الجزيرة السورية: محرضات الاضطراب وفراغ "التعاقد"

ياسين الحاج صالح

 

في الجزيرة السورية مزيج من شعور عميق بالظلم عند الاكراد وشعور شديد بالارتياب عند العرب. وبينما يتعدى الشعور بالظلم الجزيرة ليعم الاكراد السوريين في حلب ودمشق، فان انفجار حوادث 12 آذار وما تلاها هو الواقعة التي تكفلت بتعميم شعور الريبة في اوساط العرب السوريين. وهذا مزيج خطر ومشؤوم، ويذكر بمزيج لبناني مشابه: شعور الغبن عند طرف والخوف عند طرف آخر، وقد فجّر بمساعدة عناصر اقليمية ودولية حربا مديدة تشكل السياسة اللبنانية اليوم استمرارا لها. والتلقي المتفاضل، ان لم نقل المتعارض، للاحتلال الاميركي للعراق وما اعقبه من ضغط اميركي على سوريا حرك طبقات من المشاعر والتخيلات واثار صدوعا في التعايش العربي الكردي في الجزيرة وخارجها، رغم خطاب معلن لا يكفي عن التغني بالاخوة العربية الكردية.

التظلم الكردي

يلتقي في شعور الاكراد بالظلم ثلاثة محرضات اساسية:

اولها عدم الاعتراف بوجودهم كجماعة قومية متميزة عن العرب، وتاليا انكار حقوقهم الثقافية واللغوية. ولا يخفق احد من الاكراد في التذكير بوجود مدارس خاصة يتعلم فيها كل من الارمن والسريان لغاتهم فيما يحظر على ثاني اكبر جماعة قومية في البلاد تعلم لغتها. هذا بينما تنظر السلطات شزرا الى اي تعبير علني عن الذات الجمعية الكردية، بما في ذلك حتى وقت قريب عيد النيروز.

ثانيها ممارسات تمييزية موصوفة اهمها "الحزام العربي"، وهو شريط بعمق 10 الى 15 كلم على قسم من الحدود السورية التركية يقطنه عرب رحّلوا من منطقة سد الفرات (يسمون "المغمورين" لأن بحيرة السد غمرت قراهم) على حساب قرى واراض كان يسكنها اكراد، وكذلك وجود قرابة 200 الف من فاقدي الجنسية، وهم نوع من "البدون" السوريين. ويعتقد ان التقاء موجة من المهاجرين الاكراد من تركيا الى سوريا هربا من الاضطهاد ورغبة في مستوى افضل من المعيشة مع حاجة "الحكم الانفصالي" الضعيف، الذي تلا انفصام عرى الوحدة السورية المصرية عام ،1961 الى شيء من الشرعية القومية هو الذي كان وراء احصاء استثنائي في محافظة الحسكة حجبت فيه الجنسية عن عشرات الوف من الاكراد.

وقد يضاف، ثالثا، الاهمال التنموي والاقتصادي والثقافي للمنطقة والمشاركة المحدودة لنخبها في التحالف السياسي الحاكم، يعزز كل ذلك فشل ذريع للنظام البعثي في تلطيف اوجه التمييز المذكورة، او حتى في تقديم رواية تملك ولو بعض عناصر الاقناع بشرعيتها. بالعكس غالبا ما تكون التبريرات اسوأ من الممارسات التمييزية ذاتها. فقد استطاع ايديولوجيون بعثيون ان يروا الاكراد عربا فقدوا لغتهم او حتى غجرا، لكي يستطيعوا الا يروا قومية قائمة بذاتها. وشكك بعضهم في ارتباط بعض قادتهم بقوى معادية للعرب، اميركا واسرائيل، تحديدا. وهو ما لم يفوّت كثير من المثقفين الاكراد فرصة رده على العرب انفسهم، سواء من حيث علاقة دول عربية عديدة باسرائيل او خنوع معظمها الذليل للولايات المتحدة او عبر استيراد مصطلحات تصف الممارسات الاسرائيلية حيال الفلسطينيين لوصف ممارسات السلطات السورية حيال الاكراد كما سنرى.

