النظام الشمولي ينهي نفسه بنفسه:

لماذا الشمولية العربية استثناء؟

ميشال كيلو

 

في كتاب شهير اصدره عام 1954 بعنوان "مراحل النمو الاقتصادي"، قسّم الاقتصادي الاميركي والت وايتمان روستو حياة النظام الشمولي مراحل ثلاثاً، يتشكل في أولاها: ثم يحاول اصلاح نفسه في الثانية وينهار في الثالثة.

يقول روستو ان المرحلة الأولى من عمر النظام الشمولي تكون ايديولوجية، بمعنى ان النظام ينبني فيها انطلاقاً من "ترسيمة مغلقة" تحدد ماهيته وطابعه ونمط انتاجه المادي والمعنوي واشكال اشتغاله وآليات عمله ومصالحه وحتى نمط زعامته. في هذه المرحلة، التي تكون الايديولوجيا فيها المنطلق والمعيار، ينفرد حزب او تنظيم سري بمطابقة الواقع الجديد مع ما فيها من رؤى وخطط يجب ان يتشكل على صورتها ومثالها، الأمر الذي يجعل النظام الايديولوجي منبع النظام الشمولي ومصدره الوحيد، ويضفي القدسية على حملتها وخاصة القياديين منهم، الذين يتحولون الى كائنات فوق بشرية، معصومة وطهورة، لا يجوز المسّ بها او انتقادها في أي ظرف او حال، بما انها تنفرد بمعرفة مفاتيح هذه الايديولوجيا واسرارها، حيث تكمن صورة الواقع المسبقة والنقية، ويتجسد نظامه المنشود في حملتها وما يصدر عنها من أقوال وأفعال.

هذه المرحلة تنتهي الى أزمة شاملة تتظاهر في أمرين خطيرين: عجز الايديولوجيا عن ايجاد علاج من داخلها وبأدوارتها للمشكلات التي ينتجها تحققها في النظام الجديد، الذي يكون شمولياً بالضرورة، من جهة، وتحول الشمولية من وعد الى كابوس، نتيجة غياب الدولة والمجتمع المتعاظم عن نظامها وانقلابها الى بنية فوقية تعمل وفق معايير اوامرية واحدية الاتجاه، تنزل من فوق الى تحت، حيث البشر أدوات يتم تحريكهم في المنحى المطلوب، يكون التحكم فيها أكثر سهولة وتلبية لمصالح "النظام العام"، بقدر ما تتلاشى ارادتها وتموت حريتها، من جهة أخرى. بكلام آخر: تقوض الشمولية الدولة والمجتمع، فلا يبقى من حامل لمشروعها غير سلطة يزداد طابعها الاكراهي الى أن يصير هويتها الوحيدة ومركز اعادة انتاجها واستمرارها. ولأن هذه السلطة تلغي بصورة متعمدة ومتعاظمة أساسها المجتمعي: فإنها تتحول الى بناء معلق في الفراغ، لا يستند الى أي أساس، يعيد انتاج نفسه من فوق، من القيادة ممثلة في شخص الرئيس أو الأمين العام، فيشل الجمود حركته ويحول اجهزته الأمنية والادارية والحزبية... الخ الضخمة: المكلفة بادارته او حمايته، الى عبء يتصدع تحت ثقله.

ببلوغ النظام الايديولوجي هذا الوضع، تبدأ مرحلة تفككه الأولى، التي تأخذ شكلاً محدداً يكمن في استعارة آليات وتقنيات ادارة وحكم من خارجه. آليات وتقنيات غير ايديولوجية، تستخدم من أجل علاج أزماته وارساء قواعد نواظم جديدة لوجوده تضمن تحديثه وتطويره وجعله قادراً على الحياة في زمن تغير، وسط عالم لا يشبهه ويمارس عليه ضغوطاً مصيرية. في هذه المرحلة، يحل جيل جديد من القادة محل الجيل الأول، الايديولوجي، الخارج من النضال السري والتنظيم الحديدي، على صلة بالايديولوجيا لكنه لا يعتبرها مصدر معارفه ومواقفه والفيصل الذي يقيس به كل شيء ويعيد انطلاقاً منه انتاج كل شيء.

انه جيل تكنوقراطي مؤدلج ولد في فترة ازدهار الايديولوجيا ونجاحات نظامها الأولية الكبيرة وترعرع في حقبة مآزقها التالية، لذلك تراه يعيش الأزمة التي انجبتها الشمولية والتي تبدأ الآن بالتظاهر في كافة مناحي عملها. في هذا الواقع، يرفض هذا الجيل مقايسة الواقع بالأيديولوجيا، ويعزف عن الاستمرار في انتاجه انطلاقاً منها. ويحصر جهوده في تخطّي نقاط ضعفها، بفصل بعض جوانب الواقع والنظام عنها، والتعامل معهما كموضوعين يتمتعان باستقلالية نسبية عن اجهزتها وأفكارها ووعودها. مع هذا الجيل. ينتقل مركز ثقل الايديولوجيا اكثر فأكثر الى مجال الضبط والربط، تحار الايديولوجيا المعصومة في تبرير الخطوات الاصلاحية، التي تجافي طابعها الأصلي وأمرها السائد.

