القضــايــــــا الـمهمــــة الـمتجـاهَـلـــــة

طيب تيزيني

 

جاء مؤتمر "قضايا الاصلاح العربي: الرؤية والتنفيذ" (الاسكندرية 12- 14/3/2004) ليسجّل واحدة من المبادرات الاولى على صعيد المحور المذكور. ومن المهم الاشارة الى أن هذا المؤتمر جاء في أعقاب نشر الوثيقة الاميركية حول "الشرق الاوسط الكبير"، الامر الذي يتيح اعتباره أحد ردود الفعل عليها وربما استجابة لها. وقد أُريد لهذا المؤتمر ان يكتسب اهمية مصرية وعربية واقليمية، عبر ما عدّه البعض حدثاً استثنائياً تمثّل خصوصاً في افتتاحه من قبل الرئيس المصري محمد حسني مبارك.

واللافت ايضاً أن المؤتمر المذكور جاء سابقاً على القمة العربية، ومن ثم فإن مصر سيكون لها رصيد كبير او أكبر من أرصدة الدول العربية الاخرى التي ستشارك في القمة المذكورة، ومن شأن هذا أن يعزّز موقع النظام السياسي المصري في الاخيرة كما في السجالات والمفاوضات مع الجانبين الاميركي والاسرائيلي. وكي تكون عملية تعزيز موقع هذا النظام أكثر شمولاً، فقد لوحظ الطيف الواسع من المثقفين العرب في المؤتمر، وكأنه أُريد من ذلك أن يكون شاهداً على أهمية الحدث الاسكندراني. كما لوحظ وجود فريقين من المشاركين أُريد لهما مسبقاً أن يوجدا معاً: واحد يلامس القضايا ملامسة جذرية وطنية ديموقراطية ومعادية للاستعمار; وآخر يتناولها عبر مس خفيف وتجاهل لجذور التخلّف العربي وعلى رأسها الاستعمار. ومع ذلك فقد جرى صوغ الوثيقة النهائية على نحو يبدو كأنها تمثّل "جماع القول المشترك" بين المشاركين جميعاً. وفي هذا محاولة لإقصاء الخلافات العميقة، خصوصاً بين الفريقين المذكورين، ومحاولة لإظهار أن الجميع يأخذون بالوثيقة التي صيغت وكأنها تأتي خارج السياق التاريخي الراهن.

لم تتعرض الوثيقة الاسكندرانية لوثيقة "الشرق الاوسط الكبير"، ولاسيما في دعوتها الدول العربية الى الأخذ بها. ولقد صاغ الاميركيون وثيقتهم هذه دون مشاورة "العرب"، فجاء ذلك انتهاكاً لجدلية الداخل والخارج، واستباحة للسيادة الوطنية والقومية العربية. من هنا جاءت الدعوة الى الاصلاح العربي في الوثيقة الاسكندرانية ضعيفة خجولة لم تقطع مع "الوثيقة الاميركية"، وفي الوقت نفسه تركت المسألة غائمة في ما يتصل بالخصوصيات الوطنية والقومية والثقافية والقيمية والتاريخية.

ولعل المسألة الاصلاحية العربية المطروحة في الوثيقة الاسكندرانية قد تعرضت لشروخ عدة سياسية وتاريخية وثقافية. فعلى الصعيد التاريخي ظهرت هذه المسألة وكأنها مطلب راهن يعود الى بداية مرحلة التشكل العولمي الاميركي منذ عقد ونصف العقد من الزمن، في حين أن هذا المطلب يعود الى المشروع العربي النهضوي الحديث منذ اواخر القرن الثامن عشر.

لقد كان الاصلاح مطلباً عربياً قوّضه الاستعمار الغربي الحديث، الذي تمثّل الولايات المتحدة أحد اطرافه ثم قيادته. في ضوء ذلك، تبرز مفارقة مدوية غاب الحديث عنها من الوثيقة; وتتمثل في أن الاستعمار والامبريالية، اللذين للولايات المتحدة الاميركية نصيب الاسد فيهما، قاما بدور مزدوج في العالم العربي. الاول هو محاولات تدمير البنى الاقتصادية والتعليمية والثقافية والقيمية وغيرها في ذلك العالم، ومن ثم إيقاف او تعطيل مشاريع الاستقلال والتنمية الشاملة.

والثاني هو المساهمة المباشرة في تثبيت الديكتاتورية في العالم العربي وتقويتها. وهذا الدور المزدوج أفضى ايضاً الى بلورة اتجاه جديد تمثّل في إنتاج آليات تجعل من التخلّف العربي التاريخي تخليفاً بنيوياً مؤبداً. أفلا يصح القول حينئذ بأن ما تطالب الولايات المتحدة به الآن في "وثيقتها" إنما هو نمط جديد من التدخّل في شؤون العالم العربي، خصوصاً بعدما اتضح الامر، مجدداً وللمرة الألف، في سياق احتلالها للعراق تحت مسوّغ "اسلحة دمار شامل" تبيّن أنها غير موجودة فيه، وبعد استبدال ذلك المسوّغ "المخيّب لآمالـها" بمسوّغ "تحرير العراق ودمقرطته واصلاحه"؟ إن هذا الشريط من مطالب "الاصلاح الاميركي" في العالم العربي يجري الصمت عليه في الوثيقة الاسكندرانية، على نحو يدعو الى الريبة والشك في صدقيتها الوطنية والقومية والديموقراطية.

