هواجـس الشـارع السـوري بـعـد عـام مـن احـتــلال العــراق

اكرم البني

 

عام على سقوط بغداد ليس بالوقت الكافي لاستيعاب هول الحدث والنتائج التي قد يفرزها أو يسببها في الشارع السوري، لكن يمكن القول إن هناك جديداً يتضح شيئاً فشيئاً وإن ثمة تغيرات كثيرة حصلت عند الناس لا تزال غير نهائية وتثير حزمة من الأسئلة الشائكة يفترض الاجابة عنها في سياق إعادة بناء الرؤى والمعادلات السياسية.

عموماً يعاني المواطن السوري حالة من التوجس والقلق على راهن غامض ومستقبل لم يعد صوغه شأناً داخلياً، لكن يبدو البعض أقل قلقاً طالما لا يقيمون وزناً للجديد الحاصل ويرون أن سوريا عاشت حياتها دائماً في منأى عن الوضع العراقي ومشكلاته، بينما يتمنى آخرون، ربما بغريزتهم أو بحسهم العفوي، أن لا تقود وجوه التشابه الكثيرة، سوريا الى المصير العراقي، ويحاولون بث بعض الطمأنينة في النفوس بإبراز جوانب الاختلاف بين البلدين، أهمها قوى سورية معارضة أمينة على وطنها، وسياسات رسمية لم تندفع الى مغامرات غير محسوبة النتائج مثلما أوغل صدام حسين غير مرة.

ولا يزال المواطن السوري مشغولا في تفسير ما جرى في العراق، من المسؤول عما حصل؟! ولماذا سقطت العاصمة العراقية وهزم جيشها ذو القدرات الأسطورية في لمح البصر؟!

يقول طالب جامعي لم أكن أعبأ بالسياسة لكن الحرب على العراق "شدتني من أذني" وأكرهتني أن أفكر بما يعترض بلدي من تحديات، لم يخطر ببالي أبداً أن تسقط بغداد بهذه السهولة، وتحدثت مع أقراني عن جهود وكفايات وأموال مهدورة في الرهان على القوة العسكرية.

يتابع أحد النشطاء هذه الفكرة قائلا لقد امتلأت ثقة بأن شعور الانسان بالحرية والكرامة والمساواة هو القاعدة السليمة لتقوية المجتمع وكف يد الاجنبي عنه، وأن القمع وإقصاء دور الناس هما ما صنع الانكسار والهزيمة وحطما روح المقاومة والكفاح عند العراقيين.

اللافت ان الحدث العراقي شجع الناس على الاهتمام بالشأن العام، في الماضي ما كنت تسمع أحاديث علنية تتناول مصير البلاد، وما كان المواطن السوري ليتجرأ ويغامر في كشف مشاعره والتعبير الصريح عن مواقفه وقد اكتوى بنار سنين طويلة من القمع الشديد وقهر الرأي الآخر.

يصرّح أحدهم بعفوية، نعم ان سقوط صدام حسين أعطاني بعض الشجاعة!! ويضيف آخر لقد أفادتنا نتائج الحرب لتعرية فساد السلطة العراقية وإدانة ممارساتها الوحشية وما سببته من ويلات، الى أن بدت هذه الطريقة أشبه "بمن ينتقد الجارة كي تسمع الكنة"، ثم صرنا نستخدم عبارات واضحة لادانة الفساد في سوريا والاضطهاد وقمع الرأي الآخر (...).

لقد هز احتلال العراق "الصورة المرسخة" عن نموذج الحكم وأسلوب علاقة السلطة بمؤسسات الدولة والمجتمع وأظهر فشل النظام المركزي الشمولي في قيادة البلاد وإنجاز برامجها التنموية، مما شكل نقلة مهمة لتحرير الوعي الشعبي من بعض الاختلاطات والتشوهات التي منعت الفكر الديموقراطي من التقدم، وتحديداً لجهة الترابط الحيوي بين المسألة الديموقراطية والمهمات التاريخية الوطنية والقومية والتنموية.

يفيق الناس في سوريا اليوم من خدر الاوهام القومية والوطنية وشيئاً فشيئاً تختلط الاحاسيس القومية بشعور عميق بمرارة المهانة والخديعة، وعند السؤال عن حال المسألة القومية اليوم يأتيك جواب بأن الحرب على العراق أطلقت رصاصة الرحمة على الفكر القومي العربي (...).

