مقابلة مع المراقب العام  لجماعة الاخوان المسلمين في سورية

بسم الله الرحمن الرحيم

نص المقابلة التي أجراها موقع الجماعة

مع المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية

بتاريخ 10/4/2004

أستاذنا الكريم أبا أنس: أبدأ معكم من قلب الحدث هذه الأيام .. من عراق الرشيد:

1 - هذا الذي يجري الآن في الفلوجة و بغداد ومدن الجنوب العراقي من قتل وذبح وقصف ودمار تحدثه قوات الاحتلال الوحشية الإرهابية .. ما هي دلالاته برأيكم ؟ .. في ضوء الادعاء بتحرير العراق وجلب الديمقراطية إليه !!..

- إنّ تصاعد المقاومة العراقية للاحتلال، رداً على الاعتداءات الوحشية التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق أبناء الشعب العراقي في الفلّوجة، وفي مختلف المدن العراقية، ينطوي على دلالاتٍ كثيرة، أهمها:

إنّ ما يواجهه الشعب العراقي من قتلٍ وقصفٍ وتدمير، على يد قوات الاحتلال الأمريكية، مماثلٌ في وحشيته لما يواجهه الشعب الفلسطينيّ على يد قوات الاحتلال الصهيوني، بدعمٍ أمريكيّ مادّيّ ومعنويّ، فالعدو واحد، والمعركة واحدة، وإن اختلفت ذرائعها وساحاتها.

إنّ تصاعد عمليات المقاومة في العراق، وانتشارها في مختلف المدن العراقية في الشمال والوسط والجنوب، بعد مضيّ عامٍ على الاحتلال، وتخبّط قوات الاحتلال في الردّ عليها، ولجوءها إلى سياسة الأرض المحروقة، وإلى حصار المدن، وقصفها العشوائيّ الوحشيّ للمدنيين، يؤكّد فشل المشروع الأمريكيّ في المنطقة، وأنّ قوات الاحتلال في ورطة، ليس من السهل الخروج منها.

إنّ توحّد العراقيين واجتماع كلمتهم على مقاومة الاحتلال، يثبت أنّ مراهنة قوات الاحتلال على الصراعات الطائفية والعرقية لتفتيت العراق، قد باءت بالفشل.

إنّ الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال في مختلف المدن العراقية، دون تمييزٍ بين المقاومين والمدنيين العزل من الشيوخ والنساء والأطفال، ومحاصرة المدن، ومنع عمليات إسعاف المصابين.. كلّ ذلك يثبت زيف ادعاء هذه القوات، بأنها جاءت لتحرير العراق، وجلب الحرية والديمقراطية لشعبه.

إن الصمت العربيّ الرسميّ على هذه الجرائم الوحشية، يشكّل وصمة عارٍ على جبين الأنظمة. وعلى القوى الشعبية أن تبادر إلى التحرك الفوريّ، للضغط على حكوماتها لنجدة أهلنا في العراق، واتخاذ المواقف الصارمة تجاه هذا العدوان.

2 - استمرار اعتماد القضاء الاستثنائي في سورية، والمحاكمات المستمرة للحريات العامة فيها، يشيران إلى أن النظام لم يستوعب ما يجري على الساحة العربية والعالمية، فهو يهرب إلى الأمام فيما يتعلق بالجبهة الداخلية. برأيكم ألا يقتضي ذلك مراجعة لخطاب المعارضة باتجاه النظام الذي ظل يركز على الأمل أن يغير النظام نفسه ؟

- القضاء الاستثنائي في سورية، والمحاكمات التي تنتهك الحريات العامة وحقوق الإنسان، وآخرها ما صدر عن المحكمة العسكرية بحلب من أحكام جائرة، بحق الناشطين الأربعة عشر، لأنهم همّوا بالاستماع إلى محاضرة سبق أن ألقيت مرتين في العلن.. كلّ ذلك ليس إلاّ جانباً من المشهد العام المفروض على البلاد منذ أكثر من أربعة عقود، في ظلّ قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وتسلّط الأجهزة الأمنية على مختلف مناحي الحياة، وسياسات الإقصاء والقمع والتنكيل بأصحاب الرأي الآخر. ويبدو – فعلاً – أن النظام لم يستوعب المتغيّرات الدولية والإقليمية، ولم يدرك - حتى الآن - حجم الأخطار التي تواجه الوطن والأمة، في ظلّ حالة الاحتقان الداخلي والفراغ السياسي، التي تعاني منها البلاد نتيجة الإصرار على هذه السياسات.

