حالة ملحمية

د. محمد السيد سعيد

 

تحتاج المعرفة بالأوضاع العربية إلى نظرة مبدع لكي يدلنا على طريق خلاق للإنقاذ والتقدم. فلم تعد العلوم الاجتماعية هي الطريقة الوحيدة للمعرفة التي تحظى باحترام العلماء. وقد انكمشت المسافة بين العالم والفنان المبدع. ولدينا في العالم العربي أسماء عظيمة من مبدعين هم أيضا علماء اجتماعيون أو هم بالأحرى مصدر للحكمة والمعرفة لا يقل بل قد يتجاوز ما يمكن للعالم أو المشتغل بالعلوم الاستراتيجية أن يقدمه من استبصارات ورؤى.
وبينما يهتم العالم الاجتماعي بالقياسات فالفنان المبدع يهتم أكثر بالحالة النوعية للحضور الإنساني. فهو يتأمل تكوين الشخصية ويغوص في المصادر النفسية والثقافية والاجتماعية لهذا التكوين. وقد يعبر عنه بالرواية التي صارت "ديوان العرب" الحقيقي أو بالإيقاع والتراكيب اللحنية والحوارات الأدائية أو بالألوان أو بالفيلم السينمائي أو بالقصيدة أو بغير ذلك كثير من مجالات ووسائط الإبداع. وأرقى صور هذا التعبير تستند على قراءات عميقة وتأملات نافذة إلى ما يموج به المجتمع من إرهاصات وقوى وتحركات وأشواق وتوجهات واعتبارات واختيارات متضاربة. ولكن المبدع يرى ما لا يراه غيره من تفاعلات كيمائية بين هذه العناصر ليجلي حقيقة الذات الفردية أو المجتمع ويكشف عن بؤسه ومجده وفشله وممكناته، ليفهم لماذا يقع ما يقع من اختيارات أو تصرفات. وقد يأتي العالم أولا ليضع يده على أسلوب فهم هذه الاختيارات والتصرفات ثم يأتي الفنان ودور المبدع ليحل المعضلات التي ربما يفشل العالم في إدراكها. أو يحدث العكس ويتمكن الفنان المبدع من الإمساك بالذات الإنسانية وظواهرها العجيبة ثم يأتي العالم لكي يجري تجاربه أو يقدم أطرا عامة لتفسير تلك الظواهر. وهذا هو ما فعله فرويد مثلا مع أعمال دستويفسكي العظيمة والتي سبقت فرويد في تشخيص جوانب جوهرية من لواعج وتعقيدات الذات الإنسانية. وقد يلتقط المبدع وأحيانا العالم من هذا كله طاقات النور التي يمكن أن تبدد الظلام أو تفتح ثغرة في الجدران العبثية التي تقفل آفاق الانطلاق الإنساني الفردي والاجتماعي.

والواقع أن الحالة العربية أكثر حاجة للأديب والفنان المبدع منها إلى العالم الاجتماعي المتخصص. فنحن قد نستطيع أن نفهم مثلا أن الضعف والتخلف العربي نتجا عن عوامل طويلة المدى ومغروسة في صميم تركيب المجتمعات العربية. ولكن مثل هذا التشخيص لا يسعفنا عند فهم التصرفات والمواقف التي يتخذها الفاعل الإنساني الذي يقوم بدور الوكيل أو المعبر عن هذه العوامل الموضوعية بل قد يكون هو وحده السر وراء تجمعها في حزمة معينة من الاختيارات والتصرفات بينما كان يمكن علميا أن تتجمع في حزمة بديلة أو أخرى. وهذا هو ما يجعل التاريخ السياسي العربي ملحمة قد يفهمها المبدع بأكثر من المؤرخ والراوية الشعبي بأكثر من عالم الاجتماع.

والملحمة العربية تشتمل على "الثيمات" المفضلة في الملاحم الشعبية مثل الكوارث التاريخية أو فوق التاريخية التي لم تنشأ بالضرورة من منطق التحول في الواقع الاجتماعي. فالمشروع الصهيوني نفسه سقط على رؤوس العرب كمصيبة من صنع الأقدار. وهي أقرب إلى الأساطير الشرقية منها إلى الوقائع الاجتماعية. وكل فصل في هذه الأسطورة هو ملحمة مستقلة فيها الدهاء والضعف الإنساني وفكرة المصير والمؤامرة والقدر والخديعة والنذالة المفضوحة وبعض النبالة المجروحة. وتصلح قصة الهدنة الأولى عام 1948 وقصة مضايق تيران عام 1967 وقصة اتفاقيات الفصل الأولى والثانية عامي 1974 و1975 وقصة غزو لبنان وخروج منظمة التحرير من لبنان عام 1982 وقصة أوسلو عام 1983 وقصة كامب ديفيد الثانية عام 2000 كفصول في تلك الملحمة الحزينة بأكثر مما تصلح للتاريخ الدبلوماسي أو الفهم العلمي السياسي.

