بـعـدمــا ألــغــت مـصـر حـبـس الصـحـافـيـيـن:

"إرهــاب" قــانــون المـطـــبــوعــات الـســوري

شعبان عبود - دمشق

 

منذ أيام التقيت بأحد رؤساء تحرير الصحف الرسمية، وكنت بصدد اجراء حوار معه حول مستجدات كثيرة، وقد فشلت محاولتي لأسباب خارجة عن إرادتي وارادته لأنه يحتاج الي موافقة من جهة أعلى. كذلك رفض رئيس تحرير صحيفة رسمية اخرى مجرد رؤيتي كوني، حسب ما وصلني على لسانه، كتبت منذ عامين موضوعاً في "النهار" عن الشباب في سوريا لم يرُقْ له. وبصرف النظر عن كل هذا، أقول أني حققت عظيم الاستفادة من اللقاء مع رئيس التحرير الذي استقبلني واجريت معه حواراً شفهياً مطولاً رغم انه اعتذر في ما بعد عن الاجابة عن اسئلتي، مثلما وضعني رئيس تحرير الصحيفة الأخرى الذي يستهجن "كل كتاباتي" أمام الواقع الاعلامي في سوريا ومستوى تفكير المسؤولين عنه.

خلال حواري مع رئيس التحرير الذي استقبلني، سألته عن قانون المطبوعات السوري الذي تم تعديله عام ،2001 أي بعد مرور عام على تسلم الرئيس بشار الأسد في سوريا، وقد أتى هذا التعديل في سياق صدور حزمة من المراسيم والقرارات "الاصلاحية". لكنه وعلى عكس التوقعات، أتى مخيباً لآمال الصحافيين وبدد التوقعات بوجود رغبة في الأساس لتطوير الاعلام في سوريا. سألته كيف يرى النور، مثل هذا القانون المعدّل السيئ الصيت، ويحسب على مشروع التطوير والتحديث والاصلاح الذي ارتبط باسم الرئيس الجديد؟

كانت المفاجأة ان رئيس التحرير هذا لم يطلع، لا هو، ولا غيره من رؤساء تحرير الصحف، ولا حتى اتحاد الصحافيين في سوريا، على القانون خلال تعديله، ولم يُستشر واحد منهم، فلقد كانت هناك لجنة ضيقة جداً (ثلاثة أشخاص فقط هم وزير الاعلام في ذلك الوقت ومعاوناه) هي من درس وعدل واقرّ.

نسوق هذه المقدمة بعد التطورات التي حصلت أخيراً في دول عربية مجاورة كمصر التي اصدر رئيسها مرسوماً ألغى بموجبه حسب الصحافيين، والاردن حيث وردت انباء تتحدث عن مناقشات حكومية ترمي لالغاء هذه العقوبة من قانون المطبوعات ويبدو ان هذه التطورات دفعت بعض الصحافيين في سوريا للمطالبة، خلال اجتماعات عقدت اخيراً لقيادة اتحاد الصحافيين في سوريا، بالغاء هذه العقوبة.

واذا كان الباب الرابع من قانون المطبوعات السوري الذي يتحدث "في جرائم المطبوعات واصول المحاكمات" قد أفرد في غالبية مواده الكثير من الاسباب التي تجعل من الحبس ركناً ثابتاً في طرائق التعامل مع مخالفات النشر، فإن ما ورد في المادة 51 تجعل من الحبس سيفاً مصلتاً دائماً على رقبة الصحافيين السوريين، فهذه المادة التي حفلت بالتعابير المبهمة والمطاطة، تترك الباب مفتوحاً للسلطات لحبس أي صحافي اذا ارادت وفي اللحظة التي تشاء.

تقول المادة حرفياً:

"أ - يعاقب من ينقل الأخبار غير الصحيحة او ينشر أوراقاً مختلقة او مزورة منسوبة كذباً الى الغير بالحبس من سنة الى ثلاث سنوات وبالغرامة من خمسمئة ألف ليرة سورية الى مليون ليرة سورية أو بإحدى هاتين العقوبتين، ويقضي بالحد الأقصى للعقوبتين معاً اذا كان النشر او النقل قد تم عن سوء نية او سبب اقلاقاً للراحة العامة او تعكير للصلات الدولية او نال من هيبة الدولة او مس كرامتها او مس الوحدة الوطنية او معنويات الجيش والقوات المسلحة او الحق ضرراً بالاقتصاد الوطني وسلامة النقد ما لن ينطبق الفعل على عقوبة أشد".

في هذا الصدد يقول المحامي انور البني معلقاً: "عوضاً عن أن يأتي القانون الجديد الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 50 لعام 2001 (الذي صدر دون عرضه على مجلس الشعب) متطوراً مع التطور الحاصل بالعالم ووسائل الاعلام، على العكس من ذلك جاء متخلفاً ومشوهاً أكثر من القانون السابق الصادر عام .1949 ففرض عقوبات واسعة وشديدة بتعبيرات مطاطة غير واضحة، فرفع سقف مدة السجن الى ثلاث سنوات بعدما كانت سنة واحدة، ورفع سقف الغرامات المالية الى مليون ليرة سورية بعدما كانت ألف ليرة، وعاقب على نشرة دورية غير مرخصة بالحبس لثلاثة اشهر، وعلق منح الرخص على موافقة مجلس الوزراء دون ابداء اسباب الرفض، وحظر على الدوريات غير السياسية نشر مقالات سياسية تحت طائلة السجن". ويضيف البني: "كما وضع نظام رقابة صارماً وشديداً، وألزم الصحف بتسليم نصخ عن المطبوعات قبل نشرها. ووضع قيوداً كبيرة على حركة الصحافيين وامكان معالجة موضوعاتهم بوضع تعبيرات مطاطة يمكن شدها وتبديل قياسها حسب ما تراه السلطة مناسباً لايقاع من تريده تحت طائلتها (كتعبير الأخبار غير الصحيحة - أخبار تمس الأمن الوطني - أخبار تلحق الضرر بالاقتصاد وسلامة النقد - نيل رهبة الدولة ومسّ كرامتها - او مسّ الوحدة الوطنية) ولم يُحدّد او يُعرّف هذه التعابير حتى لا يساء تفسيرها، بحيث أبقى ذلك سيفاً مصلتاً على رقاب الصحافيين بتهديدهم بالسجن لمدة تصل الى ثلاث سنوات"...