نظام الاستثناء الشرق أوسطي
ياسين الحاج صالح: السفير 7/4/2004
إسرائيل دولة ليست كغيرها من دول العالم المئتين، لا في واقعها ولا في مفهومها لنفسها ولا في موقعها الاستراتيجي والمعنوي والسياسي في النظام العالمي. فهي واقعا دولة صغيرة الحجم لكن يحركها طموح مجنون عميق المنابع قوي الدوافع نحو الأمن المطلق. ويغذي هذا التوتر نزوعا توسعيا نهما يأخذ أشكالا متعددة: شكل سياسة توسع إقليمي في الجوار العربي، وشكل تماه مع القوة العالمية الأكبر التي تجاور دول العالم جميعا، وشكل مراكمة آخر صيحات الأسلحة التقليدية مضافا إليها أشد أسلحة الدمار الشامل فتكا. وكل هذه أشكال التوسعية الباحثة عن الأمن عبر السيطرة.
وهي إلى ذلك ذات موقع مركزي في السياسات الدولية ولا تتفوق عليها إلا الولايات المتحدة في بلورة سياسة عالمية متنبهة لما يجري في كل ركن من أركان الأرض مهما نأى. وهي في فكرتها عن نفسها دولة <<الشعب اليهودي>> الفخور والمتفوق على غيره، سياسيا وعقليا وأخلاقيا. وفي روابطها الدولية تحظى إسرائيل بمعاملة تفضيلية من الغرب (عنصر التكفير غير خفي فيها، وعنصر الانحياز ضد عداء لعالم الإسلام والعرب الحضاري غير غائب عنها). وهي كذلك محمية بجدران عقلية وقيمية غربية أعلى واقوى من الجدار الذي تبنيه حكومة شارون في الضفة الغربية. بل إن جدار شارون ذاته محمي بذلك السياج القيمي والقانوني الغربي، الأميركي خصوصا لكن الأوروبي كذلك.
هناك الكثير مما هو مخيف ومقوض للأمن في دافع الأمن المطلق الذي يشكل روح إسرائيل؛ هذه الدولة المختلفة بل الاستثنائية، التي قد تساعد دراستها على فهم فكرة السلطة والقوة في عالمنا المعاصر أكثر مما تساعد دراسة أي دولة أخرى. فهي التقاء العنف المطلق والقيامي، والشرعية المتعالية المضادة للقانون من حيث هي قائمة على الاستثناء وغير قابلة للتعميم على الغير، والتواطؤ الأخلاقي من قبل القطب الحضاري الغربي المهيمن. وهي من جانب آخر التقاء الحداثة الفكرية والتكنولوجية والموقع المتفوق للرابطة الدينية في تكوينها وكيانها.
ولا تستطيع إسرائيل ممارسة السياسة إلا من موقع اللاتوازن التام مع أي من اعدائها الفلسطينيين والعرب. وهي في هذا أيضا التجلي المتطرف، لكن الأصفى، لارتكاز السياسة على احتكار القوة لا على توازن القوى.
ويتأسس الاستثناء الإسرائيلي الواقعي على ثلاثة استثناءات مشرعة: توراتي تحت صيغة شعب الله المختار؛ وحداثي تحت صيغة دور اليهود المتميز في الحداثة؛ وأخلاقي مستمد من الهولوكوست. وتتكفل <<صناعة الهولوكوست>> بتثبيت إسرائيل في موقع الضحية المؤبدة ومنع انصرام الزمان على المحرقة بما يجعل منها حدثا تأسيسيا، فوق تاريخي، لا يقارن بغيره: الحدث المطلق.
في استثنائيتها التأسيسية تشكل إسرائيل النموذج الجليل الذي تقتدي به نماذج مبتذلة من الديكتاتوريات الشرق أوسطية. ويتوزع الابتذال والاستثنائية معا بالقسطاس على الدول من الطراز العلماني في <<جمهوريات>> المشرق العربي أو من الطراز التقليدي البترولي في الجزيرة العربية. فمقابل شعب الله المختار لدينا الخصوصية العربية أو الإسلامية، ومقابل <<العبقرية اليهودية>> لدينا الحاكم العبقري والاستثنائي، ومقابل الأمن الإسرائيلي المطلق لدينا أبدية الحكام المطلقين. البنية ذاتها دائما، وإن كان سند الاستثناء <<قوميا>> في الجمهوريات، إسلاميا في البتروليات، زبونيا في الدويلات.
وجميع هذه الدول تقوم على استعداد ثابت ومشفوع بأمثلة عملية للقتل الجماعي واسع النطاق. وجميع نخبها تتمتع باستثناء حقوقي يضمن لها الحصانة من العقاب والاستفادة من نظام الزبونية الدولية. وتستفيد شعوبها جميعا من ميزة ثقافية في الغرب، لكنها ميزة إيجابية في الحالة الإسرائيلية ترفع كثيرا عتبة الشعور بالامتعاض من خرق إسرائيل للقانون الدولي، وسلبية في الحالة العربية تخفض كثيرا من عتبة الاستعداد للوم العرب، وفي الحالين يبقى نظام الاستثناء هو القاعدة.
