مخاطر الخارج واحتقان الداخل يهددان استقلال سورية وسلامتها

 

سورية في عين العاصفة

د. بشير موسي نافع
بعد مرور عام علي انطلاق عملية غزو العراق واحتلاله، واذ يواجه المشروع الامريكي في العراق والمنطقة مزيدا من الصعوبات، اندلعت اضطرابات دموية في مدينة القامشلي السورية. يصعب تحديد الاسباب المباشرة وراء الاحداث التي شهدتها المدينة السورية الشمالية الشرقية طوال ثلاثة ايام علي الاقل في منتصف هذا الشهر. تتحدث الرواية الرسمية السورية عن اعمال شغب تلت مباراة لكرة القدم وطالت مؤسسات الدولة واسواق المدينة ومقدراتها العامة. بعض اوساط المعارضة السورية في الخارج حملت السلطات السورية المسؤولية، مسؤولية الاحتقان المجتمعي في المدينة وجوارها ومسؤولية انفجار هذا الاحتقان والمواجهات الدموية التي نجمت عنه بين السلطة والاهالي وبين الاهالي انفسهم.
خلال احداث القامشلي تظاهرت مجموعات كردية من سكان المدينة ضد الدولة السورية، اطلقوا هتافات تطالب بالحقوق القومية ورفعوا الاعلام الامريكية في اشارة واضحة الي التحالف الكردي ـ الامريكي في شمال العراق. ووجهت التظاهرات واحداث الشغب والتدمير المصاحبة لها باجراءات قاسية وعنيفة من قوات الامن، مما ادي الي سقوط ضحايا تتفاوت التقديرات حول عددهم. احد التفسيرات التي راجت في نهاية انفجار العنف تشير الي ان المسألة قد خطط لها نشطاء اكراد سوريون يعيشون في المنفي. اما التفسير المضاد فيشير الي مجرد شغب محدود ومعتاد اندلع علي خلفية مباراة لكرة القدم، اججته اساليب المواجهة بالغة العنف التي استخدمتها قوات الأمن. ولما كان عنف اجهزة الامن قد توجه في معظمه ضد سكان القامشلي الاكراد، فان الشغب المحدود والعفوي سرعان ما تحول الي حركة احتجاج سياسي حاول اكراد المدينة من خلاله التوكيد علي هويتهم القومية والمطالبة بحقوقهم المدنية والاثنية. ان ايا من هذين التفسيرين قد يكون صحيحا، وربما كان الصحيح هو غير ذلك تماما. ولكن المشكلة ليست في صواب النظرية التفسيرية بل في الحدث نفسه، في مجرد وقوعه وفي السياق الذي احاط به. لماذا تستفز القوات الامنية السورية بهذه السرعة، ولماذا تنتهي مواجهة احداث شغب في مدينة صغيرة وادعة بهذا العدد او ذاك من القتلي؟ لماذا يرفع الاكراد في القامشلي شعارات انقسامية ويستعدون الولايات المتحدة علي وطنهم؟ بل لماذا تشهد سورية فجأة انفجارا اثنياً وهي التي يحكمها حزب علماني لا شك في علمانيته ويتخلل الاكراد نسيج مجتمعها المدني منذ قرون طوال؟
القامشلي، الواقعة علي الحدود السورية ـ التركية وسط اقليم الجزيرة الذي جزأته حدود الشرق الاوسط الحديث بين سورية وتركيا والعراق، هي مدينة مختلطة اثنيا ودينيا. يقطن القامشلي مسلمون ومسيحيون ويزيديون، ويقطنها عرب واكراد واتراك وارمن. وهو ذات التنوع السكاني الذي يعطي كافة مدن الجزيرة ملامحها. من الموصل وتلعفر الي ديار بكر ونصيبين. هذا السهل الخصب المنبسط بين دجلة والفرات، كان دائما وعلي مر القرون ساحة تلاطم لموجات من الهجرات واصطدام الامبراطوريات وتداعي القوي الحاكمة والطامحة والخارجية. ولكن التنوع الديمغرافي في القامشلي ومدن الجزيرة الاخري لا يعني بالضرورة توترا قوميا او طائفيا. بل ان التاريخ الحديث لهذه المدن سواء في الجانب السوري او العراقي او التركي، لم يسجل عنفا مجتمعيا داخليا علي اي مستوي من المستويات. العنف الرئيسي الذي عرفته هذه المدن هو العنف الذي مارسته اجهزة الدولة والحكم. وهذا ما يجب ان يستدعي الاهتمام بأحداث القامشلي.
تواجه سورية في الاحتلال الامريكي للعراق واحدة من اكبر الازمات التي واجهتها في تاريخها منذ الاستقلال. لقد كان واضحا خلال الاسابيع القليلة السابقة للحرب علي العراق والاسابيع التي

