رؤية .. اضاءة للذات.. عشية الذكرى..

دمشق
صحيفة تشرين
رأي
الثلاثاء 6 نيسان 2004
الدكتور تركي صقر
خلال العام الفائت من عمر البعث جرت احاديث وكتبت مقالات ونظمت حوارات كثيرة تدور جميعها حول اصلاح الحزب دستوراً ومنطلقات، فكراً وتنظيماً، عقيدة، وممارسة، وكانت الاختلافات عديدة والرؤى متباينة ولكن على الرغم من قلة التوافقات في الافكار والمراجعة والانتقاد كان هناك قاسم مشترك اجمع عليه معظم الذين أدلوا بدلوهم في هذا المضار ألا وهو ضرورة وجود البعث مقرونة بضرورة الضرورة وهي اصلاحه ليكون قابلاً للبقاء وقابلاً لحمل مهمات جديدة واعباء إضافية أكبر بكثير من كل الاعباء التي مرت عليه خلال العقود الخمسة الماضية.

ليس معنى هذا ان نتردد لأن حجم الاصلاح سيكون كبيراً، فالاصلاح يعني التطوير والتجديد والقدرة على استيعاب المتغيرات والتعامل معها بحيوية ومرونة وروح عصرية أصيلة قادرة على فرز الغث من السمين والحقيقي من المزيف والمناسب من غير المناسب لمصلحة الوطن العليا وتوجهاته المستقبلية، وخلاف ذلك يعني الجمود والتقوقع والانسلاخ عن الواقع وحركته المتسارعة التي لا ترحم المترددين والمراوحين في اماكنهم.‏ ‏

ان حجم الاصلاح الذي ينشده البعثيون لحزبهم يبدو كجبل ضخم مترامي الاطراف وهذا ناجم عن سنوات طويلة من التراكم كانت المعارك مع الخارج تأخذ البعث بعيداً عن هذه المهمة الاساسية التي حان النظر فيها قبل فوات الآوان.‏ ‏

ان المشاركة والتعددية والانفتاح على الاخرين والايمان بمبدأ حق الاختلاف ونكران ان تكون الحقيقة حكراً على طرف دون آخر والانطلاق من التمسك الكامل بالديمقراطية واحترام المواطن وصيانة كرامته وتجذير مبادئ حقوق الانسان واعلاء شأن المرأة في كل المجالات وتكريس حرية التعبير قولاً وممارسة، قضايا ناضل الحزب من اجلها ودفع ثمناً باهظاً لتحقيقها قبل أن يصل إلى كرسي السلطة، والسلطة بنظر الحزب، اداة وليست غاية، اداة لرفع الظلم والحيف وتحقيق العدالة والمساواة، وعندما تتحول الى غاية يفقد الحزب جوهره وسمعته وشعبيته ووجوده وتأثيره مهما كان تعداده كبيراً وانتشاره واسعاً.

‏ ‏

وحين يتساءل بعضهم من أين تبدأ عملية الاصلاح في الحزب فإننا نقول ببساطة شديدة إنها تبدأ من النظرة الى السلطة هل هي اداة أم غاية واذا ما تم تحديد هذه النظرة بدقة متناهية فإن كل حلقات الاصلاح الاخرى تكون سهلة وميّسرة حتى بما فيها المادة الثامنة من الدستور التي اقرت بقيادة الحزب للدولة والمجتمع.‏ ‏

من المحزن ان الحزب الذي علّم الآخرين الاصلاح والتطوير وكان متقدماً في تمثل التغيير الديموقراطي وخاض معارك عديدة انتخابية في طول البلاد وعرضها على هذا الاساس قبل أن يتسلم السلطة، نرى اليوم من يقول عنه إنه بحاجة الى من يعلمه اصول ومبادئ هي من صلب تكوينه ومن جوهر عقيدته. أليس أولى بالحزب ان يعود الى مبادئه وجوهر عقيدته فيجد أن الاصلاح ممكن أكثر مما يتصور كل المشككين والجاحدين لدوره ووجوده؟ أليس اغفال مبدأ الديموقراطية على سبيل المثال داخل الحزب لفترة من الفترات قد حبس الدماء الجديدة عن الجريان في أوصال الحزب وتسبب في جزء كبير من التراكم السلبي الذي نراه؟!‏ ‏

وليس مبالغة القول: ان من اخبث الطروحات التي تحاول ان تتسلل الى عقول البعثيين وغير البعثيين في هذا البلد ان فكرة البعث قد أكل الزمان عليها وشرب وان غزو العراق واحتلاله وسقوط النظام هناك قد أغرى اصحاب هذه الطروحات للخلط بأن البعث واحد ومصيره واحد في كلا البلدين، متجاهلين دهراً من الافتراق والفروقات وردحاً من التوجهات والاتجاهات السياسية المتعارضة والمختلفة بينهما، ولسنا الآن بصدد هذه التباينات وتبيانها والتي تكشف ان البعث لم يكن في يوم من الأيام واحداً هنا وهناك ولذلك فمصيره لن يكون واحداً أبداً هنا وهناك، فالبعث هنا بما قام عليه وما قدمه للأمة والوطن والمواطن والقضية حقيقة وطنية وقومية دخلت في دورة الحياة السياسية لا يمكن ان تطمسها أصوات مهزوزي الايمان بأمتهم ووطنهم وشعبهم القادر على نيل الحرية والكرامة مهما كان حجم التحديات والضغوط.‏ ‏

وفي هذا السياق لا نبالغ أيضاً اذا قلنا ان اصلاح البعث فكراً وتنظيماً بالجدية والاقدام والجرأة المطلوبة هو في الوقت ذاته اصلاح وطني بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، فالبعث الذي يمثل روح الحراك السياسي والحركة الفاعلة في حياة الوطن ينعكس الاصلاح فيه على الوطن بأكمله. ويخطئ من يظن ان البعث قد بادر الى الاصلاح رغم انفه وبعيداً عن ارادته وان الاصلاح فرض عليه فرضاً، واذا كنا لأننكر ان الظروف الجارية تقتضي الاسراع وعدم التوقف عن رؤية الضرورة الماسة للاصلاح لكن ايضاً ينبغي ألاّ ننسى ان الدعوة الى التصحيح والاصلاح والتطوير دعوة قديمة طالما ترددت في كل اجتماع وكل مؤتمر للحزب.‏

لقد ازفت ساعة الاصلاح في الحزب وخارجه ضمن رؤية متكاملة تجعل من الاصلاح خياراً وطنياً لا رجعة فيه، وجميع الاحزاب السورية والقوى السياسية والنقابية والشعبية الحية في المجتمع السوري مدعوة للمشاركة في هذا الخيار والمساهمة بكل طاقاتها لتحويله الى واقع ملموس، فهو خيار الجميع ومن الصعب ان ننجح فيه دون تضافر جهود الجميع بما فيها قوى المعارضة التي تضع الوطن ومصلحته العليا فوق أي اعتبار لا تغوّيها الوعود المزيفة والاضاليل القادمة من وراء حدود الوطن على وقع سنابك الاحتلال وما يجرّه من استباحة وتطويق وقتل للروح الوطنية والقومية.‏ ‏

عشية ذكرى التأسيس لابد للحلم ان يكبر وللأمل ان ينهض رغم عمق الجراح، وما دامت ارادة الاصلاح متوثبة فينا فلابد أن يغلب تفاؤلنا كل دعوات الاحباط والتيئيس وما أكثرها هذه الأيام..‏ ‏

E- mail:tsaqr@gawab.com ‏ ‏

‏ ‏