إنّ حالة الانسداد التي وصلت إليها البلاد، نتيجة إصرار السلطة على هذا النهج، رغم التهديدات والتحدّيات الخارجية، تستدعي من جميع القوى الوطنية، أن تبادر إلى توحيد صفوفها، وتحديد أولوياتها، والاتفاق على برنامج للعمل الوطني المشترك، يتجاوز المصالح الحزبية الضيقة، والمكاسب السياسية الآنية، ويوحّد الجهود للخروج بالوطن من أزمته. وهذا ما نسعى إلى تحقيقه مع بقية القوى الوطنية، من خلال الاتصالات والحوارات التي نقوم بها في لجنة الميثاق الوطني، وأعتقد أن إجماع القوى الوطنية على ضرورة الإصلاح، وتوافقها على المطالب التي تشكّل مدخلاً له، يشكّل خطوةً هامةً على طريق تحقيق الوحدة الوطنية.

إن المعارضة الوطنية لا تراهن على أن يغيّر النظام نفسه بنفسه، وإنما تعتمد – بعد الله عز وجلّ - على قوة الحقّ الذي تتصدّى لحمله والدفاع عنه، وعلى ثقتها بالشعب وبقدرته على فرض إرادته، وعلى الحراك الشعبي الذي بدأ يظهر بأشكالٍ متعددة، وعلى المزيد من تلاحم القوى الوطنية، للتصدّي للقضايا المصيرية، بعد أن حُرِم الشعب من ممارسة حقوقه طوال أربعة عقود.

3 - في ظل سلسلة التنازلات التي يقدمها النظام للأعداء ومن ضمنها إعلان الاستعداد لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل دون قيد أو شرط في الوقت الذي يغلق آذانه بشأن إصلاح الداخل ، ما رأيكم بهذا الموقف للنظام ؟

- لا شكّ أنّ النظام في سورية، يرتكب خطأً فادحاً بحقّ الوطن والأمة، بانتهاجه سياسة تقديم التنازلات، في مواجهة الضغوط الخارجية، بدلاً من إعادة بناء الجبهة الداخلية، وتعزيز الوحدة الوطنية، ذلك أنّ مسلسل الطلبات والتنازلات ليس له قرار ينتهي إليه، وأن الدرس العراقيّ القريب يؤكّد استحالة الصمود في مواجهة الضغوط والعدوان، في غياب جبهةٍ داخليةٍ متراصّةٍ قوية. لذلك لا مناص – لإنقاذ الوضع - من الإصلاح السياسي، وتحقيق المصالحة الوطنية، لتحصين الجبهة الداخلية.

ومن الغريب والمؤسف حقاً، أن يبديَ النظام استعداده لاستئناف المفاوضات مع العدو دون قيدٍ أو شرط، وبطريقةٍ تصل إلى حدّ الاستجداء، في الوقت الذي يصمّ فيه آذانه عن نداءات كلّ القوى الوطنية الداعية إلى الانفتاح والحوار والإصلاح.

4 - شهر شباط (فبراير) يحمل ذكرى مجزرة حماة التي نفذها النظام في عام 1982 بوحشية. هل من كلمة توجهونها للنظام السوري والشعب السوري بهذه المناسبة ؟

- إنّ المآسي التي حلّت بشعبنا خلال العقود الأربعة الماضية، نتيجة الاستبداد والتسلّط، والمجازر العديدة التي ارتكبت بحقّ كثيرٍ من أبناء شعبنا، في مختلف المحافظات السورية، في ظلّ سياسات القمع والتنكيل.. كلّ ذلك خلّف جراحاتٍ عميقة لا بدّ من معالجتها، ومعالجة الآثار الناجمة عنها، ومحاسبة المسئولين عن ارتكابها، والتوقّف عن السياسات التي أدّت إليها، لتطوى إلى غير رجعة، تلك الصفحة السوداء من تاريخ الوطن.

