تجربة عام

جورج ناصيف النهار

 

بانقضاء سنة على سقوط بغداد، صار ممكناً اجراء وقفة اولية:

اولاً: لم يظهر الاميركي، ومعه حلفاؤه، مظهر من يحرّر بلداً او يعتق أهله من جور استمر عقوداً، حتى الذين اقرّوا بانه ازاح عن صدور العراقيين استبداداً ثقيلاً، يطالبون بجلائه سريعاً، ويتحدثون عن استباحة خيرات العراق.

ثانياً: نجح الاميركي في كسب الحرب، بسرعة قياسية، لكنه تعثّر في بناء السلام، بمؤسساته وهياكله وتحالفاته. ولعل اضطراره الى خوض معارك طاحنة، على النمط الاسرائيلي، يؤكد ان مهمة البناء لا تزال عصية، بل اصعب منالاً من ذي قبل.

ثالثاً: لم تصمد تركيبة مجلس الحكم طويلاً، رغم ان اعضاءه من غير المشكوك في ولائهم الاميركي. فانتقال مزاج هذا المجلس، ودوره، الى النهوض بدور الوساطة بين الاميركي و"جيش المهدي" يعني الكثير، بعد مرحلة من الادانة القاطعة لمقتدى الصدر،  واعتباره عنصر افساد للسلام.

رابعاً: تزايدت التداعيات الاميركية الداخلية، ومعها الاوروبية، للحرب. فالحليف الرئيسي في اسبانيا سقط، وبريطانيا تسعى الى التمايز في اطار التحالف، وشبح فيتنام ثانية بدأ يتردد في المنتديات السياسية والاعلامية.

خامساً: لم يحصل فرز شيعي - شيعي، رغم التباين في الموقف بين مرجعية السيد السيستاني وحركة الصدر. فقد بقي التباين في اطار الاجتهادات المختلفة، ولم ينزلق اي طرف الى الاتهام او التخوين.

سادساً: لم ينجح الاكراد في ان يشكلوا حالة قابلة للتعميم على الصعيد العراقي، بل ازداد انكفاؤهم الى وضعية اقلوية محصنة جغرافياً، من غير قدرة على نسج تحالفات داخلية او عربية ذات شأن.

سابعاً: تفادى العراقيون الانزلاق الى فتنة سنية - شيعية، سواء بحكمة قياداتهم، او لغباء الاحتلال وانسياقه الى الرد العسكري البربري الذي يستثير "الوطنية العراقية"، ويحول دون اي لون من الوان المساندة للموقف الاميركي.

ثامناً: لم تحصل اية ردة طائفية حيال الاقلية المسيحية. واذا كانت الايام الاولى قد شهدت بعض الممارسات الطائفية في بعض المناطق، غير ان حكمة المرجعية الشيعية تجاوزتها، وكان عيد الفصح وما رافقه من مبادرات انسانية من جانب الاشوريين والكلدان حيال المدن المنكوبة، مناسبة طيبة لاستعادة قدر حسن من التآلف الوطني.

تاسعاً: لم تنجح نظرية "الدومينو"، ولم تتداع الانظمة المجاورة بمجرد سقوط العراق، لاسباب شتى بينها استمرار التخبط الاميركي في الوحول العراقية، وحاجة واشنطن الى نسج علاقات تعاون مع الدول المجاورة للعراق.

عاشراً: صحيح ان المطالبة بالديموقراطية اكتسبت شحنة اضافية بعد سقوط صدام، لكن المطالبة باتت ذات نكهة عربية، ومتخففة من اللون الاميركي الذي طبعها، بداية".

هل معنى ذلك ان الولايات المتحدة دنت من السقوط، وان عراقاً ديموقراطياً هو في طور التشكل، وان بكثير من الوجع؟

ليس بعد. لكن العراق تجاوز السيناريو الاسوأ، وبات يصح القول ان تجربة عام تصلح منصة للتأسيس على صخرة.