يتابع آخر منفعلا، لقد انحسر النضال القومي أمام الهزائم والانكسارات وأساليب القمع والمصادرة، انظروا الى النظام الرسمي العربي هل تصح تسميته بنظام؟! تطلعوا الى حال الشلل والتمزق التي يعانيها، مَن غير الأحمق يراهن، بعد الخلافات التي عصفت في تونس وألغت مؤتمر القمة، على نظام عربي؟

اليوم صار بالامكان أن تسمع في سوريا عبارات متنوعة تربط القومية بتحرير إرادة الانسان العربي كشرط لا بد منه كي تتمكن الشعوب العربية من تجاوز الحلول القطرية الضيقة ومعالجة أوضاعها المفككة بتقارب طوعي يذود عن مصالحها المشتركة، وصار الحديث عن الديموقراطية يقوى ويشتد لبناء خطاب صحي وندي مع الاقليات القومية التي تشاركنا العيش على هذه الارض منذ مئات السنين، وبأن حريتها من حريتنا، ومستقبلها جزء عضوي من مستقبلنا.

المعروف ان للسوريين حساسية خاصة ازاء التدخل الاجنبي ويظهرون عداء واضحاً للدور الاميركي في المنطقة مهما كان الرداء الذي يحاول ان يرتديه، رداء الحرية او نصرة الديموقراطية وحقوق الانسان، فهم قد خبروه جيداً في فلسطين ولمسوا انحيازه السافر للآلة العسكرية الصهيونية البربرية، ولا يخفي احدهم سخطه من العنجهية الاميركية التي خاضت الحرب على العراق ضاربة عرض الحائط بالأمم المتحدة ومجلس أمنها وبمواقف دول كبرى كفرنسا والمانيا وروسيا مثلما ازدادت التظاهرات الشعبية الواسعة التي انطلقت في معظم عواصم العالم رفضاً للحرب.

لكن حين ينتهي الحوار الى الوضع العراقي تبدو الاجابات غامضة وتسمع تمتات او عبارات غير مفهومة يصعب عليها ان تعترف بأن ما يعيشه المواطن العراقي اليوم هو أقل سوءاً بالقياس الى زمن صدام حسين، وحين يتحمس واحدهم ويشير بالبنان الى مستوى الحرية المتوافر، الى حق العراقيين في التظاهر والاحتجاج، الى تنوع الجرائد والمجلات الحرة التي تصدر، يعترضه آخر قائلا ان الاحتلال يبقى احتلالا وهو مكروه ومرفوض حتى لو حمل لنا المنّ والسلوى، ويضيف "ها هو الشعب العراقي يرفض وعود الحرية ويقاوم"، في اشارة الى تعاطفه مع الاعمال العسكرية شبه اليومية التي تخاض ضد قوات التحالف!!

يلعب كلا العاملين، الديني والقومي، دوراً متميزاً في رسم مساحات التعاطف مع العراق، وربما تفاجىء بوجود فئات محدودة العدد لا تزال تعتبر صدام حسين أحد حماة الاسلام والمسلمين وتراهن على دور له في تحرير الاراضي المقدسة من دنس الاحتلال!! هي لا تريد ان تعترف بالهزيمة او بمقتل نجلي صدام حسين وبالاعتقال المذل للاخير، وتتفنن في اجتهاداتها لزرع أمل واهم في النفوس او رغبات حالمة بأن ما حصل ليس النهاية بل مجرد مناورة او خطة ذكية لجر الاميركيين الى فخ قاتل وإذاقتهم مراً وعلقماً لم يعرفوا مثلهما في فيتنام او الصومال!!

صحيح ان العامل الديني لا يزال يحظى بمكانة مهمة في صوغ افكار الناس ومواقفهم، وصحيح ان مشاعر التضامن مع العراق تبدو اكثر انسجاماً وقوة لدى الفئات الشعبية المتدينة لكن الصحيح ايضاً أن ثمة دعايات مضللة تقول ان ما يجرى في العراق هو تحالف قوات غربية مسيحية كافرة ضد الاسلام والمسلمين وتبني شحناً طائفياً على عبارات مغرضة أطلقها جورج بوش لما أسماه حرباً صليبية او حرباً بين العلم والحضارة ضد الهمجية الاسلامية!