منحت السلطة في "الحزام العربي" وحوله للمغمورين: فمنهم الحزبيون ومنهم عناصر اجهزة الامن ويحتكرون وحدهم الاتصال بالسلطات المحلية والمركزية. ويمكن تخيل نوعية العلاقة بين هؤلاء الريفيين القريبي العهد بالبداوة وجيرانهم الاكراد الذين كانوا قد استصلحوا بمشقة بعض اراضي تلك المنطقة قبل ان تمنح لوافدين مدعومين. لقد جردت السلطة البعثية بعض مواطنيها (الاكراد) من ممتلكاتهم واعطتها لمواطنين آخرين (العرب) دون اية آليات تعويضية، اقتصادية او سياسية. لأسباب عدة لا تستطيع السلطات ان تبرر ذلك بالحقوق السيادية للدولة في اسكان مواطنيها في اي منطقة من التراب الوطني.

ففي المقام الاول مورس هذا الحق بصورة متحيزة وغير نزيهة تخلّ بوحدة مواطني البلاد وتضعف تلاحمهم. ومن ناحية ثانية ابتذال نظام الطوارئ مفهوم السيادة بجعله كل شيء شأناً سياديا، سواء اكان اعتزام حضور محاضرة ام كتابة مقالة نقدية ام اعتداء عسكريا اسرائيليا، الامر الذي افضى الى نتيجة معكوسة: تسييس الشأن السيادي ذاته وجعله امرا خلافيا تتعارض فيه الآراء بدلا من ان يكون موضع احترام واجماع عام. وبالنتيجة افتقرت السلطة الى المفهوم الوحيد الذي كان يمكن ان يشرع لها قمع ما وسم ازمة 12 آذار من ممارسات تمس فعلا بالسيادة وتضعف التماسك الوطني. وبالطبع ما من اعتبارات سيادية تسوّغ التمييز بين المواطنين، وبخاصة حين يطبقها حكم يعلن صراحة انه عربي على جزء غير عربي من الشعب السوري. وقبل ايام فقط استطاع وزير الداخلية السوري ان يقول ان "سحب الجنسية لا يمكن لأن الجنسية هي ملك للمواطن ومن يحصل على الجنسية العربية السورية  سواء كان عربيا او كرديا تصبح الجنسية ملكا له ولا تُسحب منه" دون ان يشعر بأي تناقض او تعصب في كلامه. لكن الوزير اقرب الى الاصابة في قوله ان الجنسية لم تسحب (حالات سحبها موجودة وموثقة في حالة واحدة على الاقل، والارجح انها محدودة)، فما حصل في معظم الحالات هو الامتناع عن منح الجنسية لمستحقين لها.

كذلك لم تستطع السلطات ان تقدم مادة موثقة حول عدد الوافدين من تركيا (او العراق حسب بعض الاقوال). نرجح نظرا الى عدم توافر وثائق حول الموضوع ان هناك وافدين اكرادا بالفعل من تركيا خلافا لما يفضل ان يقوله الاكراد، ونرجح في المقابل ان نسبة مهمة من المحرومين من الجنسية ليسوا وافدين خلافا لما تفضل السلطات السورية. وفي غياب قضية قانونية او سياسية من الجهة السورية حول لجوء جماعي الى الاراضي الوطنية فان من المنصف انسانيا ومن الملائم سياسيا ان يتم منح الجنسية السورية لجميع المقيمين في الاراضي السورية من غير الحائزين على اية جنسية اخرى.

فبهذا تكفّر السلطات عن تغاضيها عن دخول عشوائي للاجئين اجانب دون توثيق عددهم وتنظيم اقامتهم واوضاعهم القانونية إن كان ذلك صحيحا، او عن حجبها جنسيتها عن بعض مواطنيها ان كانت قصة اللجوء غير صحيحة او مبالغا فيها كثيرا. اما وانها لم تقم باعادتهم الى البلد الذي يفترض انهم قدموا منه، ولم تتفق مع ذلك البلد او مع هؤلاء اللاجئين المفترضين انفسهم على تنظيم اوضاعهم، ولم تمنحهم جنسيتها بعد مرور عقود على "لجوئهم"، فأمر يدل على انها تصنع المشكلات لا الحلول كما قد يفترض بالسلطات والدول.

