3 رسائل من الفلوجة الى بوش .. والقادة العرب .. ونحن ومجلس الحكم ..

 توماس فريدمان

 

العملية الأميركية في العراق معلقة بخيط. واذا كان لديها أي أمل في تجاوز اللحظة الهوبزية (نسبة الى الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز 1588ـ 1679، الذي أكد على أن السبيل الوحيد لحماية المجتمع المدني يمر عبر الخضوع الشامل للسلطة المطلقة للسيادة)، فاننا بحاجة الى ثلاث محادثات تجري على وجه السرعة: جورج بوش يحتاج الى الحديث الى والده، والزعماء العرب يحتاجون الى الحديث الى أبنائهم، أو بناتهم، ونحن نحتاج الى الحديث الى مجلس الحكم العراقي.
أيها الرئيس بوش نرجوك الاتصال بالبيت. فأنت بحاجة الى حكمة والدك الآن. وربما لم تكن لدى الرجل العجوز الرؤية الثاقبة، ولكنه يمتلك الفطنة وتدبر العواقب. فقد أدرك انه لم يكن بوسعه اخراج صدام حسين من الكويت بدون تحالف حقيقي ضم مصر وسورية والسعودية ودولا عربية أساسية أخرى، ناهيكم عن جميع حلفاء الناتو والأمم المتحدة. ولم يكن بوسع أميركا أن تمتلك الشرعية للعمل في ذلك المسرح خلال الفترة المطلوبة بدون غطاء عربي وأوروبي.
ان ماكان صحيحا بالنسبة لاخراج صدام من الكويت هو صحيح بثلاثة امثال بالنسبة لاخراجه من العراق، وصحيح بأربعة أمثال بالنسبة لاخراج البعثيين العنيدين من الفلوجة والمتطرفين الشيعة من النجف. وكلما توغلنا بصورة اعمق في المجتمع العراقي، خصوصا بالدبابات والقوات، كنا بحاجة الى شرعية أكبر.
وعندما كانت الأمور تسير على ما يرام في بغداد بالنسبة للعملية السياسية، كان بوسع أميركا أن تجد سبيلها عبر الحصول على الشرعية بالمال أو فرضها بالقوة. ولكن عندما يتحدث المرء عن قتل شباب ورجال دين عراقيين متمردين فانه لا يستطيع الحصول على الشرعية لذلك ولا يمكنه فرضها بالقوة. فالعراقيون المعتدلون خائفون تماما من الوقوف والدفاع عن ذلك بأنفسهم.والحق انهم سيبتعدون عن الولايات المتحدة. وما يمكن أن يشد من أزرهم هو فقط تحالف حقيقي للأمم المتحدة والدول العربية والاسلامية وأوروبا ـ تحالف الـ41 في عهد بوش الأب. وقد يكون الأمر متأخرا بالنسبة لذلك في الوقت الحالي، ولكن كان من الأفضل لأعضاء فريق بوش أن يحاولوا التفكير في ذلك. فلدينا عجز مذهل في الشرعية للمهمة التي تقف أمامنا. وأشعر بالسعادة لأن السلفادور معنا، ولكن عندما يحصل العراقيون على صحون القنوات الفضائية فانهم لن يشاهدوا محطة السلفادور التلفزيونية. انهم يشاهدون محطة الجزيرة التلفزيونية. واذا كانت أميركا وحدها مقابل الشارع العراقي فاننا سنخسر. أما اذا كان العالم مقابل الشارع العراقي فستكون أمامنا فرصة.
ونحن بحاجة الى حديثين آخرين. وأنا لا أشعر الا بالاحترام لأكراد العراق. انهم يتمتعون بروح ديمقراطية. ولكن في النقاش في مجلس الحكم حول دستور العراق المؤقت تخطوا الحدود، وارتكب فريق بوش خطأ فادحا في السماح لهم بذلك التخطي، عبر اعطاء الأكراد سلطة استخدام الفيتو حول الدستور العراقي النهائي. وأعتقد ان الأكراد يحتاجون الى شكل من الحماية وهذا حقهم. وسأدعم أية ضمانات أميركية لهم. ولكن الكثير من الشيعة المعتدلين، الذين يتزعمهم آية الله السيستاني، يشعرون بأن الدستور العراقي المؤقت يميل بصورة بعيدة الى حقوق الأقلية بحيث انه يقيد، على نحو غير عادل، حقوق الأغلبية (الشيعية). واذا كان للدستور المؤقت أي أمل في تجاوز هذا النزاع ليكون مقبولا من جانب الأغلبية الشيعية المعتدلة فانه بحاجة الى أن يعاد تعديله، عبر حوار بين زعماء الأطراف المختلفة في العراق ومعنا. والا فان الانتقال المستقر للسلطة مستحيل «ان لم يكن مستحيلا الآن».
وللزعماء العرب ايضا مصلحة حيوية في العمل مع الولايات المتحدة لتهدئة الاضطراب في العراق وتعزيز قدرات الاتجاه المعتدل. وربما كان من المكدر بالنسبة لهم مساعدة فريق بوش ـ وربما من المقلق أن تجري انتخابات حرة في العراق بالنسبة لزعماء غير منتخبين في العالم العربي ـ فان الاستيلاء على العراق الغني بالنفط جزئيا من جانب المتطرفين البعثيين المستعدين للعمل مع القاعدة، وجزئيا من جانب المتطرفين الشيعة المستعدين للعمل مع ايران، ان هذا سيكون أسوأ. انه سيعزز موقف المتطرفين في المنطقة العربية ويجمد عملية الاصلاح الفتية هناك.
وهذا هو سبب حاجة العرب الى الحديث الى أبنائهم وبناتهم. فاذا ما خسر العرب عقدا آخر من الاصلاح، لأن العراق يخرج عن السيطرة بينما يسير العالم بسرعة الى أمام، فانهم سيجدون أنفسهم خارج النظام العالمي ويتعاملون مع الكثير من فلوجاتهم. تحدثوا الى الشباب العرب اليوم وستجدون الكثير منهم يائسين تماما من التراكم الشامل في مجتمعاتهم. انهم يواجهون مأزق عاصفة رملية حيث فرص الشباب لتحقيق آمالهم تذوي.
ان ما يجري اليوم في العراق ليس حربا بين التطرف الاسلامي وأميركا، بل انه، وهذا هو الأكثر أهمية، حرب داخل الاسلام ـ بين أولئك الذين يريدون اسلاما بوجه انساني تقدمي يمكن ان يمتزج مع العالم ، وأولئك الذين يريدون اسلاما منعزلا ومناوئا للعالم. اذن، أو أجل ، نحن نريد كل الدعم العربي والاسلامي الذي يمكننا من الحصول عليه لنرى العراق وقد وصل الى نتيجة مرضية. ولكن العالم العربي الاسلامي بحاجة الى نتيجة مرضية في العراق كحاجتنا ان لم يكن أكثر.