلاق الرصاص على مواطنيه تعبير مضمر انتقامي ضد الحركة الديموقراطية السورية ذاتها بعربها وأكرادها، وما استمرارية الاعتقالات والتنكيل إلا تأكيد على رغبة السلطة في استغلال هذا الحدث حتى الحدود القصوى بإعادة البلاد إلى مملكة الخوف والصمت، من خلال إظهار القبضة الحديد لإخراس الجميع، تماما كما تم استغلال أحداث سنة الثمانين لهزيمة السياسة من المجتمع والمجتمع من السياسة باسم هزيمة الاسلاميين!

لقد قال أحد المتهوسين الأمنيين الاشاوس لأحد المثقفين وهو يحقق معه، يهدده ويتوعده، بأن أيام العز قادمة وسنريكم!

ونتمنى أن لا يخطئ هؤلاء الحساب فيظنون ان أيام العز قد أتت، لأنها -ببساطة- لن تأتي يوما في المستقبل، فأيام العز التي قد وجدت فردوسها المفقود في سرادق كواليس الحرب الباردة والتعيش على متناقضاتها انتهت إلى غير رجعة، ومسار العالم في اتجاه احترام الحريات وحقوق الانسان لن يقرره نجاح بوش أو سقوطه المراهن عليه -عربيا- لكسب الوقت، إذ أن روح العصر لم تعد تقبل صفقات مع وكلاء ديكتاتوريين لا يفهمون معنى للسيادة الوطنية سوى  معنى اطلاق أيديهم برقاب شعوبهم وثروات بلادهم، فحتى الوكلاء الذين يشترون كرسي حكمهم من النظام العالمي الجديد كالقذافي، لن يتاح لهم ان يستعيدوا أيام العز، بل سيكونون ديكتاتوريين صغاراً صاغرين بلا مخالب ولا أنياب بما في ذلك على شعوبهم...

نقول: تحاول بعض الاطراف المتنفذة أن تدفع بموضوعة قمع الأكراد حتى نهاياتها رغبة في استعادة أيام العز، أيام ممالك الصمت لإخراس الجميع، وقد تكون نجحت في إشاعة هذه المناخات، وقد تكون نجحت في تأليب بعض الأوساط الشعبية العربية على مواطنيهم الأكراد، محولة شعورها بالإحباط والسلبية تجاه الجبروت العسكري الأميركي، إلى شعور تعويضي يستبدل استشعار العجز والهزيمة، باستشعار القوة والغطرسة نحو أبناء بلدهم الأكراد الطيبين، لتتحول النقمة من الآخر-الخارجي- المتغطرس إلى الجزء الضعيف من "الأنا الوطني" لتحميلها كل الشرور التي أدت إلى واقع الهزيمة الذي يصنعه النظام العربي القائم بكل جدارة. فالأوطان التي تعيش تحت نير الإستبداد تفقد معنى وطنيتها -لأن لا وطن حيث لا قانون- فلا يبقى من معنى الوطنية سوى معنى احتقار الأمم الأخرى  حسب وصف سان جوست ...  إذا صح ان نعتبر انتصارسلطة -أية سلطة - على شعبها انتصارا، لكنه لا يمكن أن يكون هذا الانتصار - وبكل المقاييس- سوى هزيمة للوطن، لأنه ولأول مرة في سوريا بدأت ترتسم ظلال شروخ وانكسارات واحتمالات انفجارات فئوية أخرى، كانت كلها تمور تحت السطح.

إن هذه الجيوب الإلتهابية والعقد السرطانية (الفئوية: الإتنية والطائفية) التي تنتشر في خلايا الجسد الوطني، هي التي تؤهل الداخل بصفته مريضا يعسر علاجه إلا في المشافي (الاجنبية) لإختراق الخارج، لأن الخارج لا يخترق الداخل إلا عندما يكون الداخل مخترقا بالأصل، هكذا تمكن الاميركيون من اختراق شرف بغداد المخترقة سلفا بالطغيان وكرامتها...

إن مساعدتنا للأخوة الأكراد الوطنيين الديموقراطيين العقلانيين المعتدلين في ضبط الإندفاعات الغريزية لقطاعات واسعة في أوساط شعبنا الكردي السوري، تكمن في رفع أصواتنا المتضامنة مع حقوقهم الثقافية والمواطنوية المشروعة، والتنديد بكل أشكال العنف وأساليب القمع التي يمارسها السفهاء منا، متوجهين بتعازينا القلبية إلى أسركل الذين سقطوا ضحايا العنف، مطالبين بمحاسبة كل أولئك الذين ساهموا في إشعال هذه الفتنة من كل الأطرف وأولهم اولئك الذين استهانوا بدماء ابناء وطنهم ، لكن ان تتم المحاسبة للجميع ليس بأساليب الترويع البائدة عبرالمداهمات والإعتقالات، بل بأساليب مدنية حقوقية قضائية تحترم حقوق الإنسان وكرامة المواطن.(حلب)

كاتب سوري