القرار الفلسطيني المنتظر

عبد الباري عطوان

نتمني علي من يطلقون علي انفسهم توصيف الجناح الواقعي في الصف الفلسطيني ان يتأملوا خطاب الضمانات الذي قدمه الرئيس جورج بوش الي صديقه الحميم ارييل شارون، وتعهد فيه باسقاط حق العودة ، وتشريع التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية، نتمني عليهم، وهم الذين راهنوا، بل وقاتلوا، من اجل الحلول السلمية، وكسب البيت الابيض الي جانب قضيتنا العادلة، ان يخرجوا الي العلن، ويعترفوا بخطيئتهم، ويعلنوا التنحي جانباً، تكفيراً واعتذاراً.
فهؤلاء هم الذين اوصلونا الي هذه الهاوية، عندما تباروا في ما بينهم في تقديم التنازلات، تحت غطاء اظهار حسن النوايا، وقضوا اكثر من عشر سنوات ركضاً بين عواصم المفاوضات، وبحثاً عن شاشة تلفزة امريكية، للتعبير عن مرونتهم و واقعيتهم ، و استيعابهم للوقائع علي الارض.
فعندما تلجأ الي تخفيض سقف مطالبك تدريجياً، وخارج العملية التفاوضية، من اجل ارضاء هذه المحطة التلفزيونية او تلك، او من اجل دعوة للقاء هذا المسؤول الغربي او ذاك، فان عليك ان تتوقع هذه النتائج الكارثية، علي الشعب الفلسطيني طبعاً، وليس علي جوقة التنازلات.
رفضنا مبادرة جنيف ، مثلما رفضنا قبلها اتفاقات اوسلو، لأننا ندرك ان الولايات المتحدة، والعالم الغربي من خلفها، سيوصلوننا، ومن خلال مسلسل التنازلات، من جانب ممثلينا طبعاً، الي التصور الاسرائيلي، أي حكم ذاتي مشوه، تحت مسمي دويلة، وعلم فلسطيني مزور، وقوات أمن تسهر علي حماية المستوطنين، وتشكل امتداداً لأجهزة القمع العربية في الضفة والقطاع.
السيد ياسر عبد ربه، شريك يوسي بيلين في وضع مبادرة جنيف، وبدعم من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومساندته، يتحمل مسؤولية كبري في القبول، وهو اللاجئ، وعضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، باسقاط حق العودة، باعتباره غير واقعي ، ويهدد الطبيعة الديموغرافية للدولة العبرية، الأمر الذي يسهل للرئيس بوش تبني هذه الخطوة، واعتمادها كسياسة امريكية ملزمة لكل الحكومات الامريكية المقبلة.
والرئيس ياسر عرفات نفسه يتحمل مسؤولية اكبر لأنه وافق عليها، وارسل وزراء يمثلونه في حفل التوقيع في جنيف، وقبل كل عمليات التهميش والاذلال التي تعرض لها، مثلما قبل البقاء في موقعه مستكينا مستسلماً.


العملية السلمية انتهت، والوسيط الامريكي اثبت انه ليس فقط غير نزيه وانما الأكثر انحيازاً الي غلاة المتطرفين في المجتمع الاسرائيلي، ولذلك كل ما بني، او تفرع، عن هذه العملية السلمية اصبح باطلاً ولاغياً، بما في ذلك السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها.
الرد الفلسطيني علي هذه النكبة الجديدة، جاء مخجلاً، حتي الان، مثلما كان مخيباً للآمال، ونحن هنا نتحدث عن السلطة ورئاستها ووزرائها، واعضاء مجلسها التشريعي، وقادة اجهزتها الأمنية، ولا نتحدث عن الشعب الفلسطيني الصابر الصامد المجاهد. لم نسمع عن استقالة واحدة احتجاجاً، وكل ما سمعنا عنه هو عقد اجتماعات متواصلة للجنة التنفيذية، واللجنة المركزية، ورئاسة مجلس الوزراء، والنتيجة لا شيء.
الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، كان وما زال مطالباً، باتخاذ قرارات تاريخية، بحكم موقعه، ومسؤولياته وتاريخه النضالي الطويل، فالخطاب الذي ألقاه عبر شاشة التلفزة، رداً علي وعد بلفور الجديد، لم يكن مقنعاً، او علي مستوي الحدث واخطاره.
وطالما ان المشروع الفلسطيني الذي تبنته النخبة السياسية الفلسطينية الحاكمة (شكلا) وبدأ بالنقاط العشر عام 1974، وانتهي (نظرياً حتي الآن) بانسحاب شكلي من قطاع غزة، مقابل ابتلاع الضفة الغربية واسقاط حق العودة، فان الرئيس الفلسطيني مطالب بالاعتراف بفشل هذا المشروع، واللجوء الي خيارين لا ثالث لهما، الاول هو حل السلطة الفلسطينية، والعودة الي المربع الاول، أي خيار المقاومة، او التنحي جانباً. أما الاستمرار في ظل هذا الوضع، وتقبل المزيد من الاهانات، أمر غير مقبول، علاوة علي كونه غير مسموح.
شارون، وحلفاؤه في واشنطن، يريدون افراغ المشروع الوطني الفلسطيني من محتواه، وتصعيب حياة الشعب الفلسطيني، وتعميق معاناته واحباطاته، فلماذا نسهل لهم هذه المهمة، ونوفر لهم الغطاء، ونستمر في تخديرالشعب الفلسطيني باوهام كاذبة حول وجود سلطة وقيادة وجنرالات واجهزة أمنية، وبرلمان وعلم ونشيد وطني؟

لوم الظرف العربي السيء، وانتقاد خذلان الحكام العرب، وتجبر امريكا، وانهيار الكتلة السوفييتية، ووجود عالم وحيد القرن كلها معزوفات قديمة لا يجب ان تخفي مسؤوليتنا كفلسطينيين، ومسؤولية القيادة الفلسطينية، فنحن ساهمنا في هذا الانهيار العربي بلهاثنا خلف سراب الحلول، ونحن فتحنا الباب، او بالاحري شرعنا التطبيع او بعضه، وعلي هذه القيادة ان تكون عند مستوي الشعب الفلسطيني وتضحياته، وتتخذ القرار الشجاع. أي حل السلطة، ومؤسساتها فهذا هو قمة الجهاد، وهذا هو الرد الذي ينتظره الشعب الفلسطيني علي شارون وبوش. وليواجه شارون وبوش الفوضي الشرسة، فوضي السلاح، بل أخطر الاسلحة بالنسبة الي الفقراء المحبطين، الذين لا يملكون الجيوش، وانما الكرامة وعزة النفس.