من قال للعراق

الياس خوري

من قال للعراق انه العراق؟
من ذكّر الوادي بنهريه اللذين يفيضان ماء ودما؟
من اعاد الشعر الي بلاد الشعراء؟
اراهم امامي، ثلاثة شعراء يلقون بظلالهم علي وادي الرافدين، اري ظلالهم تتوالد في مواكب تمتد من جيكور الي بغداد، ومن كربلاء الي الرمادي والفلوجة. اري الكلمات تتلون بالرمادي، ثم تصنع سماء خضراء تمتد من العيون الي العيون.
املأ كفتي ماء واشرب، فاستمع الي الصدي. الخليج يردد الصدي، ودماء الضحايا تقول ان اعمار الطغاة قصار ، وشاعر يقف تحت جدارية فائق حسن ، ويرسم سماء العراق بالخبز والابجدية.
اري عراقهم، عراقي، بلاد الجواهري والسّياب وسعدي. اراك يا سعدي تقف الي جانبهم، تكتب اشعارهم من جديد، وتقول للعراق انه العراق، وترحل بالشعر الي الشعر.
سماء العراق يغطيها النخيل والشعر. لم ارَ العراق الا مرة واحدة، حين زرته منذ اعوام طويلة، لكني رأيت العراق مئات المرات، حين زارتني القصائد، واخذتني الي اللغة العربية، وعبرت بي الاماكن التي صنعها ابو نواس كي تكون متكأ لقصائده، ثم رسمها المتنبي، كي تبقي ذاكرة اقوي من النسيان.
رأيت العراق محمولا في لغة الجواهري. كان الشاعر الذي ينحت الشعر من الشعر، يصنع لبلاده وطنا من كلمات وطين. يحفر الكلمات علي الارض، ويحول الارض كلمات. شعر اسمه الثورة، وثورة تحمل وشم الشعر.
ثم رأيته يتلألأ في مطر السياب وخليجه، عراق للغرباء وعراق للفقراء وعراق لغابات النخيل التي تشبه العيون. رأيت شاعرا نحيلا يضم وطنه الي صدره، يحاول ان يقف فتخونه قدماه، ينحني وينحني، ويمتزج بالطين والصلصال، الذي صنع من تلك الارض، بلادا لآلهة لا ترتوي من الحب.
واليوم اراه، في شاعر ثالث، يحكي كما الشعراء، ويرسم الكلمات علي يديه وعينيه قبل ان ينطق بها. شاعر لم ينحني مع الانحناء الذي شل العرب، ولم يذهب الي مائدة الخونة واللئام وسفهاء العتمة. يقف الشاعر تحت نصب الحرية في بغداد، يستدعي جواد سليم وفائق حسن، ويقول الشعر في وصفه نبضاً وحياة ومقاومة للموت.
رأيت سعدي يوسف في غربته اقرب الي العراق من العراق نفسه. فالوطن يرتحل مع شاعره، ويسكن في الكلمات في انتظار ان تستعيد الارض قدرتها علي الكلام، ويستعيد البشر قدرتهم علي التماهي مع النخيل.
ثلاث اشجار نخيل ترتفع في سماء العراق. واحدة للتحدي وواحدة للألم، وواحدة للغربة.
الجواهري صنع التحدي بالكلمات. استعاد عبير المتنبي، كي يصنع منه عمارة للغة جديدة، وشعارا لثورات العراق التي اشتعلت في العشرين، وامتدت الي القرن الحادي والعشرين.
والسّياب حوّل الألم لغة، والماء حبرا، والغابات عيونا. رجل نحيل لم يحتمل العمر، فمات قبل العمر، لكنه تدفق مثل نبع لا ينضب، وسكر بالشعر قبل ان يسكر بالموت.
وسعدي الذي اختارته الغربة كي يبقي غريبا، ويستوطن الكلمات التي لبسته، وجعلته شاهدا علي الساعة المنقلبة، يغني العراق والفجيعة، واذا لم تشرق الشمس بعد، صنع من كلماته شمسا كي يشرق الحبر في الفراتين، ويبقي الشاعر امينا ومؤتمنا علي الحلم، حتي وان عاش في الكابوس.
ثلاثة شعراء يظللون العراق اليوم، ويغلفون الدم بالندي، ويعلنون بصوت واحد، ان بلادهم تعود الي ذاتها، حين تنفض عنها ظلم الديكتاتورية، وتقاوم وحش الاحتلال.
انه العراق.
من ايقظ العراق في العراق.
قال الشاعر انه يري دما كثيرا وعذابات لا تحصي، قال ان بلاده مغطاة بضباب الاحتلال، وان الضباب يصنع الضباب. قال انه يقف وحده كي يحرس الاحتمالات، وينتظر البداية.
منذ اسبوع يا اصدقائي، والعراق يسكن في ارواحنا. عراق عاش الامتهان والخوف، وطن جعله الطاغية مقبرة لأبنائه، قبل ان يستدعي الاحتلال، الذي اراد للعراق ان يكون مقبرة لكل العرب، وعنوانا لموت فلسطين.
لكن العراق قال لا.
لم ينتظر كثيرا كي يقول، ولم يقل كلمته بعد، انه يتهجي الحروف التي يقطفها من شجرة الدم والقهر والعذاب. يحاول ان يبدأ رحلته الي صورته والي كلماته. والعراق يعرف ان الرحلة طويلة، عليه ان يستعيد كل الاعوام التي ضاعت من عمره، وان يكتشف ان في اعماقه، يعيش شعر العرب ولغة العرب ومستقبل العرب.
ثلاثة ظلال، اشجار نخيل تمتد في الافق وتصنع الافق. واصوات مئات الشعراء الذين عاشوا علي ضفاف دجلة، وشربوا من ماء الفرات، تلتقي اليوم من اجل ان تقول للعراق انه العراق.