تنتهي هذه المرحلة الى الفشل، عندما يتأكد عجز تقنيات الادارة والسلطة المأخوذة من خارج النظام الأيديولوجي عن تخليصه من أمراضه ومشكلاته الكثيرة، التي لا تني تتفاقم بلا توقف. عندئذ، تبرز عقلية مقطوعة الصلة بالايديولوجيا، تغلب عليها نزعة تقنية محضة، ليس لقضية النظام وطابعه أهمية أولى بالنسبة اليها، فهي تريد "قطاً يصطاد الفئران ولا يهمها لونه"، كما قال ذات مرة الصيني دينغ سياو بينغ. بسيطرة هذه العقلية - التي يمثلها جيل النظام الشمولي الثالث - على مقاليد السلطة، يسقط هذا النظام، لأن استمراره يصير ببساطة ضرباً من الاستحالة.

هل هذه الترسيمة صحيحة؟ هل صحيح ان النظام الشمولي يمر بمراحل ثلاث تنتهي بسقوطه الحتمي؟ اذا راقبنا التجربة التاريخية الحديثة، وجدناها تؤكد صدق ما تنبأ به روستو قبل انهيار النظام الستاليني بحوالى أربعين عاماً، حين مثل ستالين النظام الايديولوجي وخروتشوف ثم بريجينيف النظام المختلط وجاء غورباتشوف اخيراً يصلح عبر تقنيات سلطة من خارج الايديولوجيا الستالينية وضعاً سرعان ما تبين انه غير قابل للاصلاح، فانهار ببساطة رغم عدم وجود أية معارضة منظمة له، دون ان يدافع عنه أحد من الشعب او من حزبه الشيوعي بملايينه التسعة عشر. وفي الصين مثّل ماو تسي تونغ وطاقمه النظام الايديولوجي، الذي تلته مرحلة دينغ سياو بينغ التقنوية ذات الخلفيات الأيديولوجية الملطفة، التي ينمو داخلها منذ نيف وعشرين عاماً جيل ثالث مقطوع الصلة بالايديدولوجيا، يتعلم تقنيات الادارة والسلطة من الرأسمالية، مع ان اختفاء النظام الشمولي من الصين لن يأخذ على الأرجح شكلاً انقلابياً كما في روسيا، بل سينتج عن تحويل طويل الأمد ومتدرج، بما ان النظام المختلط الحالي اثبت قدرة مدهشة على مواجهة المشكلات الكثيرة، التي يطرحها النظام الشمولي، وكذلك مشكلات مرحلة تفككه الأولى، التي تغذّ السير نحو المرحلة الثانية والنهائية.

وعندنا في البلدان العربية؟ لا شك في ان الحقبة الايديولوجية من حياة نظمنا الشمولية قد انتهت، وان أزمة النظام الايديولوجي تدفع بنا نحو المرحلة الأولى، حيث يريد جيل جديد استخدام تقنيات سلطة مأخوذة من خارج النظام لمداواة أمراضه واعادة انتاجه في شكل جديد. ربما كان هذا يفسر خوف رموز النظام الايديولوجي في سوريا وبقية البلدان العربية من الاصلاح حتى في صيغته المخففة جداً - التي يسمونها التحديث والتطوير ضمن الاستمرارية - كما يفسر عجزها المتزايد عن مقاومته، رغم ما تستخدمه ضد الاصلاحيين في الدولة والمجتمع - مع ما بينهم من اختلافات حقيقية - من اسلحة مأخوذة من خارج مجال الأزمة الحقيقية، تستخدم فيها ديماغوجيا وشعارات وطنية الخطاب، مع ان خطابها الوطني الذريعة لا يمنعها من التصرف بطرق يجعل استمرارها تقويض الأمن الوطني، الداخلي والخارجي منه، مسألة وقت حسب!

تقول اطروحة روستو ان النظام الشمولي يتفكك حتماً وبالضرورة، بقوة آليات تنبع من داخله وازمات ينجبها بنفسه، وليس بقوة المقاومة الداخلية التي تواجهه او ضغط المعارضة الداخلية المنظمة الذي يتعرض له. النظام الشمولي قد يقتل نفسه بنفسه، حتى لو لم يرفع أحد في وجهه اصبعاً. فهل تكون الشمولية العربية استثناء هذه القاعدة، رغم ما تكنّه شعوبها لها من كره، وتبديه تجاهها من ممانعة ومقاومة؟