من سلوى العلى الى ناديا قصار دبج : من المصيدة الى الانحطاط

 بقلم : صبحى حديدي

أعاد موقع "الرأي"، الذي يمثّل الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي، نشر مادة كانت قد ظهرت في موقع "الحوار المتمدن" بعنوان "جبهة الإرتزاق في الدفاع عن العراق" بتوقيع ناديا قصار دبج. وهذه السطور لا تناقش ما جاء في تلك المقالة، إذ أن المكان الطبيعي والأوّل لمناقشة مثل تلك سوف يكون موقع "الحوار المتمدن" بالأحرى، وليس موقع "الرأي". هدف هذه السطور هو تسجيل استنكار شديد، بعد إبداء الذهول الشديد، لأن موقع الحزب يتطوّع للمشاركة في تلطيخ سمعة قيادييه، بل ونبش قبور الأموات منهم، فيعيد نشر أحطّ الأكاذيب عنهم، وأكثرها خسّة وقذارة. ولقد جرى ذلك على نحو لا يمكن إلا أن يثير الاستنكار والذهول، كما في الفقرة التالية المنقولة حرفياً:

((وأضاف المنتج الفرنسي مفصّل :ا " كان المحامي أحمد محفّل ، ممثل الحزب الشيوعي السوري ـ جناح رياض الترك في الخارج ، والأمين العام بالوكالة للحزب المذكور في ظل وجود هذا الأخير رهن الاعتقال على مدى 18 عاما ، هو المعتمد المالي لدى المخابرات العراقية ومندوبها المالي لدى المعارضة السورية في باريس . لكنه أكل البيضة بكاملها ولم يعط للآخرين سوى قشرتها "!!)).

ومن الواضح أن رجال موقع "الرأي" (وهم رجال الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي في نهاية الأمر!) أعادوا نشر المادة دون أن يكلفوا خاطرهم حتى عناء تصحيح أخطائها الطباعية أو النحوية.

أهذه هي حرية التعبير عن الرأي... الرأي الذي يلصق الاتهامات بالعباد كيفما اتفق؟

أهذه هي ديمقراطية النشر... نشر ما هبّ ودبّ؟

هل يعلم فرسان الموقع أن الفقرة البذيئة أعلاه يمكن أن تقودهم إلى القضاء بتهمة القذف والتشهير، لو كانوا يعملون في بلد يحكمه القانون؟

وما هو، على وجه التحديد، "غرض إثارة نقاش ما قد يكون مفيداً"، الذي تشير إليه هيئة تحرير الموقع في تقديمها لمادة قصار دبج؟

وما مصلحة الحزب، حقاً، في إعادة نشر مادة كهذه؟

أهكذا يقترب الحزب من مؤتمره السادس: عن طريق نبش قبور مناضليه؟

لقرّاء موقع "الرأي"، ولكن أيضاً للسادة المسؤولين عنه أياً كانت مواقعهم القيادية، أقول إن الرفيق الراحل أحمد كامل محفل (1919 ـ 2001) كان من أبرز الوجوه الوطنية السورية، وكان مناضلاً شيوعياً صلباً وشجاعاً، وكان قيادياً تاريخياً عاصر نضالات الحزب الشيوعي السوري منذ أطوار تأسيسه الأولى. والراحل كان إبن حلب الشهباء، وانخرط في نضالات شعبنا منذ معارك الاستقلال وجلاء الاستعمار الفرنسي في الأربعينيات، حين كان طالباً. وانضم مبكراً إلى صفوف الحزب الشيوعي السوري حيث شارك في النضال ضدّ الأحلاف ومقارعة الدكتاتوريات العسكرية. ولعب دوراً حيوياً في قيادة منظمة الحزب في حلب، وفي تربية جيل كامل من الشيوعيين، وفي الترشيح للانتخابات البرلمانية في عام 1954 بعد سقوط دكتاتورية أديب الشيشكلي.

واعتُقل الراحل أيام الوحدة السورية ـ المصرية، وصمد بدافع الوفاء للحزب وللعقيدة رغم اختلافه في الرأي مع قيادة الحزب الستالينية – البكداشية، على خلفية المواقف من القضايا الوطنية وتقييم تجربة الوحدة، وأساليب العمل السياسي، والعلاقة مع القيادة السوفييتية. ومنذ أواخر الستينيات، وفي مناسبة انعقاد المؤتمر الثالث للحزب حين احتدم النقاش الداخلي حول هذه القضايا تحديداً، عاد الراحل إلى الإنخراط في جسم الحزب وحركته التجديدية، وشارك في قيادته منذ المؤتمر الرابع كعضو في لجنة المراقبة واللجنة المركزية، إلى أن غادر الوطن بقرار مركزي في سياق مهمة حزبية، لبلورة تحالف وطني ديمقراطي يكفل لسورية أوسع نطاق ممكن من العمل الوطني التعددي.

وبعد حملة القمع العاري التي شنها النظام في عام 1980 ضدّ الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي أولاً، ثم ضدّ مختلف الفصائل الوطنية الديمقراطية لاحقاً، لعب الراحل ـ من منفاه ـ دوراً أساسياً في استمرار الحزب وصموده، وفضح سياسات النظام القمعية، والدفاع عن المعتقلين السياسيين ورفع قضاياهم في المحافل الدولية والهيئات المعنية بحقوق الإنسان، فضلاً عن العمل الدؤوب من أجل وحدة فصائل المعارضة السورية في إطار جبهة وطنية ديمقراطية عريضة.

ولقد عاصرتُ الراحل شخصياً، وأتشرّف أنني عملت معه، واسجّل أنني اختلفت معه مراراً حول قضايا سياسية وفكرية عديدة. ولكني أشعر بإهانة مباشرة شخصية، فضلاً عن الإهانة العامة الوطنية، حين أتأمل قرار موقع "الرأي" إعادة نشر أحطّ الأكاذيب عن راحل كان ويظلّ مناضلاً سورياً كبيراً.

وقبل أشهر سقط موقع "الرأي" في مصيدة نشر مقال بتوقيع سلوى العلي، سرعان ما تبيّن أنّ صاحبته ليست من عالم الأحياء، بل هي ليست بسلوى العلي ولا هي بالأنثى أساساً! واليوم لا يسقط الموقع في مصيدة ناديا قصار دبج (إذ كان الأمر سيهون بعض الشيء)، بل في ارتكاب جناية صريحة مباشرة هي نبش قبور الموتى دون وجه حقّ، ودون مبرّر، ودون منطق، و... دون أخلاق!

وإذا كانت سلوى العلي نتاج مخيّلة مريضة استهدفت تشغيل آلة حقد خبيثة ومستورة/مفضوحة في آن، فإنّ ناديا قصار دبج تسير في المنوال ذاته... دون أدنى نقصان! الزيادة، مع ذلك، مؤسفة وجارحة ومذهلة لأن موقع الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي سار من المصيدة في الحال الأولى إلى ابتذال حرية التعبير في الحال الثانية، وهو هبوط وانحدار وانحطاط في أخفّ التسميات.

وإذا كان موقع "الرأي" قد اضطرّ إلى الاعتذار من آل نيوف في المرّة الأولى، فإنه اليوم مضطرّ ـ أكثر من ذي قبل... أكثر بما لا يُقاس ـ للإعتذار من أسرة أحمد محفل أولاً، ثمّ من آلاف الشيوعيين السوريين الذين يحترمون الراحل بقدر ما يبغضون نبش القبور!