"ديموقراطية" الانترنت في سوريا

فايز سارة

 

يحمل البريد الالكتروني في سوريا للمشتركين فيه يومياً مئات آلاف الرسائل البريدية، التي يعالج بعضها شؤوناً سورية، وكثير منها يتناول موضوعات حساسة، وبعضها يتجاوز الحساسية، ليصنف في دائرة تناوله موضوعات تتجاوز الخطوط الحمراء في تماسها مع السياسة السورية وخاصة الموضوعات الداخلية ومنها قضايا الاصلاح والديموقراطية وحقوق الانسان، وهي قضايا، امتنعت الصحافة السورية عن معالجة كثير منها، او تناولتها بصورة مبسترة، والامر في هذا ينطبق بصورة خاصة على الصحافة الرسمية، وعلى الصحافة الخاصة التي ظهرت بعض منابرها في السنوات الثلاث الماضية. وقد أدى تناول هذه الموضوعات من جانب صحيفة "الدومري" الى اغلاقها بعد ملفها عن الاعلام السوري. وتعرضت صحيفة "النور" الى تأخير توزيعها مرات عدة لاسباب تتعلق بطرحها موضوعات، اعترضت عليها الرقابة السورية.

وأدى التضييق على الصحافة المكتوبة، وعدم تناولها القضايا الحساسة في السياسة السورية الى توجه المهتمين من الكتاب والصحافيين والعاملين في الشأن العام الى النشرات الالكترونية ومواقع الانترنت لطرح هذه الموضوعات ومناقشتها عبر الانترنت والبريد الالكتروني، التي تشرف على مخدميهما الدولة بصورة كاملة. وكان بين التجارب الاكثر اهمية في هذا المجال موقع "لجان احياء المجتمع المدني "في سوريا"، التي تضم فاعليات من المثقفين ونشطاء المجتمع المدني، وكذلك موقع "الرأي" الناطق بلسان الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) الذي يتزعمه المعارض المعروف رياض الترك.

كما ان بين المواقع العاملة في المجال نفسه موقع "اخبار الشرق" الذي تديره من العاصمة البريطانية اوساط مقربة من جماعة الاخوان المسلمين المحظورة في سوريا، وموقع "شبكة مركز دمشق" الذي يديره ناصر الغزالي، وتضم الشبكة مواقع "مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية"، و"اللجنة العربية لحقوق الانسان"، و"اللجنة العربية لنصرة العراق".

وينقل البريد الالكتروني في سوريا محتويات بعض هذه المواقع من اخبار ومقالات وتحليلات، كما في موقع "اخبار الشرق"، كما ينتقل في احيان اخرى الروابط الالكترونية لهذه الموضوعات موقع "لجان احياء المجتمع المدني" على أمل قيام الذين يتلقون الرسائل البريدية بالدخول الى هذه المواقع ومتابعة ما تطرحه من موضوعات وقضايا، والمشاركة في تناول هذه الموضوعات من وجهة نظرهم.

وشهد ميدان النشر الالكتروني في سوريا ولادة تجربة شديدة الخصوصية قبل نحو ستة اشهر، عندما بدأ المهندس ايمن عبد النور وهو شخصية سورية معروفة، شاركت في العديد من اللجان  الرسمية التي تصدت للبحث في قضايا عامة ولاسيما ما يتعلق بالموضوعات الاقتصادية الى اصدار نشرة بعنوان "اوراق من الانترنت"، تقوم على فكرة جمع اخبار ومقالات وتحليلات تتعلق بالشأن السوري مما ينشر في الصحافة والمواقع الالكترونية عبر العالم، وتوزيعها على عدد محدود من المشتركين والمهتمين بغية توفير قاعدة من المعلومات والمعطيات للمهتمين واصحاب القرار في سوريا.

ويبدو ان نجاح تجربة "اوراق من الانترنت"، دفع الى تطوير الفكرة، واطلاقها في الابعد، فتم اصدار نشرة الكترونية جديدة باسم "كلنا شركاء في سوريا"، التي تجاوزت فكرة جمع ما يكتب الى طرح موضوعات يقوم كتاب ومثقفون بكتابتها خصيصاً للنشرة، لتكون الى جانب ما يجمع من مواد حصيلة متكاملة الموضوعات الاخبارية والتحليلية في تناولها لجوانب في السياسة السورية الداخلية والخارجية.

وبطبيعة الحال، تم توسيع اطار توزيع النشرة الجديدة، ليصل حجم توزيعها الى نحو اثني عشر ألف مشترك في سوريا والعالم، تحمل اليهم آراء ومواقف السلطة والمعارضة، ووجهات نظر الذين يقفون بين الجانبين داخل سوريا وخارجها.

والهدف من اصدار نشرة "كلنا شركاء في سوريا" كما يقول عبد النور في حوار معه "خلق حراك اجتماعي، كي يطور النظام ادواته في ظل الثورة المعلوماتية والاعلامية الحاصلة في العالم"، وهو هدف يتقاطع مع هدف العديد من المواقع والنشرات الالكترونية السورية، التي تحاول الوصول الى قطاعات الرأي العام في سوريا وخارجها بغية تحسين الاوضاع في سوريا وتطويرها في مواجهة التحديات القائمة والمحتملة، كما قال احد مشرفي المواقع الالكترونية السورية.

وتعيد تجربة السوريين في معالجة قضاياهم ومتابعتها من خلال ميدان النشر الالكتروني الى الواجهة موضوع الاعلام السوري الذي قيل الكثير بشأن تطويره والنهوض به في السنوات الاخيرة من جانب السلطات والمعارضة السورية على السواء، لكن دون تحقيق نجاحات ملموسة. اذ ما زال الاعلام السوري، يرتع في صورته النمطية المعروفة وخاصة لجهة سيطرة الدولة عليه بصورة شبه مطلقة، فيما المنابر الاعلامية الخاصة وتلك التي تصدرها الاحزاب والجماعات السياسية المنضوية في اطار الجبهة الوطنية التقدمية حليفة حزب البعث الحاكم اقل قدرة على مواجهة شروط الرقابة، وتناول الموضوعات الحساسة، وتلك التي تمس الخطوط الحمراء في سياسات دمشق الداخلية والخارجية. ويقول احد الاعلاميين، ان تطور الاعلام الالكتروني امر مهم، لكنه غير كاف، والمطلوب تطوير الاعلام المكتوب والمرئي والمسموع في سوريا، اذا كان الهدف الوصول الى الجمهور السوري واعادته الى دائرة الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي لأخذ دوره في حياة بلده ومستقبلها.