لقد كانت هذه الذكرى الأليمة، مناسبةً لاستخلاص الدروس والعبر، ومراجعة السياسات القائمة على القمع والمعالجات الأمنية، ومداواة الجراح بالإفراج عن المعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين، والسماح بعودة المنفيين، والتعويض على المتضرّرين، للسير في طريق المصالحة الوطنية، بدلاً من الإصرار على السياسات التي أنتجت هذه الحالة المتأزمة.

5 - تعود وتتكرر الأقاويل عن نية إسرائيل توجيه ضربة موجعة لإيران وسوريا ولبنان. هل تجدون هذه التهديدات حقيقية ؟ وما هو برأيكم الموقف السديد تجاه هذه التهديدات ؟

- من السذاجة تجاهل هذه التهديدات المعلنة، وألاّ تُؤخَذَ على محمل الجدّ، فحكومة الإرهابيّ شارون لن تتورّع عن القيام بأيّ عمل، لتحقيق أهدافها التوسّعية، ولتغطية عجزها أمام المقاومة الفلسطينية الباسلة، وفشلها في القضاء عليها، رغم كلّ جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها بحقّ أهلنا في فلسطين.

أما مواجهة هذه التهديدات، فلا بدّ من استراتيجيةٍ شاملة، تقوم على تعبئة كلّ القوى لمواجهة أيّ عدوان محتمل، والمبادرة إلى القيام بالإصلاحات السياسية التي أجمعت على ضرورتها كلّ القوى الوطنية، لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، ووضع خطةٍ متكاملة، لا تستبعد خيار المقاومة، لاسترجاع الأراضي والحقوق المغتصبة، بدلاً من اللهاث وراء مفاوضات السلام الموهوم.

إنّ أيّ تهاونٍ أو تقصيرٍ في الاستعداد لمواجهة هذه التحدّيات والتهديدات، لن تقتصر نتائجه السلبية على السلطة وحدها، فالوطن كله مستهدف، فضلاً عن المنطقة العربية والإسلامية.

6 - برأيكم لماذا هذا الإصرار من قبل النظام السوري على إبقاء حالة الطوارئ سارية حتى اليوم، رغم كل المواقف المتوازنة المعتدلة للمعارضة السورية بكل أطيافها ؟

- يبدو أن الفئة المتنفّذة في الحكم، المستفيدة من حالة التأزّم والاحتقان في البلاد، هي التي تقف في وجه أيّ محاولةٍ للإصلاح، خوفاً على نفوذها ومصالحها التي ارتبطت بسياسات القمع والتسلّط، في ظلّ حالة الطوارئ والأحكام العرفية، التي أصبحت – بديمومتها - جزءاً من بنية النظام الاستبدادي، غير عابئةٍ بمعاناة الشعب، وبما يتهدّد الوطن من مخاطر داخليةٍ وخارجية، نتيجة استمرار هذه السياسات. وأعتقد أنّ على القوى الوطنية التي تتبنّى الإصلاح، أن تحزم أمرها، وتوحّد كلمتها، وتضع خطتها للخروج من هذه الأزمة الخانقة، فالأوضاع الداخلية المحتقنة، والأخطار الخارجية المتزايدة، تحتاج إلى مبادرة سريعة، ولم تعد تحتمل التأخير، فالإصلاح أصبح مطلباً جماهيرياً ملحّاً، وضرورةً وطنيةً حتمية.

7 - انطلقت في إيران تصريحات شديدة اللهجة تجاه إسرائيل على لسان وزير دفاعها ، فقد وصف إسرائيل بثكنة عسكرية قابلة للكسر وأن إيران ستكسر هذه الثكنة العسكرية إن اعتدت على منشآتها النووية ، كيف تقيمون هذا الكلام في ضوء التراجعات الإيرانية في الآونة الأخيرة ؟ وفي ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة فيها ؟

- أعتقد أنّ إيران تنظر بعين الجدّ والقلق، إلى التهديدات الإسرائيلية المستمرّة بضرب منشآتها النووية، وأنّ التصريحات الشديدة التي تشير إليها، تعكس هذه النظرة الجدّية القلقة، بغضّ النظر عن المواقف السياسية الإيرانية الأخيرة التي اتسمت بالتراجع أمام الضغوط الأمريكية، نتيجة الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين، إذ أنّ الصراعات داخل الوطن، تشكّل دائماً عامل ضعفٍ أمام القوى الخارجية المتربّصة. أما فوز المحافظين في الانتخابات الأخيرة، فقد يدفع إيران إلى مواقف أكثر حزماً وتشدّداً تجاه هذه الضغوط والتهديدات.