كل ذلك ترك تربة خصبة لنشاط نخب تجد الفكرة القومية وسيلة ممتازة لامتلاك سلطة في وسط جمهورها. وظيفة هذه النخبة تقديم خطاب منسجم، خال من التناقضات، تعبوي. لن نسمع من اي كردي ان بعض المحرومين من الجنسية هم اناس فضلوا ان لا يسجلوا انفسهم تملصا من الخدمة العسكرية ومن سلطة الدولة على العموم (كانت هذه الظاهرة منتشرة بدرجة كافية لأن تلحظ في اوساط عرب المنطقة نفسها حتى ستينات القرن الفائت وسبعيناته). وبفضل هذه النخب ينحاز جزء غير قليل من الجماعة الكردية السورية ضد قرى المغمورين "المستوطنات العربية". التسمية خاطئة قانونيا لأن ارض "المستوطنات" غير محتلة، وهي خطرة سياسيا لأنها تضمر برنامجا انفصاليا، ان لم نقل تحريريا. لكن خطأ الوقائع ينافس في سوئه خطأ التسميات. فحين تجتمع مصادرة اراض مع سلطة قسرية ومع اصطناع البراءة وانكار وجود مشكلة، فان الناس يستعينون بما في متناول ايديهم من "اسماء دمار شامل" تحقق لهم انتقاما رمزيا.

الارتياب العربي

"خلال ثلاثين سنة كان الاكراد مدللو السلطة، فيما اعتبر العرب صداميين مشكوكاً في ولائهم". تكررت شكوى من هذا النوع على لسان عدد من عرب الجزيرة لا ينقصهم بدورهم الاحتقان. "كانت هنا مكاتب (سماها شيخ احد العشائر العربية: سفارات) لجلال [الطالباني] ومسعود [البرزاني]، ومعبر سيمالكة فتح خصيصا لخدمة وفود كردية". ويضيف بعض العرب اننا نحن الذين تنفسنا بسقوط صدام. ويمضي بعضهم في عد مناصب مهمة يشغلها اكراد.

تطل هذه المشاعر غير المتوقعة على واقع تمييز مركب وغير احادي الجانب في منطقة الجزيرة الكبرى التي تضم محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. فخلال الصراع المرير بين النظامين البعثيين في الثلث الاخير من القرن العشرين كانت الجزيرة تعتبر عراقية الهوى. ولم يكن غريبا ان اكثر معتقلي "اليمين المشبوه"، وهو الاسم المعياري للبعثيين السوريين الموالين للنظام العراقي، هم من ريف حلب الشرقي ومحافظات الجزيرة الثلاثة. ومع ذلك فان شكاوى عرب المنطقة تبدو موجهة ضد الاكراد وليس ضد السلطات. قد يعود ذلك لواحد من امرين: يقين محدثينا على العموم بأن كلامهم سيصل الى السلطات، ومن المستحسن ان تسمع هذه ما تحب، ثم تحول الموقف والاصطفافات في الجزيرة بعد احتلال العراق، وبروز العنصر الانفصالي او الكردستاني بقوة اكبر في خطاب النخب الكردية.

وهنا لعبت مواقع الكترونية كردية دورا في تغذية ارتياب عربي يتخطى "الجزروايين". المقالات المنشورة في المواقع الالكترونية الكردية الناطقة بالعربية يتحدث بعضها بلغة مسمومة عن "قطعان البدو العرب" الذين يفترض انهم هاجموا المواطنين الاكراد العزل. وفي اوقات الازمات يستطيع احد المهيجين مثل صاحب مقالة "عربان عالة الحضارة والتاريخ ينعون رمزهم صدام بقتل اطفال الكرد" على ان يثير من الصخب ما يغطي على عشرات الاصوات الهادئة، وان يغذي من الريب ما لا تعدله التوكيدات المعلنة لمعظم الاحزاب الكردية.