ثمة أمر آخر سكتت عنه الوثيقة الاسكندرانية، وهو ما تقدمه صاحبة مشروع الاصلاح في "الشرق الاوسط الكبير" من دعم هائل وحثيث للكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين والجولان ومزارع شبعا. فهنا يبرز تساؤلان اثنان، يتحدّد أولهما في ما اذا كان الاصلاح العربي ممكناً حقاً إن لم يضع القائمون عليه في اعتبارهم ضرورة ربط استحقاقات الاصلاح باستحقاقات التحرير; ذلك لأن تحقيق الاولى مرتبط بتحقيق الثانية، ولأن إنجاز الاستحقاقات الاولى لا يتم على ارض محتلة او شبه محتلة الا اذا اقترنت بمقاومة الاحتلال.

اما التساؤل الثاني فيتحدد في معرفة من الذي يساهم، وبقوة السلاح الصماء، في أن تكون الاحصاءات الخاصة بالوضع الحالي للشرق الاوسط "مروّعة" كما جاء في الوثيقة الاميركية نفسها! واذا كان من اللازم تقرير أهمية ما ركزت الوثيقة الاسكندرانية عليه في اطار الحثّ على اصلاح الداخل العربي، فإن هذا يغدو ذا أهمية ملتبسة حين نتبيّن أن ذلك الحث أتى دون ضبط للشرط التاريخي الذي على الاصلاح المذكور أن يتحقق في سياقه. وهذا الشرط هو: العمل في اتجاه اصلاح الداخل العربي مترافقاً مع رفض لمشاريع الهيمنة والالحاق الاميركية، وتحفيز على مواجهة المشروع الصهيوني الذي من مهماته التاريخية تفكيك العالم العربي والتأسيس لتطبيع شامل معه تحت يافطة او اخرى (كما هي الحال بالنسبة الى آخر يافطة مبتكرة هي "الشرق الاوسط الكبير"، الذي يشمل، اضافة الى البلدان العربية، باكستان وافغانستان وتركيا واسرائيل).

الا يتّضح من ذلك أن "الاصلاح العربي" لن يكون، حسب الوثيقة الاميركية، اكثر من "إصلاح شرق أوسطي كبير" يؤسس لبقعة جيوسياسية واقتصادية عسكرية منزوعة الهوية، هي العالم العربي بخصوصياته التاريخية المتحركة وباستحقاقات اعادة بنائه وتقدمه؟!

ثمة وجه آخر من المسألة، وهو موقع الفساد في اشكالية الاصلاح العربي. فهناك إجماع على أن الفساد الاقتصادي والسياسي والقضائي والتعليمي والعسكري الخ... هو الاكثر حضوراً في المجتمعات العربية. وعليه، فإن الاصلاح العربي ينبغي أن يكون مشروطاً بالتصدي لذلك الفساد الذي أنتج - عبر التدخل القصدي من قبل الدول العربية الامنية - امتداده التدميري الذي هو "الإفساد": أي أن الدول العربية الامنية تعمل على إفساد مَن لم يُفسد بعد، بحيث يصح الجميع ملوثين ومدانين تحت الطلب.

ولكن ذلك لم تأتِ عليه الوثيقة الاسكندرانية، رغم اشارتها العابرة الى "القضاء على الفساد" مع تجهيل الفاعل. لقد قام مَن صاغ هذه الوثيقة النهائية باللف على "ملف الفساد العربي" بصفته العقبة الموضوعية الكبرى في وجه الاصلاح، وبصفته الحليف الطبيعي للمشروع الاميركي الصهيوني العولمي. بل غاب ايضاً ما أتت عليه الوثيقة الاميركية نفسها حين نصت على الآتي: "حدّد البنك الدولي الفساد باعتباره العقبة المنفردة الكبرى في وجه التنمية". ومن المثير أن يغيب عن الوثيقة الاسكندرانية الانتباه الى أن مؤتمر الاسكندرية أتى بعد الوثيقة الاميركية التي قرّر فيها الاميركيون أن تقوم المبادرة الاميركية للشراكة في الشرق الاوسط "قبل قمة مجموعة الثماني المقبلة برعاية قمة الشرق الاوسط لاصلاح التعليم... وذلك لتحديد المواقع والمواضيع التي تتطلّب المعالجة".

نضيف الى أنه غابت عن الوثيقة الاسكندرانية روح السجال النقدي تجاه ما تتحدث عنه النظم العربية تحت عنوان "التحديات الكبرى"، فأتت وكأنها غلط معرفي وسياسي قاتل، او صمت على هذه التحديات التي لا يمكن إنجاز أية خطوة على طريق الاصلاح العربي إن لم تُوخذ في الاعتبار. كما غابت عن الوثيقة ايضاً قضايا عربية حاسمة لا يستقيم القول بذلك الاصلاح خارج سياقها; ونعني بذلك: الانتفاض في فلسطين، ومواجهة الاحتلال الاميركي في العراق، والدعوة الى الدفاع عن الجدارة التاريخية لمشروع عربي في النهضة والتنوير يبدأ ويستمر بفعل تاريخي مقاوم.