أحداث القامشلي: خـريــف دمـشــق

خالد سليمان

 

تطرّق بعض الكتّاب السوريين في تعليقاتهم على احداث مدينة القامشلي والمناطق ذات الغالبية الكردية الاخرى في سوريا الى العنف الريفي ضد "المدينية" الشامية. وتطرق لها بعض آخر على انها فتنة كردية تريد تشويه النسيج الاجتماعي في سوريا. وهناك طرف ثالث يرى في تلك الاحداث آثاراً حقيقية لما تنتهجه سياسة البعث في عموم البلاد بشكل عام وفي المناطق التي شكل الكرد غالبية سكانها خصوصا.

ويمكننا قراءة المشهد السياسي السوري من خلال هذه العناوين الثلاثة التي حركتها قوة الاطراف او الهامش الذي اصبح عنوانا لتحول جديد في العلاقة بين المركز الايديولوجي السلطوي والهامش المجتمعي. ولا يمكن هنا تصديق الرأي الذي يقول ان الاحتجاج الكردي ما هو سوى عنف ريفي ضد "المدينية الشامية"، لأن اشكالية المركز والهامش في المجتمع السوري اشكالية سياسية ايديولوجية تديرها السلطة لمصلحة فئة معينة على حساب فئة اخرى. وهي بالتالي حالة من تأسيس الروتين السلطوي تربط بين الانشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال المركز المتمثل في الدولة والهامش المتجسد في المجتمع.

وكان المجتمع الكردي في سياق هذه الأزمة السياسية التي خلقتها السلطة وقوضت القوى الاجتماعية السورية من خلالها في البلاد، مجالا مفتوحا لتكريس العنف، وابعاده في الوقت ذاته عن الرعاية التعليمية والصحية والمدنية الضرورية.

لقد اصبح هناك هامش الهامش وتتحرك عناصره في دوائر انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان كالحرمان من حقوق المواطنة وتجريد فئات واسعة من الحقوق المدنية مثل الجنسية والملكية والدراسة وممارسة الحرية الفردية ناهيك عن الحرية الجماعية. وضمن هذا التهميش نفسه الذي شمل المجتمع السوري بعد ان احتكرت الدولة رأسماله الاقتصادي والسياسي ونسجت علاقاته وفق ايديولوجيا التدجين، تم اخضاع الاكراد لعمليات تهميش مزدوجة. ففي وقت صارت البلاد تحت ثقل قانون الطوارئ والمحاكمات العسكرية تحولت المناطق الكردية مجالا مفتوحا لنشاط عنف اضافي اذ وضعت فيها الحكومة شريطا امنيا يسمح بموجبه تجريد الناس من الجنسية والملكيات الخاصة وجلب العرب من المحافظات الاخرى لها وتغيير الاسماء الكردية للأقضية والنواحي والقرى الى العربية. هذا بالاضافة الى تسليم جميع تلك المناطق الى مؤسسات امنية لادارتها، ولا نبالغ اذا قلنا ان شخصا مثل محمد منصورة، رئيس الشعبة الامنية السابق في محافظة الحسكة، والمؤرخ البعثي منذر الموصللي الذي شغل مناصب امنية عديدة في المنطقة نفسها كان لهما سلطة رئيس الدولة في مناطق الجزيرة.

واذا اقتصر الاستلاب الحكومي في دائرة الهامش الاول على الرأسمال الاقتصادي والسياسي للمجتمع السوري بشكل عام، فانه تجاوز ذلك في المناطق ذات الغالبية الكردية ووصل الى الرأسمال الثقافي والتاريخي، اذ تم منع اللغة الكردية واي نشاط ثقافي يتعلق بالثقافة والتاريخ الكرديين. ولهذا السبب توجهت غالبية المثقفين والفنانين الكرد في تلك  المنطقة الى فن الرسم وظهرت ابداعات خلاقة في مجال الفن التشكيلي حسب شهادات سورية.

ومن هنا لا يمكن الحديث عن عنف الهامش او الاطراف دون ربطه بكل هذه العوامل السياسية التي لم تنتج سوى خريف اجتماعي واغتراب تاريخي اجهلت السلطة طوال هذه الفترة عواقبه الوخيمة. ذلك ان قوة الاطراف، والتي اصبحت مركزا في محاولتها جلب الانظار اليها واختراقها محرمات الدولة تشكل حيوية كمونية وتتجاوز الحلول الامنية في تطلعاتها ومطالبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ثم ان التعليقات السورية الرسمية والسياسية العامة المتمثلة برأي غالبية المثقفين والمحللين لم تُصِب المشكلة وابعادها المتعددة والمعقدة في آن واحد. لأن النسيج الاجتماعي الذي تحدثوا عنه هو جزء من القاموس السياسي الاستهلاكي للدولة التي لم تنتج طوال تاريخها سوى قانون الملائمة القسرية بين الايديولوجيا والواقع وفشلت تاليا في خلق مناخ المواطنة الحقيقي بين المواطنين. اما الحديث عن العنف الريفي فهو ليس الا الهروب من رؤية الواقع المر ووضع صورة الدولة بعيدا عما تشهده الاوضاع السياسية من الارتباك والمواجهة مع قوى الاطراف.

اذا قرأنا تحليلات عماد فوزي الشعيبي نرى ان الدولة تلعب دور المحايد وليس لها علاقة بكل ما جرى في الايام الاخيرة. والسؤال هنا هو اين كانت الدولة ومن هم الذين اطلقوا النار على المتظاهرين، وما هي اسباب تلك الاحتجاجات التي شملت جزءا كبيرا من البلاد؟

لقد فشلت غالبية المثقفين السوريين في الاجابة عن هذه الاسئلة التي تخص المركز قبل الاطراف!