الارتياب العربي ايضا عنصر في توتر السوريين الناشئ عن ضغوط اميركية تزداد عنفا وتنشط عقدة تقسيم يقوم بها اجنبي معاد على غرار ما فعل الفرنسيون والبريطانيون بعد الحرب العالمية الاولى.

تعمم شعور الارتياب على اوساط عربية واسعة حين بادر جمهور كردي هائج الى انزال العلم السوري من بعض الدوائر الحكومية ورفع العلم الكردي وتعييش كردستان وتسقيط سوريا، فضلا عن شعارات تهتف بحياة "ابو الحرية" (بافي آزاد) جورج بوش. ولم يكن دور متكلمين عديدين على فضائيات كردية تبث من اوروبا اقل سوءا في تهييج المشاعر وامتطاء الغرائز الجمعية، فضلا عن التشنيع على كائن جمعي متخلف وعدواني ومتوحش اسمه العرب. وبفضل استبطان مواقف الدوائر الاكثر يمينية وعنصرية في الغرب حيال العرب نجح هؤلاء في دفع قطاع واسع من العرب السوريين الى موقف مرتاب، ان لم يكن معاديا، لتطلعات الاكراد المشروعة في المساواة الفردية والجماعية مع مواطنيهم الآخرين.

يتكثف الشعور العربي بالريبة في تعبير كردستان الغربية الذي لا يمل من تكراره قوميون اكراد في الخارج، وهو يرد بصيغة الاراضي او المناطق الكردية في وثائق احزاب كردية سورية. هنا ايضا لا تتوافر دراسة واحدة موثقة. آشوريو المنطقة، وهم الاتنية الاقدم هناك بلا شك، يرفضون ذلك ويفضلون التحدث عن الجزيرة السورية ومواطنيها العرب والاكراد والاشوريين والارمن... بدلاً من التحدث عن "اشورستان" حسب تعبير مثقف وناشط في المنطقة الآشورية الديموقراطية. وفي ما عدا "المغمورين" جميع العرب في المنطقة اصلاء بدرجة لا تقل عن اي من سكان المحافظة الآخرين.

تجديد التفاهم الوطني

تعاني سوريا اليوم من سوء تفاهم وطني متعدد الوجه. ويفتقر السوريون الى لغة تواصل حية بين مكونات مجتمعهم بينما تحتكر عقيدة رسمية فقيرة وعجماء ترجمة شعورهم الى لغة لا يفهمونها هم ولا العالم من حولهم. لم تعد هذه العقيدة ومفهومها الفوقي للوحدة الوطنية توحد شعور السوريين. انها بالاحرى تغطي انقساماتهم التي تنذر أزمة 12 آذار بانفجارات بركانية لها. ان شعورين مضطربين لا يضمنان استقرارا ووئاما، وبخاصة ان ترافق ذلك مع شعور نخبة السلطة بالحصار نتيجة تعرض البلد لضغط خارجي من قوة فائقة الجبروت لا تكن الود لثقافته وشعور اكثرية شعبه وتجاربه التاريخية الحديثة. هذا كوكتيل خطر وانفجاري، ويمكن الدولة وحدها ضبطه ان شاءت وفقا لما اكده متكلمون عديدون في القامشلي في نهاية اول اسبوع تلا ازمة 12 آذار.

ومهما امكن افرادا او جماعات او اي طرف اجتماعي ان يقوموا بما هو غير مقبول فان السلطات العامة في البلد لا تستطيع ان تتصرف مثلهم دون ان تفقد عموميتها وتنحط الى مستوى طرف خاص منحاز. السلطة تكون متطرفة حين تتصرف كطرف لا كدولة. ولا تستطيع سوريا ان تكون دولة بعض مواطنيها (العرب) وان تطالب مواطنيها كافة بولاء متكافئ لها. بكل بساطة لا يمكن توحيد شعور السوريين ان لم يكونوا متساوين.

قال احد الناشطين الاكراد: سوريا وطن نهائي لأكرادها بقدر ما يكون هؤلاء مواطنين نهائيين فيها.

(دمشق)