لكن عموما تختلط العواطف الشعبية المعادية لأميركا مع إحساس عميق بالألم لما وصل اليه المجتمع السوري من ضعف وتأزم، ومع قلق وخوف مما تبيته اميركا وإسرائيل. ويظهر للعيان وراء هذا المزيج من المشاعر امل ورغبة صادقة عند غالبية السوريين في الخلاص من هذه الازمة المركبة بأقل الخسائر والآلام. ويبدي معظم الناس حماسة وعزماً لمقاومة أميركا ومخططاتها ويعبر البعض عن صدق مشاعره تلازماً مع البحث عن الحصانة كي لا تتكرر المأساة العراقية، بالحديث عن ازالة الاسباب التي تضعف الوطن وتحجم من قدراته على المقاومة، مثل محاربة الفساد والمفسدين والعمل على خلق حالة من المصالحة والوحدة الوطنية لاستنهاض كل الفئات والقوى على أسس الانفتاح والحرية واحترام التنوع الفكري والسياسي.

في المقابل لا تخلو الساحة من وجهة نظر تشير الى عجز المجتمع السوري عن مواجهة هذه الضغوط ربطاً مع ظروف عالمية وإقليمية وعربية غير مواتية ومع وضع داخلي غير مهيأ، ويتحدث أصحاب هذه الرؤية، وإن بصوت خافت، عن ضرورة الانحناء للعاصفة، ولا يجدون أية غضاضة في الدعوة الى ازالة بعض الذرائع الاميركية وصوغ علاقات جديدة مع المنظمات الفلسطينية ولبنان. ويجد آخرون أن الالتفاف أساساً لتقوية البنيان الداخلي ديموقراطياً وبناء بيت نظيف ومعافى هو الرد الأجدى على الضغوط الخارجية، ويحذرون من الاصرار على إدارة الأمور بعقلية الماضي مما يزيد الازمة عمقاً ويفضي الى نتائج قد لا تحمد عقباها.

أن كل مطّلع على تاريخ السياسة الخارجية السورية لن يجد أي جديد في تعاطيها مع المشكلات والازمات الراهنة، ولعل اهم معالم نهجها القديم - الجديد هو اعتماد سياسة المماطلة والتسويف والرهان على عامل الوقت في محاولة لتجيير ما يستجد من  احداث لمصلحتها.

لا يخفى على أحد الرهان السوري على انشغال اميركي في العراق، فعدم استقرار الاوضاع هناك واستمرار العمليات العسكرية ضد قوات التحالف يصب بلا شك في مصلحة دمشق طالما نجح المسؤولون السوريون في تبرئة أنفسهم من أي دعم أو مساندة للمقاومين العراقيين. لكن يسخر احد النشطاء من المبالغة في التعويل على تعثر قوات التحالف في السيطرة على العراق، ويقول ان الهدف الذي جلب اميركا الى "كرمنا" أقوى بكثر من حسابات الخسائر العسكرية التي تتكبدها. ويجد من الوهم المقارنة مع فيتنام والصومال والتغاضي عن اختلاف الشروط العالمية والاقليمية نوعياً، وعن قوة حضور المصالح في كل حالة.

يضيف آخر: لا نجاح لعقلية الماضي وقد ضاق الى حد كبير هامش مناورة النظام السوري ونجح الثنائي، شارون وأميركا، في تحييد الورقة الفلسطينية، ويبدو ان البيت الابيض يسير بخطى حثيثة في ضوء قانون محاسبة سوريا لتحييد الورقة اللبنانية، ثم لا وقت ضائعاً للرهان بأن تهمد السياسة الخارجية الاميركية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية اذ يظهر ان ادارة بوش تسعى في هذا الوقت بالذات لتنشيط سياستها الخارجية كي تدحرج بعض ثمار مكافحة الارهاب في احضان الناخبين الاميركيين. وما يزيد الطين بلة تعثر توقيع عقد الشراكة مع اوروبا والذي كان أشبه بطوق نجاة في مواجهة ارادة الهيمنة الاميركية وضغوطها.يخلص احد النشطاء الى ضرورة السير بعزم في اصلاح سياسي ديموقراطي كخيار وحيد ناجع لمعالجة ازماتنا ومواجهة الضغوط والتحديات. ويعلق طالب جامعي، أنا لا أعرف كثيراً عن الديموقراطية لكن اعتقد ان الناس الاحرار قادرون على صنع المعجزات!! ويضيف آخر لقد جربت بلادنا خيارات كثيرة، وكانت النتائج مخيبة للآمال، لا الارض تحررت ولا الوحدة القومية أنجزت ولا حدثت النهضة المنشودة، وربما تكشف هذه النتائج بساطة المشكلة وأنها تعود أساسا الى انعدام الثقة بالانسان، والى غياب الحريات والتعددية السياسية، والى مناخ الاستبداد الذي ساد أمداً طويلا ودفع بالتجارب جميعها الى طريق مسدود.

(دمشق)

-------------