8 - ما هو موقفكم من مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي طرحته أمريكا في الآونة الأخيرة ؟ وكيف تقيمون الموقف العربي والإسلامي تجاهه ؟

- مشروع "الشرق الأوسط الكبير" مشروعٌ أمريكيّ، يتعلّق بمصالح الولايات المتحدة وأهدافها في المنطقة. وهو وإن كان – في ظاهره – يهدف إلى نشر الديمقراطية، وإصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردّية لدى بلدان العالم العربي والإسلامي، إلاّ أنه في حقيقته يرمي إلى خدمة المصالح الأمريكية، واستكمال هيمنتها على المنطقة العربية والإسلامية، وإعادة رسم خريطتها بما يحقق أهدافها والأهداف التوسعية لحليفها الاستراتيجي العدو الصهيوني، لذلك لم يتضمّن أيّ إشارةٍ إلى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، ولا إلى جرائم الإبادة التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني، مما يعتبر أهم أسباب التوتر في هذه المنطقة.

كما أن تورّط الإدارة الأمريكية في دعم الاحتلال الصهيوني، ومساندتها للأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والإسلاميّ، وكذلك ممارساتها الحالية في أفغانستان والعراق.. يفقدها النزاهة والمصداقية في تنفيذ هذا المشروع الإصلاحيّ. ولعلّ الرضى الأمريكي مؤخّراً عن النظام الليبي، بمجرّد استجابته للمطالب الأمريكية، دون أن يقوم بأيّ خطوةٍ نحو الديمقراطية وتوسيع المشاركة الشعبية، خير دليلٍ على حقيقة الأهداف الأمريكية من هذا المشروع.

لكن لا بدّ من الاعتراف في الوقت نفسه، أنّ الأوضاع العامة في دول المنطقة بلغت حدّاً من التردّي لم يعد من الممكن السكوت عليه، وأنّ شعوب معظم هذه الدول، تعاني من الظلم والقهر والاستبداد والفساد والفقر والتخلّف، ما يجعلها فريسةً سهلةً لمثل هذه المشاريع الخادعة، مما يوجب على الحكام المبادرة إلى التغيير والإصلاح، وفق خطةٍ شاملة، بالتعاون مع كلّ القوى الوطنية، لقطع الطريق على الابتزاز الخارجيّ، ومنع استغلال معاناة الشعوب، واستخدامها ذرائع للتدخّل في شئونها، وتعريض سيادتها للخطر.

9 - ما تعليقكم على قيام حكومة شارون باغتيال الشيخ أحمد ياسين؟ وما هي تداعيات ذلك على مستقبل المقاومة الفلسطينية؟.

- إن إقدام العدو الصهيوني على جريمة اغتيال شيخ المجاهدين الشيخ أحمد ياسين، يدلّ على مدى الهزيمة التي ألحقها هذا الشيخ المجاهد بالمحتلّين الغاصبين، وعلى مدى الرعب الذي زرعه في قلوبهم، حتى لجأوا إلى ارتكاب جريمتهم النكراء، بحقّ شيخٍ مقعدٍ أعزل، وهو خارجٌ من المسجد بعد أدائه صلاة الفجر..

لقد نال الشيخ باستشهاده أغلى ما كان يتمنّاه، وختم حياته بأحسن ما كان يطمح إليه، بعد أن قضى عمره مجاهداً في سبيل الله، وكان قدوةً وحُجّةً ومشعلاً في حياته، كما أصبح قدوةً وحُجّةً ومشعلاً بعد استشهاده.

لم يدرك شارون وعصابته أنهم بجريمتهم هذه، قد قرّروا حتفهم بأيديهم، وأنّ دم الشيخ أحمد ياسين سيكون لعنةً عليهم، لأنه سيفتح باب الجهاد والمقاومة على مصراعيه، أمام أبناء هذه الأمة، بعد أن خطّ لهم الطريق في حياته، وأنار لهم الدرب باستشهاده.