 

تلت اسقاط نظامه واحتلاله، ان المشروع الامريكي في المشرق يتجاوز العراق بكثير، وان سورية تحتل موقعا متقدما في لائحة الاستهداف الامريكي. في دمشق، كما في عواصم عربية اخري، ظن البعض ان بالامكان احتواء التهديد الامريكي من خلال تقديم بعض التنازلات السياسية المرحلية. ولكن ما اعاد خلط الاوراق فعلا كان تصاعد المقاومة العراقية والفشل الامريكي الذريع في بناء نسخة امريكية في العراق. تعقيدات العراق، صلابة شعبه، وهشاشة القوي العراقية المتحالفة مع ادارة الاحتلال، ادت جميعا الي ثلم حدة الهجوم الامريكي وامتصاص زخمه. وقد افاد التعثر الامريكي في العراق القوي الاقليمية، سواء من خصوم واشنطن او حلفائها، كما افاد الوضع الدولي ككل. ولكن يخطيء من يظن ان الوجود الامريكي في العراق سينتهي سريعا او ان الآثار الاستراتيجية لهذا الوجود يمكن تجاهلها او محاصرتها بسهولة. وضع الفشل الامريكي في العراق حدا لمشاريع التوسع العسكري الامريكي في المنطقة، بمعني امكانية استخدام الولايات المتحدة قوتها العسكرية لتحقيق اهدافها السياسية في سورية او ايران او لبنان. ولكن واشنطن، خلال ما تبقي من عمر ادارة بوش الاولي او خلال ادارته الثانية ان اعادته الانتخابات الرئاسية الي البيت الابيض، لن تتوقف عن محاولة انجاز اهدافها في المنطقة بوسائل اخري.
شهد الملف السوري في واشنطن خلال شهور قليلة سلسلة من التطورات. كان هناك بداية زيارة تهديد واضحة لوزير الخارجية الامريكي الي دمشق، تناولت الملفات الثلاثة المتفجرة، الفلسطيني واللبناني والعراقي. وتلا ذلك تأسيس مجموعة سياسية سورية معارضة من شخصيات مجهولة التاريخ والهوية، وجدت لنفسها طريقا الي اوساط الادارة والكونغرس الامريكيين، بما يذكر بمجموعة الجلبي ونفوذها الاسطوري في العاصمة التركية. وفي الوقت نفسه، جري وبطريقة مثيرة فتح ملف جديد يتعلق بأسلحة سورية كيماوية وبيولوجية. وقد اقر الكونغرس الامريكي، بموافقة من ادارة بوش قانون معاقبة سورية الذي يوشك ان يخرج الي حيز التطبيق سريعا. ثم جاء اقرار الدستور العراقي المؤقت الذي صاحبته تصريحات كردية عراقية ذات مغزي ودلالة منها اشارة احد الاعضاء الاكراد في مجلس الحكم ان الدستور العراقي المؤقت لا يجد تأييدا من اكراد العراق فحسب بل من اكراد سورية وتركيا ايضا. وهي اشارة واضحة الي ان هناك في صفوف الحركة الكردية العراقية من يسعي بالفعل الي تأجيج المشكلة الكردية في كل المنطقة، بما في ذلك سورية. ربما لم يخطط لاحداث القامشلي في كردستان العراق، وربما لا شأن للنشاط الامريكي الواسع في شمال العراق بما شهدته القامشلي بشكل مباشر، ولكن سورية تتعرض فعلا لمخطط يستهدف زعزعة استقرارها سياسيا واثنيا. في مسلسل الضغوط علي سورية ستلعب الورقة الكردية دورا لا يمكن الاستهانة به فالولايات المتحدة تقدم نفسها الان باعتبارها الحامي لحقوق الاكراد وتقدم لذلك مثالا ماديا وملموسا في العراق. وقد وصل الوجود الامريكي العسكري والاستخباراتي في شمال العراق مستوي لا يمكن تفسيره سوي بالاهتمام الامريكي بالجوار العراقي في سورية وايران.
يعزز حظوظ هذه الورقة مجموعة من الاصوات والقوي الكردية التي تطلق من منفاها الغربي خطابا انقساميا وعدميا لا يبشر الا بمزيد من تقسيم المنطقة وتدميرها وسفك دماء ابنائها. كما الخطاب الخرافي الذي تبنته بعض الاوساط الكردية العراقية، تعلو الان اصوات كردية سورية تعلن الجزيرة اقليما كرديا خالصا وتنفي ضمنا الوجود العربي التاريخي في الجزيرة منذ اسست بكر وربيعة وكلاب وغسان ديارها من اعلي دجلة الي اسفل الفرات قبل ظهور الاسلام. في الخطاب الكردي العدمي المجلل بوعود الدم والصراع وانفجار العنف الاهلي نذر هاوية ساحقة تدفع اليها سورية بعربها وكردها.
بيد ان هذا ليس الا وجها واحدا للصورة. فقد بات من الضروري، ربما، ان يسأل اهل الحكمة