الفارق المهم بالطبع أن المستثنى الإسرائيلي هو اليهودي الجمعي وفقا لما تصوغه الحكومات الإسرائيلية وأيديولوجييها اليهود وغير اليهود في الغرب، فيما المستثنى في الوسط الشرق أوسطي العربي هو فرد أو اسرة أو عشيرة أو طائفة. وهناك درجة عالية من الصدقية في تمثيل إسرائيل وحكومتها لليهودي الجمعي بالنظر إلى كون الديموقراطية اليهودية حقيقة فعلية. أما طغاة الشرق الأوسط الآخرون فلا يكتفون بممارسة سلطة مطلقة على محكوميهم بل يتعدون إلى تثبيت سلطتهم بالاستناد إلى طوائف وقبائل وتفريق مجتمعاتهم إلى طوائف وقبائل لا تحيل إلى أي هوية عليا (وطنية) ولا تستوعبها أي هيمنة (خلافا لحال النظام الملي القديم). الاستثناء الإسرائيلي يشتري الديموقراطية بالعنصرية، والاستثناء العربي يشتري الديكتاتورية بالزبونية الدولية والداخلية. فالدولة الزبون لغيرها لا تتعامل مع رعاياها إلا كزبائن.
إن الاستثناء الشرق أوسطي من الديموقراطية مؤسس على الاستثنائية الشرق أوسطية التكوينية. فالديموقراطية والاستثناء لا يجتمعان في عالم واحد.
ومن المدهش ومما ستزيده الأيام إثارة للدهشة اجتماع تدني مستوى حكام هذه المنطقة الفريد وخلو سجلهم من أي إنجاز عسكري أو تنموي أو سياسي أو ثقافي ذي قيمة من جهة، ودوام حكمهم واستقرارهم الفريد فيه من جهة أخرى. ومن دون حاجة إلى نظرية مؤامرة فجة بقدر ما هي شائعة، ومن دون رفض مسبق شائع ولا يقل فجاجة لدور التآمر في سوس شؤون هذه المنطقة الفريدة، فإنه يصعب فهم الاجتماع ذلك (بين تفاهة الحكام ونخب السلطة وبين تنعمهم المديد بالسلطان) من دون الأخذ بعين الاعتبار حظوتهم بتغطية دولية صريحة أو اقل صراحة. ومفعول هذه التغطية هو تعطيل الديناميات الداخلية في المجتمعات المحكومة، ومنح الدول/السلطات درجة عالية من الاستقلال وتحريرها من الحاجة إلى الإنجاز والتمثيل والحرية... وبالنتيجة بناء جدران أمنية عالية حول هذه الشعوب المستباحة لا تختلف في شيء عن الجدار الإسرائيلي. وأكثر مما إسرائيل في قلب الشرق الأوسط، الشرق الأوسط إسرائيلي.
إن دول الشرق الأوسط متشابهة كثيرا من حيث كونها مصنوعة من الطين نفسه: الاغتصاب والجريمة والأجنبية. ووظيفة الأيديولوجيات التي <<أفرزتها>> التكوينات الديكتاتورية المحلية أو الديكتاتورية العالمية المتحكمة بمصير المنطقة أو العنصرية الإسرائيلية، هي إخفاء الأصل الواحد لهذه الدول. وهذه الأيديولوجيات عنصر أساسي في أية نظرية مفيدة في الشرق الاوسط بدرجة لا تقل عن بنى السلطة الديكتاتورية والفساد المطلق للسياسات المحلية والنخب الحاكمة. فعبر تركيزها على جوهر شرق أوسطي مضاد للاستقرار والعقلانية والديموقراطية، ومدون في الدين أو العرق أو اللغة، فإن هذه النظرية الأميركية لا تكتفي بالتنصل من كل مسؤولية عن الوضع المادي والسياسي والمعنوي البائس لشعوب المنطقة، بل هي بالفعل من نوع <<لوم الضحايا>> وتحميلهم مسؤولية بؤسهم، بل والنيل من جدارتهم الإنسانية والحضارية. وبالمقابل، عبر تركيزها على <<العوامل الخارجية>> فإن نظرية الديكتاتوريات المحلية تشارك في التنصل من المسؤولية عن بؤس الوضع الشرق أوسطي الراهن وتسهم في التمديد لأنظمة الاستثناء القائمة.
الخلاصة التي نريد الوصول إليها هي أن الشرق الأوسط وحدة تحليلية وسياسية مترابطة تقوم على التدويل والاستثناء. والأمل محدود في فهم سياستها وتكوينها غير المستقر وغوامض تاريخ هذه المنطقة أو الدفع نحو تغيير ديموقراطي فيها من دون بلورة نظرية في الوحدة الشرق أوسطية.
إن الشرق الأوسط هو المفهوم الذي يتيح لنا تجاوز نظرية العوامل الداخلية والخارجية، أو الاكتفاء بجدلية شكلية ومفتعلة بينهما. وهذا بالضبط لأن الشرق الأوسط منطقة مدولة تكوينيا، منطقة لا داخل فيها ولا خارج لها. ومن شأن بلورة نظرية تاريخية في الشرق الأوسط أن تقطع الطريق بالخصوص على إغراء إضفاء طابع ماهوي على أي <<عوامل داخلية>> وطابع تآمري على أي <<عوامل خارجية>>. وهاتان النظريتان، النظرية الماهوية ونظرية المؤامرة، مترابطتان أكثر مما يحب أنصار هذه أو تلك أن يعتقدوا، وأكثر مما يتسع المقام لإثباته.
قد يفيد أن نضيف في ختام هذا المقال التخطيطي أن نظرية في الشرق الأوسط تتضمن بالضرورة نظرية في نظرية المؤامرة التي يجعل نقاد غربيون كثر منها خاصية ماهوية للشرق أوسطيين، مغفلين في الوقت نفسه أن المؤامرة عنصر تكويني للشرق الأوسط.