بدأت أزمة المياه العربية :

د. هيثم الكيلاني

 منذ ثلاثة أشهر نشرت الاتحاد مقالة عنوانها "هل بدأت أزمة المياه العربية؟". ويبدو أن هذه الأزمة قد بدأت، ومطلعها اجتماع وزراء مصر والسودان وأثيوبيا وأوغندا وكينيا والكونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندي وأرتيريا في ضاحية من ضواحي نيروبي في كينيا، بعد أن أعلنت أثيوبيا وكينيا وأوغندا وتنزانيا معارضتها لاتفاقية 1929 واعتبارها اتفاقية موقعة من قبل الدولة الاستعمارية وهي إنجلترا، وبذلك تبنّت هذه الدول مبدأ نيريري الذي يقول إن الدولة غير ملزمة بما سبق للدولة الاستعمارية أن وقعت عليه، ومن بينها اتفاقية 1929، مع العلم بأن ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية احتفظ بالحدود التي رسمها في الأساس ولمصلحته الاستعمار البريطاني والفرنسي والبلجيكي والإيطالي والألماني. وحسب هذه الاتفاقية يبلغ نصيب مصر عند أسوان 48 مليار متر مكعب في حين يبلغ نصيب السودان 4 مليارات. هذا ولم يصدق السودان على اتفاقية 1929 بعد استقلاله لأنه طلب التفاوض بشأنها وفعلت أثيوبيا مثل السودان فأعلنت أنها غير ملتزمة باتفاقية 1929 وأنها تحتفظ لنفسها بحق استعمال ماء النيل لمصلحتها ودعت كلاً من مصر والسودان إلى التفاوض. مع العلم بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة وافقت في 21/5/1997 على "اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية". ومن الجدير بالذكر أن الدول المعترضة على اتفاقية 1929 وافقت على اتفاقية الأمم المتحدة.

وتعاني المنطقة العربية عجزاً واضحاً في مواردها المائية. فسكانها يمثلون نسبة كبيرة من سكان العالم. ولكن استهلاكهم للماء هو أقل من 1% كما أن 67% من مواردها المائية تأتي إليها من خارج حدودها السياسية مثل نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من تركيا. ولقد أدركت إسرائيل حاجتها الماسة إلى المياه فتعاقدت مؤخراً مع تركيا كي تمدّها هذه بكميات من المياه العذبة إضافة إلى ما ستوفره خطة بناء السور العنصري السارق للمياه العربية، في ظاهرها وباطنها. فإسرائيل سرقت أنهر الأردن وبانياس والحاصباني والليطاني، وقد قامت بعدوان 1967 من أجل أن تخرب المشروع العربي الذي كان يهدف إلى استثمار روافد نهر الأردن استثماراً عربياً. أما باطن الأرض فيكفي أن نعرف أن إسرائيل طامعة في المخزون الجوفي من الأرض العربية. وإذا كان السور العنصري يهدف إلى العدوان على الأرض الفلسطينية فإنه في بلدة قلقيلية وحدها قد اقتطع 33 بئراً فحرم سكان قلقيلية من مياه الشرب والري. وعلى هذا يمكن القول إن على المرء أن يبحث عن إسرائيل في شح وندرة المياه في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة أن إسرائيل تتمتع بدعم الإدارة الأميركية الحالية وحمايتها، كما أنها تقوم بعرض خدماتها ومساعداتها على أثيوبيا بقصد بناء مجموعة من السدود على الرافد الرئيس لنهر النيل وهو النيل الأزرق، مع العلم بأن الواردات المائية الحالية لإسرائيل تبلغ 1.8 مليار متر مكعب سنوياً، وأن 60% من هذه الواردات مستولى عليها من مصادر عربية. وهي تسعى –أي إسرائيل– إلى زيادة مساحتها المزروعة بنحو 2.16 مليون دونم جديد، وهذا ما يساعدها على توسيع باب الهجرة إليها. لهذا تدّعي إسرائيل أن أي تعاون مائي بينها وبين الدول العربية سيؤثر على وارداتها المائية لأن الحوار وإلغاء الاحتلال سيؤديان إلى تحرير بعض مصادر المياه العربية. ومن هنا ترفض إسرائيل رفضاً قاطعاً إجراء حوار أو تحرير بعض مصادر المياه العربية أو تحرير بعض الأراضي العربية.

ومن المؤكد أن الدول الأفريقية الصديقة لن تعامل الدول العربية معاملة إسرائيل العدو. فإسرائيل هذه تريد السطو على مصادر المياه العربية وتسعى في الوقت نفسه إلى استيراد ما تستطيعه من مياه. نقول هذا بمناسبة إعلان تنزانيا عن مشروعها الضخم الذي يكلف أموالاً طائلة من أجل تزويد مدن وقرى تنزانيا بما تحتاجه من مياه، مع العلم بأن هذا العام أيضاً يعتبر من أعوام الجفاف بالنسبة إلى أفريقيا. في إطار الاتفاقيات الثنائية: كانت مصر والسودان اتفقتا في عام 1959 على الانتفاع الكامل بمياه النيل. وقد اتفقتا على أن يكون لمصر 55.5 مليار متر مكعب وأن يكون للسودان 18.5 مليار متر مكعب سنوياً وذلك عند سد أسوان فإذا اشتكت دولة مشاطئة للنيل فإن الدولتين مستعدتان للبحث في هذه الشكوى إذا ما قدمت إلى الهيئة الفنية الدائمة. وفي حالة اتفاق الدولتين على صحة وعدالة الشكوى فإن الدولتين تقدمان نصيبهما من المياه على أن يخصم من حصة كل منهما مناصفة عند سد أسوان. وستزيد أعباء القمة العربية عبئاً جديداً يتعلق بالأمن القومي العربي، وهو التهديد الجديد القادم إلى الدول العربية في حقوقها المائية سواء من إسرائيل أو من غيرها.


العدد  10493   بتاريخ  03/28/04
الاتحاد