 

والرأي في دمشق وفي دوائر البعث العربي خارج سورية لماذا يزداد الانقسام الاثني في المشرق العربي عمقا في الدول التي قادها حزب البعث. منذ فجر الاسلام وحتي مطلع القرن العشرين ومدن بلاد الشام (والعراق) تستقبل فوجا تلو الاخر من العلماء والتجار والجند الاكراد الهابطين من الجبل ليندمجوا في نسيج المدينة العربية ـ الاسلامية. من ابن الصلاح وابن تيمية الي كرد علي ومحمد سعيد البوطي، والاكراد يرفدون الثقافة العربية ـ الاسلامية بعلم تلو الاخر من اكابر رجالاتها. أليس غريبا ان يجد خير الدين الزركلي، كردي الاصل، موقعا له في الحركة العربية القومية في مطلع القرن العشرين، ثم يجد اكراد سورية بعد عقود قليلة من حكم البعث انفسهم جميعا علي هامش الحياة السورية؟ ان من الصحيح القول بأن البعث، فكرا وتاريخا، انجازات واخطاء، انتصارات وكوارث، بات جزءا لا يتجزأ من تاريخ العرب الحديث. ولكن الصحيح ايضا انه قد ازف الوقت الذي اصبح فيه من الضروري ان يعيد البعثيون النظر في ميراثهم الفكري، في ثقافة حزبهم وفي الأسس التي قامت عليها انظمة البعث الحاكمة. لقد شكل البعث نقلة هائلة في سياق الحركة العربية وثقافتها، من حركة حاضنة يلتقي فيها تاريخ المنطقة، وذاكرتها ولسانها العربي ومواريثها الاسلامية الي رؤية قومية عرقية، عنصرية، طاردة، وحصرية. انشأ مؤدلجو البعث الاوائل قراءة استبعادية لتاريخ هذه القارة الناطقة بالعربية، حولتها من بوتقة لاندماج الاعراق والهجرات والثقافات الي دائرة عرقية مغلقة وطاردة. ولم يكن غريبا بالتالي ان يتوقف تيار التعرب المستمر منذ قرون طوال، والذي ربط الجماعات التركمانية والكردية بالحواضر العربية ـ الاسلامية الكبري، وان يحل محل هذا التيار جدار بارد ومصمت من النفور القومي المتبادل.
سورية مهددة، نعم. هذا امر لا يجب ان يتطرق اليه الشك. الادارة الامريكية تتربص بدمشق منذ ما قبل غزو العراق وقد ازداد هذا التربص بعد تزايد احتمالات فشل المشروع الامريكي في العراق وهزيمة شارون في فلسطين. هناك في واشنطن من يريد ان تدفع سورية الثمن الباهظ الذي تدفعه الادارة الامريكية الحالية جراء سياستها الحمقاء والهوجاء في المنطقة. ولكن سورية مهددة ايضا بسياسات الاقصاء التي طالت القوي والافراد والجماعات السورية، قومية ويسارية واسلامية. سورية مهددة بالاصوات الانفصالية المدمرة التي تسعي الي الاستقواء بالخارج علي وطنها، والتي لا تكترث باستقلال بلادها وامن اهلها طالما لاح لها وهم تحقيق طموحاتها الانانية.
سورية مهددة ايضا بثقافة قومية تسيء للعروبة وتاريخ العرب، ثقافة يصعب علي قطاعات واسعة من السوريين ايجاد موقع لهم في كنفها. وقد آن الاوان لأن تبدأ سورية الخطوات الضرورية لحماية نفسها من المتربصين بها ومن نفسها علي السواء.
كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث