شارون في أميركا .. ماذا في جعبته

يفجيني بريماكوف

اليوم يلتقي الرئيس الاميركي جورج بوش في واشنطن رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون. وكان هذا اللقاء قد تأجل اكثر من مرة خلال الاشهر الاربعة الاخيرة. وها هما الطرفان يتفقان أخيرا حول استحالة التأجيل لما هو أبعد من ذلك. وقد سارعت الصحافة الاسرائيلية بوصف الزيارة بأنها «تاريخية» ربما لأن شارون يتوقع الحصول على تأييد الولايات المتحدة لسياسته.
ويرى الجميع ان موضوع المباحثات سيتركز حول خطة شارون التي اقترحها «للفصل من جانب واحد عن الفلسطينيين». وتقتضي هذه الخطة ليس فقط انسحاب الجنود الاسرائيليين بل واجلاء المستوطنات من قطاع غزة. واذا كانت هذه الخطة تقتضي فقط ذلك فقد كان من الممكن التوصل إلى نتيجة مفادها ان اسرائيل ستبدأ العمل بموجب صيغة «الارض مقابل السلام». وكان من الممكن ان يكون ذلك خطوة على طريق تسوية النزاع العربي ـ الاسرائيلي الذي طال على نحو يتسم بالخطورة.
غير ان المستوطنات اليهودية ووفق تفكير شارون الذي لا يجعل منه سرا ستنتقل من غزة لا إلى الاراضي الاسرائيلية بل إلى الاراضي المحتلة في الضفة الغربية لنهر الاردن. ومع ذلك فليس ذلك نهاية المطاف. فقد ربط بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الاسرائيلية الاسبق والشخصية الثانية في تحالف «الليكود» تأييده لخطة شارون بثلاثة شروط: الاول، ويتلخص في ضمانات كتابية من جانب الرئيس بوش حول الغاء حق الفلسطينيين نهائيا في العودة إلى داخل حدود اسرائيل من جدول الاعمال. أما الشرط الثاني، فيتعلق بأن اجلاء المستوطنات اليهودية من قطاع غزة لايمكن تحقيقه قبل الانتهاء من بناء ما يسمى بـ«الجدار الامني». وكانت الغالبية الساحقة من المجتمع الدولي قد اعتبرته محاولة من جانب اسرائيل لترسيم حدودها مع الدولة الفلسطينية المستقبلية وفق تصوراتها الذاتية. ونذكر ان بناء هذا الجدار لم يلق في حينه اعجاب واشنطن. ولذا فان الولايات المتحدة وحسب رأي نتنياهو تبدو ملزمة بتقنين حق اسرائيل في تقرير موضوع الحدود مع الدولة الفلسطينية من جانب واحد.
ويبقى الشرط الثالث الذي يتمثل في موافقة الولايات المتحدة على ضم المستوطنات اليهودية الكبيرة في اراضي الضفة الغربية إلى حدود اسرائيل التي ستتحدد في اطار التسوية مع الفلسطينيين.
ومن الواضح ان هذا الانذار بنقاطه الثلاث ليس موجها إلى شارون بل إلى الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك فانه ليس من المستبعد ان يكون هذا الانذار قد ظهر إلى الوجود في اطار «توزيع الادوار» بين شارون ونتنياهو قبيل زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي إلى الولايات المتحدة. فليس من المناسب بالنسبة لشارون ان يطرح مطالبه العلنية على الولايات المتحدة قبيل زيارته إليها، وهذا ما قام به نتنياهو.
وفي هذا الاطار ليس من الصعب ان نستوضح وراء هذه المطالب محاولات نسف «خريطة الطريق» التي صاغها «الرباعي الدولي» ـ الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة. وتنص «خريطة الطريق» على التسوية المرحلية للنزاع العربي ـ الاسرائيلي عبر تأسيس الدولة الفلسطينية وشروط امن اسرائيل. وقد جرى ترحيل موضوع اللاجئين والمستوطنات اليهودية والحدود الفاصلة بين الدولتين إلى المرحلة الثالثة التي من المفترض ان يسبقها جلاء القوات الاسرائيلية والمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المكثفة. وقد سجلت مقدمة «خريطة الطريق» استراتيجية حل النزاع في اطار ما اشارت إليه من قرارات مجلس الامن المعروفة 242 و338 و1397 و1515.
أما فيما يخص خطة شارون فإن اسرائيل اخذت على عاتقها وحدها تقريرالموضوعات الجامعة للتسوية مع الفلسطينيين على نحو احادي الجانب والمهم ليس على اساس الاتجاهات التي حددها «الرباعي الدولي». ألا يكون واضحا الآن ان خطة شارون وضعت من اجل الحيلولة دون تنفيذ «خطة الطريق»؟ ان شارون لم يكن وبطبيعة الحال ليرفض مشروع التسوية المطروح من جانب مثل هذا «الرباعي» الكبير الذي يحظى بمثل ما لديه من مكانة. ان مثل هذه المهمة، وعلى ما يبدو، هي ما تستهدفه «خطة الفصل مع الفلسطينيين من جانب واحد». فكيف سيكون رد فعل الولايات المتحدة على كل ذلك ؟ فمنذ شهر واحد لم تكن كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الاميركي لشؤون الامن القومي تريد ان تسمع شيئا حول خطة شارون الجديدة. فماذا هي فاعلة اليوم؟ اعتقد ان رايس يمكن ان تتحول 180 درجة. وعلى أي حال فقد زار شارون ومنذ مطلع ابريل (نيسان) ثلاثة من ممثلي الادارة الاميركية والذين، حسب افادات الصحافة الاسرائيلية، اكدوا انه سيتسلم خلال زيارته «الرد الرسمي الذي يرضيه».
وهناك موضوع آخر يتسم بالحدة الشديدة والذي، على ما يبدو، لن يكون بعيدا عن الاهتمام خلال زيارة شارون لواشنطن. والمقصود هنا هو الحديث عن ياسر عرفات. ان الرئيس الفلسطيني يظل أشبه بـ«العظمة في حلق شارون». وليس الأمر يتعلق بالكراهية الشخصية له منذ عام 1982 يوم كان شارون قائدا للجيش الاسرائيلي الذي كان يقاتل الفلسطينيين في لبنان. فارييل شارون يدرك جيدا انه يصعب بدون عرفات تنفيذ «خريطة الطريق» بل والتسوية عموما بل ولربما يستحيل بدونه تحقيقهما تماما. فتوقيعه تحديدا هو الذي سيدفع الفلسطينيين صوب التنازل الضروري ويدفع إلى الوراء العناصر التي تتمسك بالمواقف المتطرفة. لكن شارون واذ يدرك ذلك ولكونه غير مهتم بتحقيق التسوية من خلال بناء الدولة الفلسطينية فإنه يحاول التخلص من الزعيم الفلسطيني المعترف به على المستوى العالمي. وكانت الولايات المتحدة التي اضحت احد صانعي «خريطة الطريق» ترفض تأييد شارون في ذلك. فكيف سيكون سلوك الولايات المتحدة الآن؟

* رئيس الوزراء الروسي الاسبق. خاص بـ«الشرق الاوسط»