والسياسة العربية بهذا المعنى هي أقدار وأفعال أكثر منها ضرورات ومقاييس. فهل دار برأس أحد مثلا ما أقدم عليه الرئيس التونسي من تأجيل القمة بقرار انفرادي وبطريقة تشرف على معنى طرد وزراء الخارجية العرب أثناء التحضير لواحد من أكثر مؤتمرات القمة خطورة في التاريخ العربي؟ وهل دار برأس أحد ما أقدم عليه الرئيس الراحل أنور السادات من الإعلان عن زيارته للقدس دون مشاورة مسبقة لزملائه العرب؟ وكانت تلك الزيارة أحد أهم العوامل التي ساهمت في دفع السياسة العربية في الطريق الذي ذهبت إليه. ثم من كان بوسعه التنبؤ بقيام الرئيس صدام حسين بغزو الكويت؟ وكان هذا الغزو أحد أهم العوامل التي ساهمت بدورها في تداعي التاريخ العربي على نحو ما حدث. ومن وجهة نظر العالم ليس هناك ما يربط بين الحدثين. ولكن الفنان والمبدع يدرك جيدا وجديا أن ثمة رابطة عميقة حتى لو لم يكن من الممكن إثباتها بوسائل وأساليب العلم التجريبي.

وبهذا المعنى قد يكون النظر إلى السياسة العربية كدراما بشرية أكثر فائدة من النظر إليها كمادة موضوعية قابلة للتفسير العلمي بما يتجاوز جملاً قليلة تلخص وتحكم على الوقائع الكلية والمتعلقة بالبنية والهياكل والمؤشرات الاجتماعية والسياسية القابلة للقياس الإحصائي مثلما فعل تقرير التنمية الإنسانية أو غيره من التقارير العلمية. ومن وجهة النظر هذه ثمة تحركات درامية نمطية ملفتة للانتباه. هناك مثلا العربي المخدوع الذي يعطيه الجبابرة أو حتى الأفاقون حبلا فيجده ملفوفا حول عنقه في النهاية وهو يعي ما يحدث ولا يكاد يملك من أمره شيئا لأن الخديعة خاطبت فيه مصالح وإغواءات ذاتية وليس الحسابات الموضوعية. لقد حدث ذلك بالضبط أثناء الثورة العربية الأولى بين لورانس والهاشميين الذين وجدوا أنفسهم وقد صاروا أمراء ممالك ممزقة تحت الوصاية والانتداب. أما الرواية المثالية فقد نجدها في "حكاية الخطوة خطوة" بين كيسنجر والسادات والتي قادت في النهاية إلى كامب ديفيد ثم إلى مدريد وأوسلو ثم إلى شارون والجدار واللاشيء. وهناك أيضا حكاية "غزو الكويت" بين مدام إبريل جلاسبي وصدام حسين والتي انتهت إلى سقوط بغداد. ثم هناك "الجهاد ضد السوفييت في أفغانستان" بين بن لادن والأميركيين والتي انتهت إلى تدمير أفغانستان والعراق وفلسطين وفرض الوصاية الأميركية على العالم العربي كله لقاء تدمير برجي مركز التجارة العالمي!

وتجري أمام أعيننا منذ عامين دراما أخرى اسمها الحرب ضد الإرهاب. والحكاية لها فصول كثيرة وهي تجري بين بوش ومختلف الحكام العرب. في البداية خير بوش الحكام العرب بين أن يكونوا معه أو مع الإرهاب فاختاروه بالطبع! ثم قرر بوش أن العراق هو المشكلة وأن على الحكام العرب أن يمرروا هذا الغزو حتى لا يقفوا في الجانب الخطأ. ووقف الحكام العرب فعليا "على الجانب الصحيح" ومرروا الغزو. ولكن بوش قرر بعد ذلك أن المشكلة في "أسلحة الدمار الشامل" في كل أنحاء العالم العربي. فقرر بعضهم التخلي طواعية عن "نفايات" برامج لم تنطلق أبدا. وبعد ذلك بدا لبوش أن "المشكلة في الاستبداد" فأخذت فرائص الحكام العرب ترتعد خوفا من جزاء سنمار بعد أن قدموا الكثير بدون مقابل وحرموا أنفسهم من كل الأوراق الرسمية والشعبية. وقد يقدم بعضهم على خدمات أخرى أملا في تجنب الديمقراطية أو جزاء سنمار وهو ما سينتهي إلى مزيد من العار. وقد لا تنتهي عند هذا الحد حكاية العربي المخدوع وقصصه الدرامية.